عن انتحار جــيـل دولوز

adminBengrad2021
2021-06-04T22:12:32+00:00
العدد الخامس
13 أغسطس 202022 مشاهدة

ادريس آيت الزمزامي – كلية الآداب – مكناس

انتحر جيل دولوز يوم السبت 5 أكتوبر 1995. وبنهايته التراجيدية هذه يكون أحد أقطاب الفكر المعاصر قد وضع إسمه وفكره ضمن لائحة تضم أعلاما أخرين عرفوا مصائر مشابهة يوحدها الطابع الماساوي. ألتوسير قتل زوجته ليقضي بعدئذ حياته بين منزله ومستشفى الأمراض العقلية، ويتعرض رولان بارث لحادثة سيرقاتلة، وبعده سيموت ميشيل فوكو بعد معاناة من مرض تناسلي… إنها تراجيديات تجعل لذوات هؤلاء المفكرين حدا فاصلا، موتا ينحو فيها نتاجهم الفكري ورؤاهم للعالم والإنسان منحى أجسادهم ليلفه صمت أبدي. وإذا كانت نهايات كل من بارث وألتوسير وفوكو تكسر مسافة زمنية، لنستحضر فاجعة موتهم (ألتوسير وبارث سنة 1980 وفوكو 1984)، فإن انتحار جيل دولوزليس بعيدا منا، هذا المفكرالناقد الذي أعاد قراءة أنساق فكرية برمتها بإخضاعها لمحك تساؤلي وتفكيك جريء(1).

1- بعض جوانب كتابة دولوز

لقد كان لهذا المفكر إلمام بجذور ومنابع ومصادر عديدة. فهو يعرف الفكر الألماني. إذا نظرنا إلى كتابه مع فليكس گتاري، أوديب المضاد وجدناه ينتقد اللاشعورالفرودي، ويؤسس بالتالي نظرية تحاول تفكيك وحدة “الأنا” أوالذات الغربية وجعل كينونتها في دينامية لامتناهية محركها حيوية رغبوية خالصة. ارتبط إسمه بدريدا وفوكو وبارث ولاكان. أسماء رأى فيها الناقد الفلسفي الألماني مانفريد فرانك الفرنسيين الجدد او مدرسة باريس الفلسفية (2).

لقد اقتفى جيل دولوز أثر جاك لاكان الذي لم يرجع اللاشعور إلى حيث رآه سيغموند فرويد أي في فضاء ضبابي يطفو في بعض الأحيان على سطح اللاشعور. صحيح أن لاكان يؤمن بوجود اللاشعور لكنه يتأسس في كلام الفرد (3). ومن ثم لاوجود للأنا الثابتة le moi ، بل هناك ضمير المتكلم Je. ذات هذا الضمير لا تجذبها ماهية ما Essence وبذلك فنحن لا نعلم حقيقة أوماهية أنفسنا، إذا احتكمنا إلى ملكة العقل لتحديد ذاتنا الحقيقية فهي تنفلت دائما إلى لا معرفة . هنا يتم دحض الموروث العقلاني الديكارتي. يرى لاكان أنه لا إمكانية لتأسيس معرفة بشكل مباشر يعكس فيها الوعي نفسه >فأنا أفكر حيث لاوجود لي وبالتالي فأنا موجود حيث لا أفكر<. فتجربة كوجيطو ديكارت وهم في وهم. فلامركزية “للأنا” ولا يمكن تحديد معالمها بالمنطق العقلي. وبما أن إمكانية تحديد وعقلنة الذات تبقى صعبة المنال في فكر لاكان، سيحاول دولوز وكاتاري في كتابهما ألا يعطيا بديلا لتأصيل حقيقة ما فحسب، بل كتابة مايمكن تسميته علامة عن خزي الحضارة الغربية المعاصرة، حضارة السكيزوفرينيا.(4).

بين أنين ظاهراتية تحتضر ووجودية اختلقت مسكناتها وبنيوية انبهرت بفعل التقنية والنظام وفلسفة تحليلية أنگلوساكسونية تقتفي شيئا ما يشاكل العاطفة كأفق للبحث، تحاول كتابة دولوزالانفلات من كل نظرية تقعيدية.في استهلال أوديب المضاد نجد أنفسنا أمام زخم من الكلمات والجمل تتدافع وفق إيقاع تحركه أفعال مقرونة بإسم واحد يتكرر بشكل شبه منقطع:

هذا الشيء يتحرك في كل مكان، تارة بدون انقطاع، وتارة أخرى بشكل منقطع. هذا الشيءيسخن، هذا الشيء يأكل، هذا الشيء يتغوط، هذا الشيء يمارس الجنس يا له من خطإ. لقد قلنا اللاشعور “le ça” إنها الآلات في كل مكان بمزاوجتها وتجميعها. ليس بشكل استعاري،آلات في آلات، الثدي آلة تنتج الحليب والفم آلة ترضع وفم من افتقد رغبة الأكل يحتار في اختياره بين آلة تأكل وآلة شرجية وآلة كلام وآلة تنفس (أزمة ربو) (ص.7).

إنها حركية دون أصل ثابت، مجرد إذعان لحيوية تذكرنا شيئا بالرغبة الحيوية عند شوبنهاور ونيتشه لكن تبقى هناك خصوصيات تجعل من انتظار الأشياء والأجسام عند دولوز دينامية لا مولد لها. فهي كما يوحي بها المؤلف لا تجد ترصيصا لها عند عقدة أوديب، كأصل لا ينمحي، كما لا تبقى عالقة لدى الضميرالجمعي ولا ترتبط بذلك الذي يمضي ولا يندثر كلية أي اللاشعور. فالرغبة لا تتصل بهذا الشكل أوذاك بنموذج أسطوري قد يتجسد في صورة شخص كما عند شارل مورون مثلا. فالتمثلات والصور هنا ليست إلا وهما لأن الحقيقة -إن كانت هناك حقيقة- في ولادة الرغبة وموتها. وخلال هذه العمليات تتأسس المعرفة على شكل سلسلة من المعاني والدلالات. بهذا يحاول دولوز بعد لاكان أن ينزع الرغبة ككيان مستقل ولا يربطها بوحدة ما بين الطبيعة والانسان. دلالات هذه الرغبة وليدة علاقات موجودة بين أطرافها. إنها تذكرنا بالنموذج اللساني عند سوسيرحيث المعاني لا تخرج عن دائرة العلاقات التي تحكم دوال لغة ما. لقد كان سوسير متأثرا إلى حد ما بروح نظرية القيم في الاقتصاد السياسي، أما دولوز فيرى بأن ما يؤسس تلك الوحدة البنيوية التي تجمع شتات الآلات الراغبة هو روح الاقتصاد الذي يطبعها ومن ثم فهي ترقى إلى علاقات اجتماعية يسمو مظهرها في الغالب فوق كل رغبة أولية. هذه الأخيرة >تجد نفسها إما تابعة كليا للاقتصاد أوعلى الأقل فهو يوجهها < (ص.365). وقبل ذلك يرى أنه في >التكوين الرأسمالي ترتسم حدود أوديب نفسها كحدود ليست مسلوبة فقط، بل معيشة في هذا المعنى الذي تستولي فيه الصور الاجتماعية الناتجة عن تدفقات فكت رموزها على صورعائلية مقيدة تتحكم فيها الرغبة. في هذه النقطة بالذات يتأسس متخيل أوديب كما ينهي هجرته بواسطة أدوات في عمق التمثل، والمُمَثَّل يزاح عن مكانه ويصبح ممثِّلا représentant (ص. 318).

لا يهمنا إذا كانت السكيزوفرينيا الفردية أوالاجتماعية موجودة قبل النظام الرأسمالي. فبدل الثوري المحارب الذي يمتلك الحقيقة ويموت من أجلها، كما رسمته الإيديولوجيات السابقة، تخلق المجتمعات الرأسمالية الحديثة من أحشائها كبديل حتمي للنموذج الثائرSchizo(4). هذا الأخير هوأيضا قارئ كتاب أوديب المضاد، لذلك فدولوز وكاتاري فضلا عدم استفزازه بكتابة تخلق قمعا آخر. فعندما يتم تأسيس خطاب ممنهج تحكمه أدوات منهجية صرفة، يتم تحويل الموضوع إلى ذاتية تحاول عقلنة العالم الخارجي وفق موضوع مستقل يرتبط بشكل أو بآخر بسلطة أوديب المعرفية ذلك الذي أعلنا صراحة أنهما يكتبان ضده.

إنه وضع فرضه وحدده نمط الإنتاج الرأسمالي الغربي الذي عرف تغيرا وتطورا مطردين. أسس هذا النمط، باختراعاته التقنية المذهلة، وضعا وجوديا للذات وللجسد. ذات تحكمها علاقات من نوع خاص. فنمط الإنتاج الغربي لايحتاج لخلق إيديولوجيا معينة كما فعلت أوروبا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، أوكما لاتزال تفعل بعض الأنظمة غير المتقدمة عندما تنادي بالقوميات أوالوطنيات وتجعلها بمثابة مقدس يعوض التناحر والتعصب الدينيين. كفيلسوف ناقد وليس كعالم اقتصاد، يخضع دولوزالوضع الإنساني والاجتماعي الغربي لنقدية تخلق أسلوبها من صلب الموضوع نفسه. أسلوبا قلما ينزلق للحديث عن منبر قوامه عوامل خارجية، حتى أن اللغة التي كتب بها أوديب المضاد ليست تلك اللغة التي تخضع لمنطق تركيب. فتوبوغرافيتها، كما يقول ديريدا، تشكل فسحة للدال. بمعنى أن الغياب شبه التام لتمفصلات منطقية تعني حركية دؤوبة إلى شيء سيأتي. حركية إلى الأمام غايتها هي ما يجعلها ممكنة لاغير. فهذه الكتابة في حد ذاتها توحي بشكل آلي بأنه لا مكان للقوانين بشكلها العام. فهذه الأخيرة ليست إلا ظلا أوخدعة يحكمها منطق الرغبة، فكل شيء يتجاوز القوة الفاعلة للذات، سيرورة تشتت بنيات التواصل المألوفة، كتابة أوديب المضاد صدي لتفاعل -أو ربما لانعدام كلي- لـ “أنا” المفكر (دولوز وكاتاري) مع الموضوع الذي هوتصدع للذات وتبعيتها الكلية لآليات المجتمع التقنوقراطي، فهي ليست شهادة سيميولوجيا صرفة تبني مسلماتها وفق منطق مستقل، منطق خالص يحاكي نموذجا ما في العلوم الحقة، هي خطاب جامع وكلي لأنها تجعل فكرا كليا في عملية عنف إيجابية ربما لخلق اختلاف بتكرارالعملية نفسها عملية اكتساح الرغبة لكل شيء. لقد ذهبت كريستيفا إلى القول بأن شعر ستيفان مالارميه يشبه إلى حد ما، في ثورته التي تراها سياسية أيضا، ذلك المد للبلاهة كما صاغها دولوز(5).

2- انتحار دولوز أوالتحدي الوجودي

أينما حل الفكرالأوروبي إلا وحلت الرغبة. لقد كتب بول فاليري ذلك بشكل دقيق وجميل أيضا: حيث يوجد الفكر الأوروبي تتمظهر بشكل جلي الحدود القصوى للحاجيات والحدود القصوى للعمل والحدود القصوى للرأسمال والحدود القصوى للمردودية والحدود القصوى للقوة والحدود القصوى لتغيير طبيعة العالم الخارجي والحدود القصوى للعلاقات والمبادلات (…) فرائع ألا يحدد الإنسان الأوروبي من موقع لغوي أوعرقي بل من زاوية رغباته وحجم إرادته القصوى…(6).

إنها إذن تجربة الحدود القصوى، تجربة تستقي جذورها من وضع وجودي للإنسان الأوروبي في الزمان وفي المكان، محاولا امتلاك الفضاء الخارجي في سعته وأبعاده المحسوسة. فضاء لم يعد فيه للآخر في ماهيته الميتافيزيقية المجردة والمتعالية أي موقع. ألم يقل أندري مالرو بأن هذا القرن زمان لم يعرف كيف يبني معابده؟ أجراس الكنائس أصبحت تدق لتعلن الموت لاغير. ألم يذهب نيتشه إلى الحكم بموت الله؟ بإمكاننا في هذا الصدد أن نرصد أمثلة أخرى. ومهما يكن من أمر، فرحيل دولوز هو تجربة الحدود القصوى، حدود المعلن والفعلي. ولو قمنا بالحكم عليها من خلال قناعات دولوز ومبادئه وليس من خلال مفاهيم لاهوتية، لوجدناها تجربة خالصة تحقق ذلك الشيء الأعظم. إنها رغبة الزوال والانمحاء التي لن يتبعها أي همس وأي كلام. تكفي لذاتها وتحقق ماهيتها بنفسها. هذه التجربة لا تختار حدود الصوفي. إذا كان هذا الأخير، في نكرانه لذاته، وانصرافه عن متع الدنيا، يحاول أن يكتسب كرامة ما تضفي عليه صفة القدسية و القداسة، فهو إذن يحاكي صفة من صفات الإله، بمعنى أن وضعه محدد سلفا بصورة خالصة عن خالق مطلق (7).

عندما قتل دولوز نفسه، فإنه وضع الحدود القصوى أوبالأحرى عاش هذه الحدود وفق طريقته الخاصة. إذا كان زمن الموت والحياة يتجاوز قدرة الفرد الفاعلة، فإن الانتحار يخلق زمن ومكان الموت دون انتظار أوترقب شيء ما سيأتي. إذاك ينتهي زمن الضمائر الجمعية أي زمن الرغبة في وجهه الإلهي وتحصل رغبة كلية تجعل من الجسد والإنسان تلك النقطة المائية التي تجتذبها عناصر الوجود المحسوسة. فكل ما كان مرتبطا بمسلسل الرغبة في سيرورة زمن أفقي ينهار بشكل فجائي ويسقط في مسافة زمنية لا تقبل التجزيء أوالتفكيك.

إن قوى الهدم والاقتلاع الذاتي توحي بشكل مباشر بأن الرغبة في الموت رغبة في امتلاك الجسد ككيان مستقل، كشيء في ذاته. فهو الذي يخلق من صلبه حركية العنف. ولا مجال إذن ها هنا للاختلاف. اغتيال الجسد يعني إظهار الحدود القصوى للحميمية التي تربطه بشيء متعال اصطلح على تسميته بالفكر. فإذا كان الإنسان الروحي في الديانات الترانسندنتالية (الإسلام، المسيحية، اليهودية) يجعل من القرابين وسيلة تقربه من الإله، فإنه بذلك يخلق اختلافا جوهريا بين موضوع القرابين (الحيوان مثلا) والإنسان من جهة، وبين الإنسان والإله من جهة ثانية. فذات الإنسان تتحقق من خلال موقعها بين ذاتين: الأولى سفلى والثانية عليا. وعندما يتم قتل الإنسان الآخر (في الحرب مثلا) يتم بشكل غير مباشر إخلاء الوجود من الأشياء السلبية كامتداد طبيعي لذات مطلقة من صفاتها الكمال والخير.أما الشر، فهو ما يجب قتله والقضاء عليه. ففي قتل الآخر، لاشعوريا، ينهض الوعي-بتعبير جورج بطاي- أثناء عملية العنف لفترة زمنية قصيرة ليثبت كينونته من خلال الآخر(8). وهذا ما يجعل العالم المحسوس دوما في تبعية لفكر خالص. في حين عندما تصبح آلة العنف حرة في اختيار ضحيتها ولا تتقيد في ذلك بمعيار الانفصال، أي حينما تجعل من مادتها موضوعا للعنف والقتل تنمحي في تمثلها ذات خالصة، ولذلك حرم الانتحار لأنه لا يمتثل للأوامر الإلهية أو الأخلاقيات الدينية.

إن انتحار دولوز، إذا ربطناه بكتابه أوديب المضاد وبما سبق، سيتبين لنا أنه قد لايكون صدفة أوحدثا عارضا. فنمط الإنتاج والفكر الأوربيين يمجدان ويكرمان الفرد من خلال عطاءاته، ويعليان من شأنه إن هوأنتج شيئا ما يحرك الرغبة الجمعية. إن وضعية الفرد الأوربي لم تعد مستمدة من التقاليد الموروثة بجعله الرغبة كحقيقة مثلى؛ فهو دوما كما يقول المثل الفرنسي >في عين الاعصار< دون عمق وجودي، آلة راغبة أوذات ببعد واحد(9)، كما قال بذلك هربرت ماركوز: > فالسلبي لن يرجع والمطابق لن يرجع أيضا، والمضاد والمشابه لن يرجعا، وحده القول يرجع، أي المختلف<(10). ذلك لأن السلطة الشاملة للنظام الرأسمالي والتقنوقراطي تخترق وتتحكم في كل شيء، فهي لا تترك أدنى حرية للفرد رغم انسلاخه عن السلطة الدينية، فلا يمكن أن نفترض بأن انتحار دولوز هو محاولة -ربما امتداد طبيعي- للتحكم في الجسد، في الرغبة، ولو لفترة وجيزة ووحيدة؟ ألا يجد الجسد ضالته في احتواء العنف وفي توليده وتفجيره وتشتيته بعيدا عن ثنائية الرأسمال أو الآٌلة؟ ألا يمكن القول أيضا بعد انتحار دولوز >إن القول لا يرجع أيضا< وإن الاختلاف يبقى ممكنا ولا يصل إلى درجة الحدث؟ تبقى تلك السيرورة فقط من خلال الكلام، وليست هناك تكوينات للخطاب من شأنها أن تؤسس وضعا حقيقيا للفرد والجماعة كما قال ميشيل فوكو. ألم يقل دولوز مع نيتشه بأن ما يهم ليس النموذج المثالي للمعرفة، بل التأويل والتقويم النهائي لكل شيء؛ >إن الفيلسوف المستقبلي هو الذي يسبر أغوار ومكنونات العالم القديم في قممه وكهوفه ولا يخلق إلا باسترجاع شيء ما أصبح منسيا (…) هذا الشيء حسب نيتشه هوما يوحد الفكر بالحياة<(11). وعندما يتوحد الفكر بالحياة في زمن البلاهة ينتصب الجسد أحاديا ملغيا بشكل موضوعي بعده الثاني كنبع لفكر موجب أي عندما ينتهي العالم كموضوع للمعرفة لذات عارفة مصدرها >جسد موضوعي< يصبح الجسد معيشا على حد تعبير م. ميرلو-بونتي: > نحن دائما في الشيء المليء، في الكينونة، كوجه، حتى في راحة، حتى في موت (…) هناك موتى دهشون هادئون وأيضا إن ما أراه أنا حقلا لذاتية متبادلة ليس رغم وجود جسدي أو وضعي التاريخي لكن من حيث إنني ذلك الجسد وذلك الوضع والباقي من خلالهما<(12). بمعنى أنه بإمكاننا أن نجعل من هذه الجثة الهامدة -جثمان دولوز- ذلك الوضع الذي لا يتجزأ عن ظرفه الزمكاني. قد يشبه هذا الجسد جسد أنطونين أرتو في كتاباته المسرحية: جسدا مسلوبا أو ربما يذكرنا بالجسد التراجيدي المريض الذي رآه موريس بلانشو من خلال الموت. فعندما يصبح الجسد مشروطا برغبة قصوى متعددة لا حد لها يفقد مكوناته الفيزيولوجية. فقتل الجسد عمدا يعني في هذا الإطار، من ضمن ما يعنيه، إظهار عنصرالغرابة كبعد جوهري لهذا الجسد؛ جسد افتقد الاتزان في كل شيء ولم يستطع أن يحقق التفاعل بين المادة والروح.

الهوامش

1- انظر : نيتشه و الفلسفة(1962)، الفلسفة النقدية عند كانت، مذهب برگسون(1966) ، سبينوزا وأشكال التعبير ، مارسيل بروست والعلامات (1968)، تقديم لشاشر مازوخ (1964) ، الاختلاف و التكرار(1968)، منطق المعنى، أوديب المضاد(1970) الصورة-الحركة(1983) الف طبق (1980) الطي(1988) ، فوكو(1986) الصورة -الزمان(1985).

2- Qu’est-ce-que le néo-structuralisme? T Française C. Berner , Frankfurt -am-main, les éditions du Cerf, 1989

3- Lacan Jacques : Le Moi dans la théorie de Freud et dans la technique de la psychanalyse , Séminaires II , Paris Seuil 1978 , p 60

4- يخلص هنرى ميشو ، في محاولته لتعريف السكيزوفرينيا، وبعد وصف دقيق للشخص المصاب بهذه العاهة وعلاقته بمحيطه الاجتماعي، إلى أن كل شيء يصبح بعيدا عن متناوله، بل في علاقة تضاد معه، لأنه لا يستطيع أن يتأقلم أو أن يتحكم في الأشياء من زواياها كل واحدة على حدة، فكأنه في حلم، يذهب إلى منطق مجنون على صورة ما يجري في كيانه(…) إنه سجين داخل الزمن داخل زمن لا يتحرك، زمن لا يعطيه أدنى فرصة للخروج، زمن لا يعاش فيه لأنه زمن لم يتم اختياره(…) أوقاته المتشابهة أوقات بلا عواطف ،سجينة الانضباط، هي قضبانه التي تحبسه في مكان بعيد ، حالة خاصة يصبح من خلالها كل شيء لامعرفة< انظر

5- Kristéva, Julia: La révolution du langage poétique ,Seuil 1974 , pp 14-15

6- Valéry Paul: Variété 1, Gallimard 1924, p 51

7- انظر كتاب الميلودي شغموم: المتخيل والقدسي في التصوف الاسلامي م.م.ب مكناس ،1991 وخصوصا صفاء الأصل ص. ص. 109-117

8- الإنسان الذي ينتمي إلى منطق الأشياء المحسوسة ملزم بإعلان نفسه بوجوده الفعلي لكي يصبح النظام سائدا (…) فكأنه يعاقب الأشرار والمجرمين-مع ذلك- فالإجرام ضروري في العالم المادي لكي يستعيد هذا الأخير حميميته. أما الانتقام أو الحرب المعلنة فذلك امتداد ومحاكاة لعدل إلهي. انظرBataille G : Théorie de la religion ,Gallimard 1973 ,p 109

9- Marcuse H : L’homme unidimensionnel, Gallimard ,Paris 1973 p 109

10-Deleuze ,Gilles: Différence et répétition,P U F ; Paris 1972 p163

11- Deleuze J: Nietzsche,PUF 5 édition pp17-18

12- Merleau-Ponty, Maurice : Phénoménologie de la perception ,Gallimard ,1945 , p 5