الهزلي والشعري

adminBengrad2021
2021-06-04T22:11:57+00:00
العدد الخامس
13 أغسطس 202047 مشاهدة

جــان كـوهـن

ترجمة د. محمد العمري – كلية الآداب – فاس

مقدمة المترجم

الإشكال و المفاهيم

حظيت السخرية باهتمام كبير من الدارسين المحدثين. وذلك، لا شك، لاتساع مجال فاعليتها:

1- في الأدب مكتوبا (رواية، شعر، مقالة..)، ومشخصا (مسرح، سينما). 2- في الكتابة الصحفية؛ في النقد السياسي والاجتماعي لفظا ورسما (الكاريكاتير). 3- في الحديث اليومي.

تناولها البلاغيون اللسانيون (مثل كاترين كيربـرات أوركشيوني) والتداوليون (مثل ألان بيرونضوني) وغيرهم، حتى صارت التسمية الساخرة للمشتغلين بها: “علماء السخرية” أو السخرياتيون (Ironologues). فصار يتحدث عنهم بهذه التسمية على غرار الشعريين (Poéticiens). لقد كان السؤال الجوهري الذي أرق دارس السخرية هو: ما الذي يجعل السخرية سخرية، وما الذي يميزها عن غيرها ؟. طرحت هذه القضية على مستوى الجنس والتقنية معا.

فمن وجهة نظر فلسفية اعتبرت السخرية طريقة للتعامل مع العالم غير طريق التأمل والفن لما تنطوي عليه من تأرجح بين قطبي الجد والهزل(1). ومن وجهة نظر بلاغية نوقشت السخرية في علاقتها بالصور البلاغية مثل الاستعارة والطباق والتورية… الخ (2). فالسخرية في حدودها التقنية وبمفهومها التقليدي تلتقي مع هذه الصورالبلاغية في كثير من الخصوصيات، غير أنها ما فتئت تدافع عن تميزها بدخول العنصرالوجداني المجسد ضحكا في بنيتها.

في قمة هذا الحوار وبعد الاطلاع عليه واستيعابه طرح جان كوهن إشكالية الفرق بين الشعري والهزلي مستحضرا غيره ومتناسيا له في الوقت نفسه. لقد اجتهد في إطار نظريته الوجدانية التي بسطها في كتابه: اللغة الرفيعة le Haut langage. اجتهد في غير ادعاء معتبرا عمله مجرد نفض للغبار عن نظرية الشعر الوجدانية القديمة وتطعيمها بالمعطيات العلمية الحديثة، خاصة من علم النفس والتحليل النفسي والتأمل الظاهراتي في الكون والأشياء.

لست أدري لماذا فضل جان كوهن كلمة Comique (هزل أوهزلي) على كلمةIronie (سخرية)؟ هل يرجع ذلك إلى أن كلمة هزلي أقل ارتباطا في الذهن بالنقد المر وأقل شحنة فلسفية من كلمة سخرية، وقد عرف الهزلي منذ البداية، بقوله:>سنأخذ كلمة هزلي هنا بمعناها العام جدا بحيث تشمل جميع أشكال الضحك من لفظ وغير لفظ<؟ يبدو أن هذا الاعتبار كان رائده، ولذلك انطلق من الضحك باعتباره السمة المميزة. غير أن نهاية البحث ونتائجه تصب في عمق السخرية وتسترفد بعدها الفلسفي. يقول في الخاتمة: >غير أن الضحك لا يستمر غير لحظة قصيرة، وحالما ينطفئ يجد نفسه من جديد أمام كون عبثي. ولهذا فإن الحزن كما نلاحظ أحيانا كثيرة يتخفى في أعماق الهزلي<.

يدعم ما ذهبنا إليه كون متن الأمثلة التي شغلها الباحث بكل تنوعاته هو المتن نفسه الذي تداوله دارسو السخرية. والنظريتان المعروضتان: نظرية التردي ونظرية التناقض هما النظريتان المعتمدتان عند دارسي السخرية قديما وحديثا. ومع ذلك كله فقد سكت المؤلف عن الرصيد البلاغي التنظيمي الملتصق بكلمة سخرية (Ironie).

يتكون المقال من قسمين: قسم أول تناول فيه المؤلف علاقة الضحك بالهزل انطلاقا مما عرف عن الضحك فزيولوجيا ونفسيا، مع ترجمة ذلك بمفاهيم ظاهراتية وتأويل أساسي لمفهوم القيمة بتحويلها من المعنى المفهومي التصوري إلى الأثر الوجداني. فما لم يؤخذ هذا التأويل بعين الاعتبار من طرف القارئ فسيستحيل عليه فهم ما يشير إليه المؤلف من فروق قيمية في القسم الثاني. لابد من التمعن في الفروق بين القيمة وضد-القيمة واللاقيمة، وفروق الكم والكيف؛ فالعبارات لم توضع جزافا. ومن هنا فإن المقالة تفهم ككل، أي لابد من قلب أولها على آخرها وآخرها على أولها. بل أود ألا يقف القارئ عند صعوبة القسم النظري الفلسفي (القسم الأول) وينشغل عن القسم التطبيقي البلاغي (القسم الثاني).

في القسم الثاني، وهو أهم في نظر الباحث في البلاغة، وإن كان يتغذى من الأول، يحاول المؤلف إيجاد مجال للتكامل بين نظريتين كبيرتين في تفسير فاعلية السخرية، وهما نظرية التردي، ونظرية التناقض. وقد وفق في هذا الصدد بما أضافه من اجتهادات في توسيع مجال “التردي” بجعله لا يقتصر على الاتجاه نحو السلب بل يتجه أيضا نحو الإيجاب. وبتوسيع مجال التعارض ليشمل كل أشكال التقابل -وُفِّقَ لاستيعاب أكثر الأمثلة التي كانت تعترض على النظريات الأحادية السابقة. ومن هنا فإن المقال، إن لم يقنع في الفصل بين الشعري والهزلي -رغم صلابة الجهد النظري- فقد قدم صياغة بنيوية تقوم على أساس منطقي في تفسير فاعلية السخرية متجاوزا كل الطروحات الجزئية التي اطلع عليها واستوعبها دون أن يدخل معها في سجال.

هناك معجم مفاهيمي وجداني لابد من محاولة ضبطه بالقراءة الشمولية للنص وبإعادة القراءة. هناك ألفاظ تزدحم حول معان متداخلة قد تُحس في لغة وتضيع عند النقل إلى لغة أخرى مهما تحرينا، بل إن الفروق بينها ضئيلة حتى في لغتها، مما يجعل الباحث يعوض بعضها ببعض أحيانا دون تفسير. ومع ذلك تبقى متمايزة في إطار النسق. ففي المجال النفسي والأحوال النفسية نجد النص يستعمل الكلمات التالية: affect, affectif, passion, pathétique,isopathie, hétéropathie, pathétisé, dépathétisé, pathène, (tathos), (apathy), émotion, émotionnel, tension, tendu, détendu, détente, sentiment sens, indifférence; euphorie, aphorie.

لقد حاولنا ترجمة قواسم هذا الحقل بالنظر إلى نسق المعاني في نص المقال مع الاستعانة ببعض معاجم علم النفس تحرزا من التيه في أرض لم نتمرس بمعجمها، على الشكل التالي :

قد يجد المترجم صعوبة في التفريق بين اللامبالاة واللاإنشراح. بل إن المؤلف نفسه قال مرة: “اللامبالاة أو اللاإنشراح” وكأنه يسوي بينهما من جهة ، وبينهما وبين كلمة apathy من جهة ثانية. جاء في الموسوعة المختصرة : (3)

عدم المبالاة، عدم الاكتراث indifférence: وهو قريب من التبلد، وإن كان التبلد الوجداني وصفا ذاتيا Subjective أوخبرة ذاتية (سواء أحس به المريض أو وصف لنا، أوكنا نستشفه من تبلد سحنته)، في حين أن عدم المبالاة، وصف سلوكي لتضاؤل استجابة المريض الوجدانية وبطئها، فهو بليد من الخمول dullness (ص. 49)

وكان قد عرَّف التبلد apathy بقوله:> apathy: وليد تبلد الوجدان وفتور الانفعال أو انعدام الانفعال كلية في المواقف التي تثير في السوي انفعالات < (نفسه).

ومن الألفاظ التي تتقاسم مجالا مفهوميا واسعا الكلمات التالية:ironie, humour, comique, plaisanterie: (moquerie), raillerie, mot d’esprit:. وقد اقترحنا اجرائيا المقابلات التالية:

لا بد من أن نؤكد، في الأخير، أن هذا النص لا يدعو إلى تحصيل معرفة بل إلى فتح باب للتأمل، ولذلك فإن المترجم لن يرضى على ترجمته مهما اجتهد، ولن يهدأ له بال، إن هو أصر، حتى يضع نصا جديدا بجانب نص المولف، وينازعه فيما ذهب إليه. وهذا ما لم نجعله غاية. ومع ذلك فقد أبعدنا كثيرا من التردد، بل والكثير من الوهم والخطإ بمحاورة زملاء قرأوا هذه الترجمة قراءة متأنية، وعلقوا عليها. أشكر الجميع وأخص بالذكر الدكتورعنيمي الحاج (ذ.علم النفس)، وذ. محمد الولي (ذ. البلاغة والنقد)، وذ. خالد التوزاني (ذ.الأدب الإنجليزي، دبلوم دراسات عليا في موضوع السخرية).

النص المترجم

الضحك الهزلي : تجريد العالم من العاطفة *

لا يطمح التحليل التالي-أبى الله ذلك-إلى أن يقترح، في حدود مقال واحد، نظرية جديدة للهزلي. بل قصارى ما يهدف إليه استغلال النظريات الموجودة مع شيء قليل من التعديل، لغرض واحد هو إلقاء بعض الضوء على العلاقة الموجودة بين الهزلي والشعري. نريد أن نظهر أن هاتين الفئتين المدعوتين جماليتين، والمعتبرتين، عادة، منفصلتين توجدان، في الواقع، في علاقة تعارض تام من زاويتي الوظيفة والبنية. وتلك نتيجة قد يكون من شأنها أن تلقي مزيدا من الضوء عليهما. سنأخذ كلمة هزلي هنا في معناها العام جدا بحيث تشمل جميع أشكال االضحك من لفظ وغير لفظ.

لننطلق من ملاحظة تنطوي على مفارقة. ففي حين لا يوجد إجماع بين المختصين ضمن الببليوغرافيا الواسعة المخصصة للهزلي، يبدوعلى العكس من ذلك أن هناك مجالا واسعا للاتفاق بينهم فيما يرجع إلى الضحك. صحيح أن النقاشات مستمرة حول علاقات الهزلي بالضحك (أو التبسم الذي يشكل حده الأدنى). فهل يرتبط الضحك دائمــا بإدراك مثير هزلي، أم أن هناك إمكانية ليكون مجرد تجل لحالة من الانشراح (1)؟ لن أخوض في هذه المسألة، بل سأقصر اهتمامي في الضحك الذي يتلو الإدراك الواعي لمعطى معتبر هزليا بالنسبة للضاحك.

هنا تبرز المفارقة. فمن بين جميع الفئات الجمالية نجد أن الهزلي يتمتع وحده بمزية إثارة رد فعل فزيولوجي خاص ، وقابل لأن يُتعرف عليه. ومن هنا فإذا ما اعتقدنا أننا نعرف، ولو على وجه التقريب، ما هو هذا الأثر-أي الضحك- فسيبدو من السهل منطقيا أن نستنتج، على وجه العموم، سبب ذلك الأثـر، أي الهزلي. والحال أننا قد عرفنا فيما يظهـر، منذ أعمال سبنسر شيئا عن طبيعة الضحك.

ينطلق سبنسر من المبدإ العام حول اقتصاد (إدخار) الطاقة العصبية، مضيفا إليه قانونا حول الآلية النفسية والفزيولوجية التي تسمح للفائض من الطاقة النفسية بالتحول إلى الطاقة العضلية.

إن القوة العصبية المتراكمة تراكما كميا على أهبة أن تصرف في شكل كمية معادلة من الأفكار والانفعالات الجديدة تحول فجأة عن مسارها العادي، فيقتضي ذلك أن يفرغ هذا الزائد في اتجاه آخر، وينتج عنه هذا الدفق الصادر عن الأعصاب المحركة نحو مختلف أصناف العضلات، ليحدث مجموع هذه الأفعال الشبيهة بالتشنج المدعوة ضحكـا (3)

لقد فُحصت هذه النظرية وكُملت بأعمال جورج ديماس الذي أوضح أن إثارة خفيفة منقولة إلى الجسم بمساعدة تيار كهربائي كفيلة بإحداث تقلص في عضلات الوجه المتآزرة ، أي أنها تنتج حركات مناسبة للابتسام والضحك. ويعرف الضحك بكونه >ظاهرة إفراغ ناتج عن اختلال مفاجئ في المستويات< (4). هذا التعريف يتفق علنا مع تعريف سبنسر.

كما أن تصور فرويد يتبنى من جهته رأي سبنسر حول الطاقة المقتصدة (المدخرة):

يتولد الضحك كلما أصبحت كمية من الطاقة النفسية المستعملة من قبل لتغذية بعض العمليات النفسية طاقة غير قابلة للاستعمال، وذلك بصورة تسمح بتفريغهـــا بحرية.(5)

يبقى علينا أن نؤول هذه المعطيات الفزيولوجية بألفاظ نفسية، أي في مستوى المعيش. وهذا ما فعله سبنسر حين ربط الضحك بالانتقال المفاجئ من انفعال قوي إلى انفعال أقل قوة أومنعدمها. فهنا مصدر الطاقة العصبية الزائدة، إنها انفعال مجهض. لقد قيل (قال ذلك Largier des bancols ) بأن الإنفعال يمثل >إخفاقا للغريزة<.

إن العجز عن توظيف الطاقة في العمل هوالذي يجعلها تصرف عن طريق الانفعال. لنقل إن الضحك بالنسبة لسبنسر هو انفعال أهدر، هو استجابة وجدانية قصيرة النفس تلغي نفسها بنفسها (أوتنطفئ من تلقاء نفسها). يجب أن نسجل أن الأمر لا يتعلق هنا لا بنوع الانفعال ولا بقوته، بل يتعلق بكمه فحسب. فالضحك لا يتعلق بتحول من انفعال إلى آخــر، بل بمجرد الانتقال من الأكثـر إلى الأقل. إن الضحك ناتج عن ضياع كثافة المعاناة الانفعالية. والطاقة العصبية بتحولها إلى ظاهرة عضلية تفقد طابعها الانفعالي حتى لا يبقى منها إلا وجدان في درجة الصفـر يمكن أن ندعوه لامبالاة أو إذا شئنـا “لا-انشراحا”(6).

إن النظريات المدعوة “أخلاقية” تعترض على تصور من هذا القبيل بكون الضحك مرتبطا على الدوام بانفعال (هو عبارة عن) إحساس إيجابي يمكن أن ندعوه فرحا أو انشراحا. وهذا أمــر يصعب رده. فأن تضحك معناه أن تفرح. غير أنه يمكن أن يجاب بأن ذلك أثرا ثانويا ناتجا عن اللاانشراح، وهكذا، يقول ميشيل ديفرن : الفرحة لا تعني الشعور الهزلي، بل تعني الطريقة التي ننفذ منها إلى عالم الهزلي ونستعمله “(7). إن فرحة الضحك هي فرحة اللامبالاة، مرتبطة هي نفسها بإدارك الهزلي. يمكن، إذن، أن نميز ثلاث لحظات من الظاهرة العامـة : 1- الهزلي، 2- اللامبالاة، 3- الفرح.

بالاستناد إلى هذه الطريقة في النظر تكون الواقعة النفسية الفزيولوجية أي الضحك والابتسام مصاحبة على الدوام لشعور بالانبساط هذا الشعورالذي يرتبط، بدوره، بتهييج الجزء الداخلي من المُهَيْد (7 ب) Hypothalamus. والحال أن كل انفعال إيجابي أو سلبي مصاحب بتوتر. إن الشخص يكون “متوترا” “متهيجا” في حالي الفرح والحزن، أو الضعف حتى وإن كانت كثافة التوتر أقل في الفرح. ولا شك أن كلمة “انبساط” تترجم رجوع الذاتية إلى حالة من الحياد الوجداني. هذه حقيقة يؤكدها الطب العقلي، وهكذا نجد عند المنفصم الشخصية أن الضحك هو انبساط، هو صمام أمان ينطلق بعد ضغط احتبس مدة طويلة، فالقلق يتحول إلى شيء مقبول، وهو في الوقت نفسه هروب يستعمله المنفصم الشخصية على نطاق واسع.

يجب أن نؤكد هنا أن هذا الموقف يعارض موقف المؤلفين الذين يرون أن ضحك المرضى لا يعدو أن يكون رد فعل عصبي منعكس خال من أية دلالة وجدانية. فلا شك اليوم، بعد فرويد، أن كل كلام، كل فعل، وكل حركة أو إيماء صادر عن المريض، هو مثل الصادر عن السوي، لا يخلو من قصدية ومعنى، حتى ولو كان تحديد هذا المعنى في غير متناول من ليس مريضا.

هذه النظرة الموحدة للضحك، عند المريض والسوي وعند الطفل الراشد، حيث يبدو كانشراح ناتج عن لا انشراح مسترجع، أو كفرح ينتج عن لامبالاة مستعادة، هي نظرة برجسون: >الضحك هو تخدير مؤقت للقلب<(9). وهي نظرة نجدها أيضا عند فرويد. إن هذه التصورات متباينة، إلى حد ما، لأنها تميز ثلاث ظواهـر مختلفة تدعى “دعابة” و”هزلا” و”فكاهة”. غير أن وحدة هذه العناصر تعود إلى نصابها في مستوى عنصر لا-متغير هو الاقتصاد. وقد كتب ملخصا نظريته:

كان يظهر لنا أن لذة الدعابة مشروطة بتلافي تصريف الطاقة الذي يفرضه الكف (9 ب)، وأن لذة الهزلي مشروطة بتلافي التصريف الذي يفرضه التمثل (أو الاستثمار)، ولذة الفكاهة مشروطة بتلافي التصريف الذي يفرضه الإحساس. فاللذة تنتج، في الأنماط الثلاثة لاشتغال جهازنا النفسي، عن نوع من الاقتصاد.(10)

وهكذا فإن الضحك، بمظاهره الثلاثة، يبدو وكأنه الملازم العضوي لظاهرة نفسية موصوفة -سلبا- بكونها إحلالا لغير المحسوس به (غير المجرب أو المعانى ) محل المحسوس به (10 ب). وهذا يلتحق بالصيغة الكانطية >اختزال إلى لا شيء<. لننقل هذه الخلاصة إلى مستوى ظاهراتي، أي باعتبارها وصفا لعالم “موضَّع” (ملموس). وهو العالم المناسب لأية جمالية. فحينئذ سيظهر بجلاءالتعارض الكلي بين “الإحساس” الهزلي والإحساس الشعري.

إن العالم يظهر في كل وضعية وجودية أصيلة كمركب من الوقائع والقيم ؛ قيم إيجابية وقيم سلبية، من الأهداف المرغوب في الوصول إليها والتهديدات المراد تجنبها . فهنا يكمن المنظر “الدرامي” لوجودنا في العالم. غير أنه، ولو في نطاق ثقافتنا وحدها، فإن الواقعة هي المنتصرة على القيمة بالنظر إلى مظهرها (الواقعة) الموضوعي الذي يدعمه مؤشــر من الواقـع لا يرد. فهي تكون وحدها الجوهـر الصلب لعالمنا الأنطولوجي. أما القيمة فإنهـــا مرتبطة بالعلاقة القائمـــة بين الموضوع والذات، إنها الأثـرالذاتي الذي ينتجه الموضوع. فالقيمة مفرغة إذن من الواقع لصالح ذاتية خلاقة هي ذاتية قيمية يتعرف عليها بصفتها الذاتية تلك. لذلك فهي ممكنة في أقصى الأحوال. إن كثافة ما هو في ذاته تنتمي إلى الوقائع، أما القيم فإنها تنتمي إلى ما هو لذاته الذي تمده المثالية وحدها بأساسه الأنطولوجي. غير أنه في خارج رؤية الفيلسوف التي من هذا القبيل فإن رجل الحياة اليومية، في الحياة العصرية على الأقل، يعلم أن ماله قيمة ليس كذلك إلا بالنسبة إليه وحده ، وأن أهدافه خاصة به، وأن معاييره قابلة للتحقيق.

إن الظاهراتية قد علمتنا، فضلا عن ذلك، فيما يخص الوعي الساذج ، أن الإدراك مخترق من طرف إلى طرف “بدلالات وجودية” . فالشيء

ليس، لأول وهلة، دلالة من أجل الفهــم، بل هو بنية قابلة للفحص عن طريق الجسد. وإذا ما أردنا وصف الواقع كما يظهر لنا في التجربة الإدراكية فسنجده مشحونا بالمحمولات (الدلالات) الأنطروبولوجية (11).

غير أنه يبقى، ولو عند الراشد المثقف وحده، أن الوعي التأملي (الانعكاسي) حاضر دائمـا قصد المراجعة. وبهذه الصفة يهيمن على الوعي الساذج ويجعل معطياته نسبية. صحيح أن السماء الرمادية تعتبر لأول وهلة حزينة، كما هي رمادية، في نفسها وبنفسها، ولكن صحيح أيضا أنه مع النظرة الثانية يرجع اللون إلى الموضوع المشاهد، ويرجع الحزن، إلى الشخص المشاهد. وبهذا لا يعود العالم يظهر في مستوى ما في ذاته إلا كسلسلة موصولة الحلقات من الوقائع المسلوخة من أية دلالة وجودية. لا مكان بعد في مجالنا الثقافي لما هو قيمي داخل ما هو أنطولوجي: فالموجود بوجوده لا بقيمته.

إن الأوضاع الاستعجالية، حيث تكون المكتسبات الأساسية مهددة، هي التي يجد فيها الشخص إشباع العالم القيمي. وفي الانفعال يتعرض الحقل الإدراكي، كما وضحت نظرية الجشطالت، لتبسيط بنيوي، ويصبح فضاء خالصا للقيم، متكونا من الأهداف المراد إصابتها، والأخطار المطلوب تجنبها. الانفعال هو كارثة الوعي التأملي، إنه رجوع إلى تصور متجانس حيث تنهارالوقائع أمام القيم. فلا تعود الأشيــاء أكثــر من متكآت تستند إليها الوعود والتهديدات، وينعطف الموضوع نحوالذات لمساءلتها وإغرائها وإثارة حساسيتها وتخويفهــا، إنه قمة التدخل باستعجال.

يظهر الضحك، حالئذ نفيا لهذه الوضعية ولهذا الاستعجال؛ يبدو فجأة حلا لدرامية الوضعية. إن الضاحك يعني بضحكه أنه غير معني بالعالم، إنه يفسخ مرة واحدة التزامه بمأساة لم يعد يأخذها مأخذ الجد. فالضحك يعني أن أضع نفسي موضع متفرج غير معني بمهزلة تلعب في غيابي ولا تعنيني. فالضاحك يتخلص من الموقف بلباقة. فأن تضحك معناه أن تستهزئ، غير أن الاستهزاء هوعدم اكتراث (أي استخفاف).

في هذا المستوى النفسي-الظاهراتي يتبدى التناقض بين الهزلي والشعري. وذلك، على الأقل، في التحليل الوظيفي للشعري الذي اقترحته (12)، والذي لا يعدو في مستوى هذه النقطة وحدها أن يكون تطويرا أو بالأحرى تنقية للنظرية “الانفعالية” العتيقة للغة الشعرية. فالشعري يظهر في هذا التصور كقطب لتكثف اللغة والعالم حيث تتقدم الكلمات والأشيـاء كحمالات أو دعائم ذات طبائــع “انفعالية” أو، حسب المصطلح الذي تبنيته، كمحمولات “عاطفية”. وأقصد بهذه الكلمة معاناة تقدم نفسها لا كاستجابة شخصية للذات إزاء وضعية ما، بل، على العكس من ذلك، كصفة جوهرية للموضوع. إن الشعري يعني، حينئذ، كما سيقول جويس، تجلي وجه العالم المثير للمشاعر، حيث تنعدم المسافة التي تفصل أساسا الموضوع المتعرَّف عليه عن الشخص المتعرِّف. وذلك لترك مكان لنوع من التواطؤ بين الشخص الذي يحس والموضوع المحسوس به.

يظهرالهزلي من هذه الزاوية كنقيض، من جهة المعاناة، للشعري، لأنه نفي للانفعال، مباعدة للموضوع وتجريد للعالم من العاطفة. فالشعري والهزلي يحددان إذن قطبي محورالتكثيف حيث يبلغ أقصى كثافته عند قطب الشعري وأدناها عند قطب الهزلي، وبهذا المعنى كانت النظريات الثقافوية صائبة {فيما ذهبت إليه} من أن الهزل هو ضحك الذكاء، ولكنه ذكاء يرجع إلى ذاته نفسها، لأنه نجح في الارتباط بالعاطفي لكي يعود إلى الفكري كما نجح في نزع سحر الجمال الذي يبقي الوعي أسير عالم مظلم فاتن ليعوضه بعالم لامبال وواضح حيث يمكن أن نقول عن الأشيـاء معارضين بسخرية كلام روستاند Rostand: إنها: >ليست بعد إلا ما هي عليه<. هذا التناقض يؤكده الشاعر صراحة بقوله:

وبعكس ذلك فالضحك كما يقول پيترارك Pétrarque هو انفجار ينتزعنا من العالم ويرمي بنا في عزلتنا الباردة ، فالمزاح حاجز بين الإنسان والعالم ، المزاح هو عدو الحب والشعر(13).

نظريتان في تفسير الهزلي

من هنا يطرح المشكل البنائي بعبارات واضحة: ما هي الخصائص التي يلزم أن يمتلكها الموضوع ليستطيع أن يثير عند الشخص تجريدا مفاجئا للعالم من العاطفة، هذا التجريد المكون لما هو هزلي؟ لنفحص في هذا الإطار التيارين الرئيسيين اللذين يتقاسمان الحقل النظري منذ القديم وإلى يومنا هذا.

1- نظرية التردي

النظرية الأولى هي نظرية “التردي” وهي تنحدر من أرسطو: >يكمن الهزلي في عيب أو قبح …< (14) (14 ب). إن نظرية التردي ، كما نجدها عند هوبس Hobbes أو بين Bain أو بودليرBaudelaire أو لالـو Lalo أو پانيول Pagnol، لم تضف إلى هذا التصور السكوني غير سمة ديناميكية . الهزلي لا يعني ضد-القيمة، بل هو عبور-مفاجئ- من القيمة إلى ضد-القيمة، هو تحويل الخير إلى شر، والجمال إلى قبح والصدق إلى كذب.>إن فرصة الضحك ،كما يقول بين Bain، هي تردي شخص أو فائدة ذات اعتبار<. مثال ذلك: شخير في محكمة يحط من التبجيل (15) {اللازم لها}. يضاف إلى ذلك سمة نفسية تتجلى في الشعور بالنصر أو العظمة، الشعورالذي يشهد لمعاناته ذلك التحول المفسر، وحده، لمظهرالانشراح في الضحك الذي يرافقه. >الضحك، كما يقـول پانيول، هو نشيد النصر<.

الأمثلة التي تبدو صالحة لتوضيح هذه النظرية تربو عن العد: كبوة أحد المارة مثلا، أو نشاز صوت المغني، أو طرطة القشدة التي لا تنتهي. ومع ذلك فبرغم طول عمر هذه النظرية فإنها لا تصمد للاختبار بالمثال المضاد. إذ كثيرا ما عيب على منظري الهزل اعتمادهم على أمثلة غير مناسبة. لنأخذ مثالا نمطيا: المشهد الثاني من فيلم مهاجر حيث نجد الطابع الهزلي مضمونا بشخصية الممثل شبلان، من جهة، وشهادة مختص يرى أن هذا المشهد لا يفتأ يثير ضحك الجمهور، من جهة ثانية (16). على متن سفينة يرى شارلو من جهة ظهره وقد لفته عاصفة، وهو منحن على المتراس، يهتز بشكل تشنجي. يبدو وكأنه فريسة دوار بحري رهيب، غير أنه عندما يلتفت نراه يضحك مطبقا يده على خيط (سنارة) حيث تتدلى سمكة جميلة. فأين التردي هنا؟ إن الحركة المغايرة (للتردي) هي التي يمكن ملاحظتها في الواقع. فالتحول لا يسير من الإيجاب إلى السلب بل يسير، على العكس من ذلك، من السلب إلى الإيجاب، من المؤلم إلى المرغوب فيه. ومن ذا أحس يوما بعظمة إزاء صياد سعيد؟ وبوسعنا أن نورد أمثلة مضادة أخرى. وعلى كل فإن نظرية التردي تواجه صعوبات، وهذا مؤشر يومئُ إلى نواة من حقيقة يجب إبرازها.

2- نظرية التناقض

وعلى خلاف ذلك يظهر أن نظرية التناقض تأخذ مثالنا النمطي (السابق) بعين الاعتبار. وذلك ، بالطبع، شرط ألا نأخذ كلمة تناقض بمعناها المعجمي الخالص، بل بالمعنى الواسع للتعارض والتباين. ذلك المعنى الذي يقصده الانجليز بكلمة: incongruity. إذ توجد في المثال مفارقة جذرية بين مظهري الشخصية الواحدة، فهي شقية أولا ثم سعيدة بعد ذلك، إن نظرية التردي مؤسسة على تعارض لا تناظري بين القيمة وضد-القيمة. صحيح أن التعارض يعمل في كثير من الأمثلة -وليس في كل الأمثلة- على هذه الشاكلة. ولكن يظهر في الواقع أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تعارض تناظري. يمكن بالطبع أن يوجد الهزلي، كما دل على ذلك المثال النمطي، في الاتجاه المغاير؛ أي من ضد-القيمة إلى القيمة. فالهزلي ينشأ ابتداء من اللحظة التي يطرح فيها، وسط الوحدة نفسها، وفي نفس الوقت ،قيمة وضد-القيمة. “التناقض الوجداني” كما يقول جورج ديماس. إن الصيغة صحيحة غير أنه من الأفضل، في نظري، استعمال عبارة ظاهرية أكثرمنها نفسية، وبالتالي استعمال كلمة “قيمة” بدل “وجدان”. فيمكن إذن اعتبار الهزلي تناقضا قيميا داخليا. يجد هذا التعريف أحسن تجسيد له في شعارات 1984 لأرويل ORWELL: >الحياة هي الحرب<، >الحرية هي العبودية<. يوجد هنا تناقض بين قيمة ونفيها. أو بين وجدانين متعارضين ذوي عمل مركب يحيدهما معا فينتج تبعا لذلك اللاانشراح الذي ينتج الضحك بدوره. نلاحظ أن تعريفا من هذا القبيل يمكن أن يأخذ بعين الاعتبار تلك الواقعة التي سبق أرسطو إلى إثا رتها، القائلة بأن الهزلي كامن في >عيب أو قبح لا يسببان لا ألما ولا تخريبا<. فمن الصحيح أن الكبوة ما كانت لتضحك لو مات الكابي. والواقع أنه إذا ما كان أحد الوجدانين يتمتع بكثافة أكثر بكثير من كثافة معترضة فإن التحييد لا يتحقق.

يبقى أن نواجه هذا التعريف بمختلف أصناف الهزل التي يمكن تصنيفها، مع هيجل، في بابين:1- تباين بين المحتوى والشكل، أو بتعبير أحسن بين المظهر والواقع، 2- تعارض بين الوسائل والغاية، بين المقاصد والنتيجة. ويفرق داخل المجموعتين بين الهزل: أ- اللغوي و ب- غير اللغوي.

1-أ- إلى هذا الصنف تنتمي الطرفة التي يقدم تعريف تشرشل للديمقراطية مثالا جيدا لها: >الديمقراطية هي أقبح نظم الحكم باستثنـاء النظم غيرالديمقراطية<. الشيء الذي يمكن شرحه بما يلي: >الديمقراطية هي أقـل أنظمة الحكم قبحا<. غير أن هذا الشرح ليس هزليا لأنه فقد التبايـن بين المظهر: أي أقبح نظم الحكم، وحقيقة ذلك المظهر: أي الأحسن منها جميعا. تناقض قيمي مثالي لأنه يعارض اللفظـين المولدين للقيمة: الخير والشر في صيغتهمـا المفاضلة: الأمثل والأشنع.

إلى هذه الخانة ينتمي التجنيس المطابق المحفز الذي نوضحه بالمثال التالي، وهو عبارة عن رباعي نظم بمناسبة زيادة نابليون الثالث في الضريبة زيادة كبيرة:

في المآثر الإمبراطورية

يتساوى العم والحفيد

كان العم يستولي على عواصـم ( capitales ) (17 ب)

فصار الحفيد يستولي على أموالنـا ( capitaux)

فالنص يلعب على التشابه بين كلمة capitale (أي عاصمة) وصيغة الجمع لمماثلتها صوتا capital (أي مال، أو ثروة). غير أن تماثل الدالين هنا معارض بتناقض المدلولين؛ فالقيمة الإيجابية لعمل العم تعارض القيمة السالبة لعمل الحفيد. ويمكن أن نستخرج من هذا المثال، منذ الآن، تناقض الشعري/ والهزلي. فالتجنيس المطابق المحفز يقدم في الواقع تشخيصا جيدا للصورة المدعوة تجنيسا المعرف بما يلي: >الصورة البلاغية القائمة على التقريب، داخل جملة ، بين كلمات متشابهة صوتا مختلفــة معنى< (18). وبهذا المعنى فإن التجنيس بمعناه الواسع يضم مجموع مقومات النظم من وزن وقافية وتسجيع. إنه إذن، تجانس صوتي معمم ينبغي مساءلة وظيفته الشعرية. وإذا ما امتنعنا عن أن نرى فيه مجرد لذة للأذن، أي عن أن نجعل منه مجرد طلاء جمالي مستقل، فيجب أن نعترف بعلاقته الوثيقة المتبادلة مع المعنى. إن الجواب المقترح يأتي على الشكل التالي: تشابه الدوال يحيل على تشابه المدلولات (أو يشعر به). كل واحدة تضمن الأخرى، وذلك بالطبع على شرط إرجاع المعنى الشعري إلى طبيعته الحقيقية، وهي غير تصورية (غير ذهنية) أي عاطفية (18 ب).

والحالة هذه نجد أن التجنيس الذي من الصنف الهزلي يفعل عكس ذلك بالضبط. فتماثل الدلائل يفارق تعارض المدلولات وإذا ما دعونا تشابه المعنى الباني في الشعر >تشاكلا عاطفيا< فيمكن أن نفترض حينئذ أن التجنيس يحمل في الشعر تجانسا عاطفيا في حين يحتوي في الهزل تنافرا عاطفيا، وهو بدوره بانٍ للمضحك كما هو عليه (19). هذا التناقض قابل للتقديم على الشكل التالي:

الشعري: (دا 1 = دا 2) ــــ (مد 1 = مـــد 2)

الهزلي: (دا 1 = دا 2) ـــــ (مد 1 =/= مد 2)

يمكن أن نرتب المحاكاة الساخرة بمعناها الواسع ضمن مواد هذا الصنف سواء عنت تناول محتوى “شريف” أو “رفيع” ، في صورة “سوقي” أو “وضيع” كما في le vergile travesti ل Scarron، أو عنت عكس ذلك مثل: la parodie gid g لـ Brua (20) فهناك وحدتان عاطفيتان متعارضتان داخل وحدة نصية.

1-ب- إن مثالنا النموذجي يوضح هذا الصنف الثاني توضيحا جيدا. فشارلو، وهو يئن، هو المظهر. وشارلو، ضاحكا، هو الحقيقة. وتمثل شخصية شارلو، فضلا عن ذلك، المثال الحي: مفارقة بين مظهر الشرف الذي تبديه الشخصية من خلال القبعة المنتفخة في استدارة، والجاكيت والعكاز، وبين الحقيقة المأساوية للمتشرد. قيمتان اجتماعيتان متعارضتان حيث لا ينتج الهزل عن الفعل أوالوضعية (المقامية) بل عن شخص الممثل نفسه، أي عن تناقض عاطفي مجسد.

وبشكل أعم، نجد أن الأمثلة النموذجية للهزلي، وهي المتبجح أوالمتحذلق أو المنافق تشخص هذا التناقض بين الشجاعة أوالمعرفة أوالفضيلة الظاهرية، وبين الجبن أوالجهل أوالرذيلة الواقعية. فهذا الأمـر يرجع دائما إلى التناقض القيمي الداخلي الذي تحمله الوحدة المرجعية نفسهـا.

2-أ- يمكن أن نضع ضمن هذه الفئــة مجموع الاستدلالات الفاسدة ذات الأثـر الهزلي التي يعطي عنهـا فرويــد مثالا جيدا في هذا الجواب الذي يقدمه أ لـ ب الذي عاتبه على ضياع قدر مثقوب من ب (حيث قال):أولا، لم استعر أبدا أي قدر مثقوب من ب، ثانيا، القدر كان مثقوبا عندما استعرته من ب، ثالثا، أرجعته سليما. فالواقــع أن ليس التناقض المنطقي للكلام هو وحده ما يثير الهزل، بل التناقض القيمي بين القصد إلى الاحتجاج بصرامة بواسطة ثلاث حجج متوافقة، وبين النتيجة المحصلة المتجلية في الإتيان بضد الحجة المقصودة.

2-ب- هذه هي الفئة الأكثر اتساعا من غيرها، فهي تضم، في الواقع، أغلب أخطاء التسديد إلى الهدف التي تُكَوِّن عظمة الفيلم الهزلي الأمريكي من Mark Sennet إلى Laurel et Hardy مرورا ب شبلان والإخوة مارك Mark Brothers. ومثاله النموذجي طرطة القشدة المشهورة التي نريد أن نعاقب بها مذنبا -القصد الإيجابي- فتخطئ هدفها وتعاقب بريئا -النتيجة السلبية-. والأمثلة هنا كثيرة وتكاد تكون متطابقة بنائـيا. إذ يقسم العمل إلى لحظتين، الأولى تعلن عن غرض إيجابي أو سلبي، والثانية تعرض نتيجة عكسية. وهكذا نجد شارلو يحاول، في أضواء المدينة، أن ينقذ المليونير من الغرق فيسقط هوالآخـر في الماء. وبصفة عامة يدخل في هذا المجموع مجمل الأفعال المعكوسـة مثل نموذج السارق المسروق والمخادع المخدوع، والمبلِّل المبلَّل. ويصدق هذا أيضا على اللبس الذي يشكل المصدرالرئيسي لهزل المسرحية الهزلية الخفيفة حيث يقود قصد الشخصية إلى عكس النتيجة المستهدفة. فبنية الفعـل المضحك هي هي. إنها دائـما عملية تنقلب على نفسها. هكذا >قبض من كان يظن أنه يقبض<. إن الأمـر لايتعلق بفشل، أي بغياب النتيجة، بل يتعلق بـ ضد-النجاح، أوبنتيجة عكسية.

ولذلك كانت الشخصيات النموذجية لهذه الفئة هي شخصيات المغفل أوالأعسر (أو الأخرق) أوالشارد، وجميع أولئك الذين يقودهم الخطأ الطبعي (أي الراجع إلى طبعهم) بحتمية إلى عكس الفعل الذي يباشرونه عن طريق خرق معيار أخلاقي أو جمالي أومنطقي أو نفعي. وهذا ما يؤيد صيغة برجسون التالية: >إلصاق الآلي فوق الحي<. فإذا ما جردت هذه الصيغة من حيوية برجسون فإنها لن تعني أكثر من التعارض بين غائيـة القصد، وضد-الغائيـة (الكامنة في) النتيجة. ومن هنا أيضا يمكن أن نقارب بين الهزلي والصدفة. فالأمر يرجع دائـما إلى أزمة بين الغائية الواعية والسببية العمياء. والكبوة هي المثال النموذجي لذلك، حيث تحل حركة غير إرادية خاضعة لقانون الحتمية الطبيعية الأعمى محل إشارة إرادية ذات غاية. وبشيء من التجوز يمكن القول بأن الهزل هو: الطبيعة في الإنسان. فنحن لا ننسى أن كلمة Humour (أي فكاهة) مأخوذة من Humeur التي تحيل على حتمية الطبع. ولذلك يخبئ التحليل النفسي ضحكة في أعماقه. فالسلوك الإنساني لايعدو، في نظره، أن يكون مجموعة من الأفعال المجهضة. وموقف المحلل إزاء المريض، إذا ما تأملناه جيـدا، ينطوي دائـما على سخرية تجد صيغتها الرائعة في الصمت، وبخلاف الهزلي فإن الشعري هو: الإنسان مضافا إلى الطبيعة: homo additus natura يمكن أن نجازف الآن بتعريف عام للهزلي من زاويتي الوظيفة والبنية.

إن الإحساس بالهزلي المعبر عنه بالضحك هو الفرح أوالانشراح الذي يحدثه رجوع الشخص من الانفعال إلى اللامبالاة أواللاانشراح. هذا الرجوع الذي ينتج بدوره عن تناقض قيمي داخلي، أي عن الجمع داخل وحدة بعينها بين دلالتين عاطفيتين متعارضتين تحيِّد إحداهما الأخرى بالتبادل.

إن لهذا التعريف مزية التركيب بين نظريتين كبيرتين: نظرية التناقض ونظرية التردي، وذلك شريطة إعطاء التناقض معنى قيميا، والتردي معنى كميا. فالتردي الهزلي لا يعمل في الواقع بصفته النوعية، إذ لا يسير من الإيجاب (+) إلى السلب (-) بل من الإيجاب أوالسلب إلى الحياد؛ من القيمة أونقضيها إلى اللاقيمة. إن الأنموذج الذي ينطلق منه ليس ثنائيا، بل هو ثلاثي. فالتردي لا يتم على هذه الصيغة: (1) + ــــ – بل يسير حسب الصيغة التالية : (2) ( + و- ) — 0

إن الجمع بين الإيجاب (+) والسلب (-) هو الذي ينتج الحياد ( 0) . ومن هنا تظهر بوضوح العلاقة بين الهزلي والشعري على المستوى البنيوي. وذلك إذا ما قبلنا، على الأقل، نظرية الشعرالمقدمة في(كتابنا) اللغة الرفيعة Le haut langageفالأمر إنما يعني في الحالتين البنية التعارضية.

إن الشعرنة هي تخريب لبنية التعارض بإلغاء السلب، أي إلغاء الطرف المحيد. الشيء الذي يفسرعاطفية الموضوع المكون للشعرية. الشعري هو الموضوع مصبوغا بالعاطفة لكونه مطلقا. والهزلي ضد ذلك، إنه الموضوع خاليا من العاطفي لكونه غير مطلق، إذ تتعايش فيه قيمتان متضادتان تحيد إحداهما الأخرى بالتبادل.

يظهرالتعارض في مجال اللغة جليا. فعمليتا إنتاج الهزلي والشعري تظهران متماثلتين في المرحلة الأولى، ومتعارضتين في المرحلة الثانية. فالهزلي يضم، كما هوالشأن بالنسبة للشعري، نفس الصورالبلاغية مثل الطباق أوالمنافرة أواللاتناسب أوالحشو. غير أنه في حين يختزل الشعري الانزياح عن طريق التشاكل العاطفي فإن الهزلي، بعكس ذلك، يقوي التنافر العاطفي؛ لن نأخذ هنا أكثرمن مثال واحد هو البيت المشهور:

1- >الأرض زرقاء مثل برتقالة.<

فهو ينتقل من الشعر إلى الهزل بتعويض المشبه به

2- >الأرض زرقاء مثل (حبة) طماطم.<

فالصيغتان تقدمان نفس المفارقات الدلالية: فالأرض ليست زرقاء وأكثر منها في ذلك الطماطم والبرتقال. الاستراتيجية الانزياحية هي هي، غير أن الانحراف مختزل (أو مخفف) في رقم (1) لتماثل الوحدات العاطفية الناتجة عن الألفاظ الثلاثة: “الارض| و”زرقاء” و”برتقالة”. وبعكس ذلك نجد أن كلمة طماطم، في رقم (2)، تمثل وحدة عاطفية مناقضة تماما لما يمثله الآخران.

لنكتف بالقول: إن البرتقالة تمثل بداهة سمة “النبل” أو”الرفعة”، في حين أن الطماطم تمثل السمة المعاكسة. ومن هنا جاء الأثر الهزلي الذي تنتجه بالتعارض مع اللفظين الآخرين: “أرض” و”زرقاء” المشتركين معها في تلك الصيغة، فالاختلاف العاطفي قد حل إذن محل التشاكل العاطفي.

وهكذا إذن ففي حين لا نجد للشعري نقيضا فإن للهزلي نقيضا من نفسه. فيمكن، إذن، ترتيب ثلاثة معان باعتبارها المظاهرالثلاثة الرئيسية للعالم بالنسبة للشخص الذي ينظر إليه: (المعنى) الشعري أوالعالم العاطفي، و(المعنى) الهزلي أوالعالم المحايد و(المعنى) النثري باعتباره العالم الذي يتعايش فيه العاطفي والمحايد في الوقت نفسه، وفي انفصال، مع رجحان الحياد. الشيء الذي قد نجازف بتمثيله على الشكل التالي:

العالم الكثافة (العاطفية)

الشعري ( + أو – ) أقصــــــــــــى

غياب التعارض

النثري (+) و (-) متوســـــــــــط

تعارض خارجي

الهزلي (+ و – ) أدنى أو منعدم

تعارض داخلي

الخلاصة

لنلخص. يستند هذا التحليل كله إلى البنية التعارضية التي تؤسس بدورها ما دعوناه بنيوية. فقد ألغيت في الشعري وقويت في الهزلي. وإذا ما قبلنا هذه الفكرة المركزية فمن الممكن أن نستنتج منها خلاصة عامة بالنسبة لنظرية “الفئات الجمالية”. إن التصنيفات المقترحة هنا تعتبر بوجه عام أن الشعري والهزلي فئتان منفصلتان ومساويتان للفئات الأخرى، نلاحظ هذا على الخصوص، في حالة الجدول الذي تقدمه إيتان سوريو الذي يحتفظ بـ 24 فئة يضع بينها الشعري والهزلي، الأول بين الظريف والرثائي والثنائي بين الروحي والهجائي.

أما ميشيل ديفرن M.Duferne فلئن اعترف لهذا الجدول بالدقة والانسجام فقد سحب الشعري ليرقيه إلى درجة فئة كبيرة. فهذه الفئات الجمالية في نظره هي كذلك “فئات وجدانية” أو طرق لـ “التعبيرية”. وفي ذلك يقول:

إن الشعر (في حقيقته) هو التعبيرية، وهي نفسها مشتركة بين الموضوع الجمالي والطبيعة، هذه النتيجة (…) تسمح لنا باعتبار الشعري فئة الفئات الجمالية كلها. فإذا كان الشعري حاضرا بوجه من الوجوه في السامي أوالمضحك (لقبحه) أوالظريف فذلك لأن هذه الفئات تعني تعابير محددة ولأنه تعبيرية كل التعابير فهو شرط انتشارها.(21)

لا يسعني إلا الموافقة على ما يذهب إليه هذا النص، مع فارق كبير، مع ذلك. صحيح أن الشعري أصل تتفرع عنه كل الفئات لأنه “تعبيرية” كل التعابير. فهو نفسه ليس فئة بل هو الأساس الذي تتولد عنه جميعا. غير أنه بهذه الصفة يعارض الهزلي، إذا صح أن الهزلي هو إثباته ونفيه في الوقت نفسه. لنوضح مرادنـا بالمثال:

إن أحد أكبر نجاحات شبلان الهزلية متمثل في شخصية المليونير مدمن الكحول في أنوار المدينة فمن هي إذن هذه الشخصية ؟ إنه مفارقة مجسدة، فهو يبدو كريما رحيما في سكره، وخشنا عنيفا في صحوه. وبهذا يكون قد دخل منذ البداية في تناقض مع القيم الاجتماعية كما هي مقننة. فالسكر شر، والحال أنه يكون خيرا في سكره، والصحو خير وهو شرير في صحوه. يضاف إلى هذا التناقض تناقض داخلي يتجلى في أنه هو الكائن نفسه الذي يجمع بطولة السلب والإيجاب معا.

إذا كان هذان المظهران، إذن، باعتبارهما عاطفيين يرجعان إلى الفئة الشعرية الواسعة، فإن كونهما منتسبين إلى نفس الكائن ومركبا بينهما من طرف المتفرج ينتج أثرا من “التناسب” ( Osgood) أي من التحييد المتبادل. فالمليونيرإذن هو تناقض قيمي مجسد، إنه نوع من اللعب حاصله لا شيء، ومن هذا اللاشيء يهزأ المشاهد.

هناك حجة أساسية تضاف إلى ما تقدمه هذه الثنائية: ففي هاتين الفئتين العامتين يندرج، فيما يبدو، الموقفان الأساسيان المتناقضان للوجود الحضوري ( Dasein) إزاء عالمه: الالتزام أواللاالتزام، المشاركة أوالمباعدة، الابتهاج أواللاابتهاج. إن سانشو پانـسا يضحك من دون كيشوت لأن الضحك هو عنوان الـ “desengagno” (أي اللاالتزام) الإسباني، وعنوان انكشاف الوهم تجاه عالم كان الإنسان يريده شعريا فيظهــر أنه ليس كذلك. أما الهزلي فهو العدم، وهو لذلك تحرير. وهذا مصدرالفرحة التي يولدها. إنهـا فرحة الحرية المنتزعة من عالم قائـم على الإكراه وضغط القيم. فالشاعر هو الإنسان الذي يتعامل مع العالم بقلبه (يأخذه مأخذ الجــد)، والمتهكم هو الذي لا يأخذ العالم مأخذ الجـد. فلا يبقى له، إذن، غير مفر واحـد، هو قبول نثرالعالم (أوتفاهـته)، أي أن يلائـم حياته معه. ولكنه يحتفظ حالئذ بحقه في الضحك (22).

غير أن الضحك لا يستمر أكثر من لحظة قصيرة، وحالما ينطفئ يجد نفسه من جديد أمــام كون عبثي. ولهذا فإن الحزن، كما نلاحظ أحيانا كثيرة، يتخفى في أعماق الهزلي. >أسرع إلى الضحك منه، كما يقول فيغارو، Figaro خوفا من أن أضطر إلى البكاء عليه<. وفي الرواية الغريبة لـ أمبيرتو إيكو المعنونـة: اسم الــوردة Le nom de la rose نجد رهبان دير مشهور بمكتبته يخفون بعناية الكتاب الثاني من فن الشعر لأرسطو المفترض أنه يعالج الهزلي(23). إننا نفهم سلوكهم، >فالمسيح لم يضحك أبدا<. وهل كان بإمكانه أن يفعل ذلك ؟ فالضحك، رغم ما يقوله عنه بودلير، ليس شيطانا بل هو ملحد. والشيطان مثل الرحمان، كما يعترف بودلير نفسه بذلك في مكان آخـر، ينتسبان معا إلى الشعري، فالبهجة للمدنس والتعظيم للمقدس.

—————————————————————–

الاحالات 1- بعض حواشي التقديم ومراجعـــه :

1 – V. Jankélévitch : L’ironie , Flammarion , Paris 1964

2 – Kerbrat-Orecchioni, C.: a- ” L’ironie comme trope ” in Poétique n. 41 . 1980; b- “L’ironie ” in Travaux du C.R.L.S.de Lyon P. U F

3 – الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي. وليم الخولي الطبعة الأولى 1976، دار المعارف مصر . مادة indifférence وapathy و euphorie. وقد راجعنا هذه المواد أيضا في : – موسوعة علم النفس والتحليل النفسي. عبد المنعم الحفني. مكتبة مدبولي. مصر 197.

– موسوعة علم النفس. إعداد أسعد رزوق، ومراجعة عبد السلام عبد الدايم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1977.

4 -ملاحظة : جميع الأقواس والمعقوفات من وضع المترجم ، اقتضتها ضرورة التدقيق أو توازن العبارة.

2-حواشي المتن والترجمة (ميزت حواشي الترجمة بحرف : ب)

* نشر المقال بمجلة Poétique رقم 61 سنة 1985.العناوين الداخلية المحصورة بين معقوفين من وضع المترجم .

1 – يقبل أغلب المختصين هذه الثنائية : ضحك الفرح ، وضحك الهزلي . غير أنه يجب التساؤل كيف أن سببين مختلفين ينتجان أثـــرا واحدا . 2- Principes of psychologgie 1817

3 – Essais sur le progrés . 1860 trad fran 1898 vol II p 97

4- La vie affective ; Al an 1948 . p 290 -321

5- Le mot d’ésprit et ses rapports avec l’inconscient , Paris , Gallimard 1930 , p . 241

6 -ليس من الأكيد إمكان وجود اللاانشراح المطلق عند الإنسان، فالمقصود هو حالة اقرب إلى درجة الصفر من الوجدان (Zéro affectif )

7-Phénoménologie de l’experience esthétique , Paris , P U F t II , 1935 , p 471

7 ب ) “جزء صغير من الدماغ … يؤثر عن طريقه على القلب والدورة الدموية وضغط الدم، وعلى الجهاز الهضمي والتناسلي وسائر الأحشاء، وفيه مراكـز تتعلق بالانفعال، ومراكــزللحالة الشعورية المختصة باليقظة والمنام ” (الموسوعة المختصرة. انظر مراجع التقديم

8- Dr . schweidr : ” réflexions sur le problème du rire en pschopathologie ” in Rire, phénomène humain ( ouvrage coll ) Paris , Flammarion , 1959, p 127

9- Le rire , Alcan , 1989 , p 36

9 ب – “عملية تقوم بها بعض أجهزة الجسم وتستهلك وقودا (غذاء) وتنتج طاقة تمنع نشاطا آخـر … ويتناول الكف أي نشاط حركي (عرضي) أو إفرازي (غدي) أو فكري أو انفعالي، ويسمى الكف الشعوري لدافع أو سلوك ما قمعا suppressionوغير الشعوري كبتا repression “(الموسوعة المختصرة . مذكورة في مراجع التقديم ) .”فالخوف (مثلا) يكف الشهية والرغبة الجنسية … “(موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، مذكور في مراجع التقديـم ).

10-Le mot d’esprit et ses rapports avec l’inconscient , op , cit; p 396

10 ب – قد نبسط فنترجم هذه الجملة ب : إحلال اللامبالاة محل المعاناة .” (المترجم)

11-, Merleau-Ponty ,Maurice : Phenoménologie de la perception , Paris Gallimard P ; 309

12- Le Haut langage , théorie de la poéticité , Paris Flammarion 1979

13- Milan Kondera: Le livre du rire et de l’oubli , Paris , Gallimard p 74

14- Poétique chap III

14ب ) إنما عرف أرسطو الكوميديا في الفصل 5، فهناك قال : “يرجع الهزلي، في الواقع، إلى عيب أو قبح لا يستتبعان ألما ولا خسارة. Aristote , Poétique , Trad Fran , M . Magnien , Livre de poche classique

15- Les émotions et la volonté , 1885 , chap XIV , p . 113

16- D. Voctoroff: Le rire et le risible , Alcan 1959 , p 48

17 -الضحك هو :

“a, 1-sudden,2- happiness increment as a consequence of 3- perceived incongruitty ” La have et al, humour and langher ; 1976 p ; 129

.1976 p 129

17 – النص الفرنسي هو :

dans les fastes imperiales

L’oncle et le neveu sont égaux

l’oncle prenait des capitales

le neveu prend nos capitaux (ص 55)

18- H . Morier : Dictionnaire de la poétique et de la rhétorique , P U F , 1961

18 ب – ) ينبغي هنا الانتباه إلى تفريق المؤلف بين المعني العاطفي والمعنى التصوري المفهومي وإلا تعذر التفريق بين التجنيس الهزلي وغير الهزلي (الشعري)، لأن التجنيس يقوم على الاختلاف الدلالي، وهذا ما دافع عنه المؤلف نفسه في كتابه: بنية اللغة الشعرية في فصل النظم. وقد بسطنا هذه الإشكالية في كتابنا: تحليل الخطاب الشعري، البنية الصوتية. الفصل الثالث تحت عنوان التفاعل الصوتي الدلالي. فهذا المستوى الدلالي المفهومي متحقق إذن في التجنيس الشعري والهزلي معا، ثم يتميزالهزلي باختلاف في المعنى العاطفي وسيورد المؤلف مثالا يساعد على فهم مقصوده هنـا (الأرض زرقاء مثل برتقالة) ، فترقبه .

19 – كان علينا أن ندعوه ( antipathie) (ضد العاطفة) لو لم تكن هذه الكلمة مستعملة في علم النفس .

20- لتعريف أكثر دقة انظر: G . Genette : Plimpsestes , Seuil , Paris , 1982

21- La Poétique , Paris , Seuil , 1963

22 – هناك اعتراض: إن صيغة وحدة الفكاهة هي المعتبرة شعرية. فالاعتراض، مثلا، قوي عند جيرودو ولكنني لا أعتقد أن حله متعذر شرط تدقيق النظرية بطبيعة الحال .