التفكير البصري والذاكرة الدلالية العربية

كمال بلاطة

ليست العمليات المعرفية التي يطلق عليها التفكير حكرا على العمليات الذهنية التي تتجاوز الادراك لكنها مكونات أساسية للادراك نفسه. من هذا المنطلق، ليس هناك اختلاف بين ما يحـــدث عندما ننــــظر إلى العـــالم مباشرة وعنــدما نفكر جــــالسين مغمـــضي العينين

رودولف آرنهايم- التفكير البصري

***

لقد انصب اهتمامي في مقال سابق حول خصائص اللغة العربية للتعبير البصري حيث استكشفت التوصيفات البنيوية في الفن العربي الاسلامي (2) . ولقد دافعت عن الرأي القائل بأن التوصيفات البنيوية الجوهرية في النماذج الأولية السامية التي تتحكم في النحو العربي توازي الشبكة الهندسية المنظمة لأنساق الرقش العربي.

سأعالج في هذا المقال المصطلحات اللغوية التي لها علاقة بما هو بصري محاولا شرح كيف أن ” جمالية المفهوم” و” التصنيف الجمالي ” في الفن الاسلامي يرجع أصلها إلى علامات أولية في اللغة العربية، وسأستكشف بصفة خاصة، الندرة النسبية في التحديدات المفهومية في مقابل غزارة ووفرة التحديدات الإدراكية. هناك وفرة المصطلحات التي تصف العالم البصري للصحراء، من جهة، بينما نجد غموضا مروعا في المصطلحات التي تخص الإدراك البصري من جهة أخرى. إن التباين الملاحظ بين هذين الطرفين سيبرز كيف أن المعجم العربي- بالشكل الذي وصل إلينا- يشكل أحد المفاتيح لفهم العناصر المكونة للغة في تصور الإدراك البصري .(3)

– I اللغة العربية و العالم البصري

لقد كانت اللغة العربية الكلاسيكية- كما هي معروفة الآن – نظاما كلاميا رفيعا تطور طويلا قبل ظهور الاسلام. إلا أن نزول القرآن ( وهو لفظ مشتق من القراءة) شكل العنصر الأهم والوحيد الذي حافظ على الشكل النموذجي الأولي للغة العربية. ولذلك نستطيع اليوم أن نقترب من الحالة الأولية للغة لكون هذه اللغة أصبحت مقدسة منذ 622 ميلادية.

وبعد توسع رقعة الاسلام، انشغل العديد من أوائل علماء المسلمين بالحفاظ على الشكل النموذجي للغة العربية حيث استحكموا البدو في صفاء اللغة، وذلك لحمايتها من الشوائب الدخيلة. وكما يقول المثل ” أفصح العرب ابرهم ” (4) . وعلى مر القرون، ومهما بلغ امتداد اللغة العربية، فليست صحراء البدوي ذلك المكان القاحل مهد اللغة العربية فقط، بل صارت أيضا المجال الممثلن الذي تحكم في وعي الثقافة العربية. وعلى مرور الزمن، وبعدما شكل عالم الصحراء، على الدوام، القوة اللاواعية التي كيفت إدراك العربي للعالم البصري (5) ، فإن اللغة برهنت على أنها “الشرط” الواعي الذي قولب الثقافة العربية.

فبالنسبة للبدوي، كانت اللغة هي الأداة الوحيدة الأقرب للتعبير عن ذاته. وأصبحت عند العربي المسلم المقتنع بأن الوحي الإلهي مكنون في لسانه نواة كل الفنون.

ولقد اعتبر العلماء الغربيون، عند ملاحظتهم لهذه الظاهرة، أن هيمنة اللغة، كما هو معبر عنها في الخط العربي، وأن غياب التمثيل الطبيعي في الفنون البصرية يعودان إلى الحرف الأيقوني الاسلامي. وادعوا ان المحرمات الدينية هي الدافع الاساسي في تطوير ما سمي بـ “جمالية المفهوم” و” التصنيف الجمالي” في الفن الاسلامي (6). في هذا المقال سأفند هذا الادعاء انطلاقا من منظور خارج حدود التفسير الديني واقترح تفسيرا متجذرا في تجربة الإنسان العربي مع عالمه البصري (7).

لم يوجه المحيط المباشر للانسان العربي تأويله للعالم البصري فقط بل استعمل أيضا باعتباره الفضاء الطبيعي حيث تكونت “ذاكرته العربية” و حيث برزت إدراكاته البصرية لأول مرة.(8).

آمل أن أخطو خطوة صوب فهم أحسن للتأويل المبكر الذي قدمه الانسان العربي لعالمه البصري، فمن شأن ذلك أن يؤدي بنا إلى نظرة أوضح لسيرورة الإدراك في لغة الاسلام الاولى. تلك السيرورة الحيوية التي كونت ما اصطلح عليه بـ ” جمالية المفهوم” و “التصنيف الجمالي ” في الفن الاسلامي.

II – وفرة وندرة المصطلحات البصرية

تتوفر اللغة العربية على العديد من الكلمات الواصفة للعالم البصري. ودقة هذه الكلمات لا متناهية. فعلى سبيل المثال، تكشف نظرة سريعة على توفر 21 كلمة لتعيين الضوء و29 للشمس و32 للقمر و50 للسحاب و52 للظلام و64 للمطر و 88 لماء البئر و170 للماء وما ينيف عن 200 لوصف الفرس وبضع مئات لوصف وتصنيف مظاهر الصحراء.

إن الدقة المتوخاة من استعمال كل لفظ هي محاولة لتحديد الشيء المرئي في محيطه، وهذا يشتمل على الاضاءة وانعكاس ألوان الشيء المرئي، ونوعية مادته وبنيته السطحية وشفافيته أوعدمها وثبوته أو حركيته، وحجمه ووزنه وأبعاده وجاذبيته. بالإضافة إلى علاقته الزمنية والفضائية بالمتكلم. وتشتمل اللغة العربية أيضا على تراتبية دقيقة لمعاني التجربة البصرية. عمليا هناك، على سبيل المثال، أسماء لكل ساعة من ساعات النهار والليل. ولكل ليلة من الليالي القمرية ولكل خصلة شعر حسب موقعها في جسم الانسان ولكل شكل من أشكال الرؤية والجلوس والنوم والحركة والحب (9).

أما اليوم، فإن اللغة العربية، مثلها مثل باقي اللغات، قد تخلت عن غالبية الكلمات الأصلية التي لها علاقة بالتمظهر البصري للمحيط الذي أنتجها. إلا أن الارث اللغوي الذي كرسه الاسلام لازال يهيمن على طرق التفكير الأولية في الفكر العربي المعاصر ولازال غنى اللغة الأصلي وآثاره الجذابة حيا في لغة بعض الشعراء الشباب.

وفي مقابل غنى تلك الكلمات الدالة على الجزئيات البصرية، يبدو أن اللغة العربية تعرف مجالا فوضويا، ذلك أن سنن الكلمة الواحدة المرتبطة بالبصرية أو بتعبير بصري تعتورها أحيانا الضبابية والغموض. وكون هذا الغموض يتعايش وهذه الدقة المتناهية لظاهرة متضمنة بشكل عميق في نظام سنن اللغة ذاته.

وبما أن اللغة العربية لغة حية حافظت على عناصر طابعها الأصلي، فإن فحصا للكلمات التي لم تندثر والتي لها علاقة وطيدة بالبصري، يمكن أن يوسع أفق فهمنا للغموض اللساني المرتبط بالادراك البصري. إن الامثلة من الكلمات- المفتاح المرتبطة بالتعبير البصري ستتبع بأمثة من كلمات -مفاتيح لها علاقة بمختلف صيغ الادراك البصري. وستساعدنا هذه الامثلة على ابراز 1- كيف أن مفردة واحدة تدل في نفس الآن على صيغتين مختلفتين للادراك البصري . 2- كيف أن مفردة واحدة تستبدل باطراد بين سنن أصله هو التجربة البصرية وسنن آخر أصله هو الكلام.3- كيف أن الغموض اللساني المنبثق عن السنن القابلة للاستبدال للمفردة الواحدة لا يمكن أن يرفع إلا من خلال السياق الذي ترد فيه المفردة.(10).

وبمقابلتنا لغموض المفردات الأساسية المرتبطة بالادراك البصري مع المعجم الشديد الدقة والمستعمل عادة لوصف التفاصيل، أود أن أقترح خطاطة أولية لاستكشاف كيف أن أنساق السنن الكامنة للغة العربية يمكن أن تعبر عن التفكير البصري. ولكي أمثل لغموض واستبدالية المفردات البصرية ومدى أهمية السياق في تحديد المعنى، سأستشهد بسلسلة من الأمثلة المنتمية إلى فئتين. أولا سأقدم أمثلة تصف المفردات الثلاث الأكثر تداولا التي تحيل، في اللغةالعربية، على علامة أولية في التعبير البصري. وسأتبعها بأمثلة لمرجعين أولين في اللغة العربية، حيث يعبر كل منهما عن صيغة مختلفة للرؤية. وسأناقش بعد ذلك المفردة الاصل في اللغة العربية المستعملة لتعيين انتاج صورة ما. واعتمادا على الفئة الثانية سأقدم نظرة عامة عن نسق تسمية الالوان في اللغة العربية. وسأتوقف عند الالوان لكون العرب القدماء اعتبروا أن اللون هو الموضوع الأهم في الرؤية والعنصر الأساسي في البصري. بالاضافة إلى ذلك، فإن مفردات الالوان تكشف بوضوح عن العلاقة الخاصة والأصلية القائمة بين اللغة العربية والادراك البصري. ففي الفئة الاولى تمثل المفردات المرتبطة بالمعرفة البصرية الغموض والاستبدالية من خلال ندرة التحديدات التصورية. وفي الفئة الثانية، تعكس أسماء الالوان، والألوان هي أبرز عنصر يلفت نظر الانسان، أنواعا من الغموض و الاستبدالية المتوازية من خلال وفرة التحديدات الادراكية.

III الغموض اللساني واستبدالية المفردات البصرية

قد نجد، في كل خطاب حول التعبير البصري، من المفردات الأكثر ألفة مفردة تستعمل للإحالة علي علامة أولية، ويتعلق الأمر بـ”الخط” في اللغة العربية. تعكس هذه المفردة الأصلية غموضا حادا لا يمكن رفعه إلا من خلال السياق. وبدون السياق، فإن هذه المفردة خط قد تدل في نفس الوقت على “قاعدة” أو “سطر” أو ” كتابة ” أو حتى ” تخطيط”. وهكذا فإن هذه المفردة معتمة بسبب هذا الغموض وتعكس أحد الأسنن أي “قاعدة” أو ” خط” إدراك شكل بصري مجرد. ويعكس سنن آخر أي “كتابة” أو” تخطيط” إدراك الكلام الذي يأخذ شكلا بصريا.

وبزيادة اللاحقة حرف الطاء “ط” لاسم “خط” الدال على “خط” و”تخطيط” في نفس الآن نحصل على الفعل خطّ . هذا الفعل المشتق يعكس هوالاخر أنواع الغموض بين استعمال المفردة للدلالة على شكل بصري مجرد وعلى استعمالها للدلالة على بصرية الكلام. وهكذا يدل فعل”خط” على “رسم” كما يدل على “كتب” سواء وردت المفردة في صيغة الاسم “الخط” أو في صيغة الفعل “خط” فإن فهمها موقوف على السياق الذي ترد فيه. والمعنى الاول أي “سطر” أو “رسم” هو تعيين يعود أصله إلى إدراك التجريد البصري، في حين يعود المعنى الثاني أي”التخطيط” أو “التسطير” إلى الادراك البصري للكلام.

وعادة ما تستعمل مفردة ” رسم ” للاحالة على علامة أولية في اللغة العربية كما هوالحال بالنسبة لـ”خط” . إن الاسم “رسم ” كلمة /جذر يمكن أن تدل في نفس الوقت على “رسم ” و”تسطير”. مرة أخرى يعود السنن الاول إلى تمثيل بصري يتخذ الشكل المجرد للسطر، في حين يعود السنن الثاني إلى تبصير الكلام أو”جعله مدركا بحاسة البصر”، وبإضافة زيادة داخلية ولاحقة على الكلمة /الجذر، فإن الاسم “رسم” يتخذ صيغة الفعل ونتيجة لذلك يدل الفعل “رسم” على “رسم”و”كتب” في نفس الوقت. وكما هوالحال بالنسبة “لخط”و”خط”، سواء وردت المفردة في صيغة الاسم “رسم” او في صيغة الفعل ” رسم ” لا يمكن الحسم فيهما إلا من خلال السياق.

ويبرز هذان المثالان للعلامات الاولية كيف ينشأ الغموض في مفردة واحدة عندما تدل كل من الصيغة الاسمية والصيغة الفعلية على معنيين متباينين. وفي كلتا الحالتين يتواجد الغموض داخل صيغتي العلامات، وكلتاهما خطية وأحادية الابعاد.

وآخر مثال على علامة أولية لازمة لكل خطاب حول التعبير البصري هو مفردة اللغة العربية الدالة على “شكل”. وهذه المفردة تقوي من الغموض الملاحظ في المثالين السابقين. وتدل الصيغة الاسمية لمفردة ” شكل” على معنى ” الشكل”، وبتضعيف الكاف وزيادة الفتحة يشتق الفعل ” شكّل” ولا يعني الفعل ” شكَل ” “صَوّر ” أو “صاغ ” فقط بل أيضا ” تلفظ “. فنفس المفردة لا تستعمل فقط للتعبير عن إدراك مجرد لجسم بصري، بل أيضا للتعبير عن إدراك يرجع إلى علامات سمعية يمكن أن تتمظهر بصريا أو سمعيا. مرة أخرى، لا يمكننا أن نحدد معنى مفردة إلا من خلال معرفة السياق الذي ترد فيه. إن إصرار الغموض في نفس المفردة الدالة على سنن بصري وعلى تبصير الكلام يزداد حين ننظر إلى الاحالات الأولية الدالة على صيغ وطرق الرؤية.

إن الفعل”نظر” مثلا هو كلمة/جذر تدل على “رأى” والمفردة “نظرة” هي الاسم المشتق الدال على معنى “لمحة”، وبتضعيف وسط الفعل الأصلي، فإن الكلمة المشتقة هي “نظَّر” بمعنى التنظير. والاسم المشتق منها نظرية. وفي حالة هذا المرجع الاولي، فإن التغييرات الصرفية لم تنقل المفردة الاصلية من الإدراك البصري إلى إدراك يعود إلى الكلام، بل على العكس من ذلك حولت المفردة التي أصلها الادراك البصري، فأعطت المفردة الدالة على التصور النظري للكلام. ويظهر الغموض من جديد كخاصية مميزة لصيغة الصفة. فصيغة الصفة “نظري” قد تدل في نفس الوقت على ” بصري” وعلى “نظري” وفقا للسياق. وتحيل الاولى على الإدراك والثانية على التصور.

وعلى نفس المنوال، تدل الكلمة / الجذر ” بصر” على الاسم العام ” الرؤية ” والفعل ” بصر” هو الصيغة الاصلية التي تدل على ” رأى ” و”ميز” أو “تبين” . والفعل المشتق “أبصر” قد يدل في نفس الوقت على ” رأى ” أو ” فهم” . ومن الناحية الصرفية، فإن زيادة الهمزة في بداية الفعل أي ” المرجع الاولي” تضفي على المفردة الواحدة سننين متبادلين ويحدد الواحد منهما الإدراك الحسي للرؤية البصرية، في حين يحدد الآخر التلقي التصوري للكلام. ومن جديد لا يمكن فهم المعنى إلا من خلال معرفة السياق الذي ترد فيه المفردة.

وعلى الرغم من تبادل سنني فعل ” أبصر ” المتمثلين في ” رأى” و”فهم “، لا توجد مشتقات أخرى للدلالة على معاني مرتبطة بالفعل “أدرك” او بالاسم ” إدراك”. إن دلالة هذين المفهومين لا توجد إلا في كلمة /جذر مختلفة تماما، فإن مقابل فعل perceive هو المفردة “أدرك” والصيغة الاسمية ” إدراك” تدل على ” الإدراك” perception. وبما أن مفهوم ” الإدراك” مفهوم محوري في أي خطاب حول التعبير البصري، فإن هذه القضية تحتاج الى إمعان نظر وعناية كبرى قبل التطرق إلى آخر المراجع الاولية الدالة على إنتاج صورة ما.

إن مفهوم الإدراك، في حد ذاته، ليس بالضرورة مرتبطا بإحدى الحواس ( الخمس )، ولا تبين مفردة الادراك ما إذا كان معنى واحدا أو معاني متعددة متضمنة في عملية الادراك. ومع ذلك، يبدو الأمر واضحا في اللغةالعربية فيما يتعلق بالمعنى الواحد أو المعاني المتعددة المتضمنة. وذلك لا يقلص الغموض النابع من استعمال مفردة الإدراك، بل إن هذا الغموض ينتقل إلى مستوى آخر من الإدراك. إن المفردة “أدرك” التي تدل على معنى الفعل ” أدرك” والاسم المشتق “إدراك” ودلالاته يتضمنان إحدى حاستي المسافة :السمع والبصرالموصلتين إلى فهم المعلومات من زوايا مختلفة (11).

وهذا التضمن يثبته كون الكلمة /الجذر ” أدرك” تدل حرفيا على الحركة في المكان والزمان وتدل ” أدرك” على ” لحق” و”وصل” و”بلغ” و” نضج”. وهكذا تتضمن الصيغة الاسمية “إدراك” تورط أحد المعنيين للرؤية أو للسمع وهما إدراكان حسيان لا يتحققان إلا من خلال انتقال الذبذبات الصوتية أو الاشعةالضوئية في نفس الآن، وحسب السياق، فإن المفردة “إدراك” لا تعني الإدراك فقط، بل تعني أيضا الملكة الذهنية : القول أو التفكير، وبالتالي، فإن ذلك الغموض السابق بين سنن الطبيعة البصرية وسنن الكلام يتجلى في غموض آخر قائم على إمكانية استبدال سننين: سنن الإدراك وسنن العقل. ويتعلق السنن الاول بالحواس ويتعلق الثاني بالذهن، ولا نتوصل إلى تحديد معنى كل مفردة منهما إلا من خلال السياق.

يشترك المرجعان الأولان ( نظر وبصر )، وكلاهما مرتبط بأساليب الرؤية، مع المفردات الثلاث التي درسناها سابقا والمرتبطة بالتعبير البصري ( خط رسم وشكل )، في أنواع الغموض المألوفة. وفي الأمثلة الخمسة السابقة، لا يرفع الغموض إلا بمعرفة سياق ورودها. ويمكن أن نجد أمثلة مشابهة لهذا الغموض الذي لايرفع إلا من خلال السياق في كل اللغات تقريبا. ومع ذلك، فإن ما يميز هذه الظاهرة في اللغة العربية، فيما يتعلق بالمفردات البصرية للتعبير، هو التساؤل الراسخ الذي يعتم من خلاله الخط الفاصل بين سنن يعود إلى الادراك البصري وآخر يعود الى الكلام. وسأتطرق الآن للمفردة الأكثر شيوعا في اللغة العربية التي تستعمل دائما للدلالة على إنتاج صورة بصرية، من أجل توضيح أهمية العملية الاستبدالية بين سنن بصري وسنن كلامي، وجذر هذه المفردة يتكون من ثلاثة أحرف ص ، و ، ر .

ليس هناك كلمة حظيت بنفس العناية التي حظيت بها كلمة صورة في كتب الفن الاسلامي. إن الاسم :” صورة” يعني إجمالا “مشابهة” أو ” صورة ” ، بينما تعني الصيغة الفعلية “صوّر” : “شكل” أو ” صاغ” ، ونادرا ما عولجت صيغ هذه الكلمة في الدرس الفني خارج إطار التأويل الديني .

وعلى الرغم من ذلك، فإن فحصا شاملا للكلمة/الجذر “صوّر” يشير إلى أنها تشترك مع “نظر” و”بصر” في توازي متغيرات المعنى واستبداليته. وبزيادة التاء إلى الفعل الأصلي الذي يدل على ” شكل ” ، فإن الكلمة ” تصور” تأخذ معنى “تخيل”، ويمكن استبدال الفعل ” تصور” أيضا للدلالة على ” فهم ” والتصور يدل على ” الفهم “.

وهنا يزداد الغموض اللساني الذي أشرنا إليه سابقا : أي تعتيم معاني مفردات التعبير البصري ومفردات الكلام. والنتيجة أن المفردة التي تؤدي إلى الادراك الحسي للرؤية البصرية تصبح هي نفسها قابلة للاستبدال بمفردات مجردة تدل على “الإدراك”.

إن فحص الاستعمال المبكر لكلمة مكونة من جذر ثلاثي ” صور ” يثير الانتباه، حيث يكشف أن الكلمة لم يقتصر استعمالها على ما له علاقة بالإدراك الحسي للرؤية، بل غالبا ما يستعمل أيضا في علاقة بالإدراك السمعي. وعلى سبيل المثال، إذا أحصينا ورود الكلمة في القرآن الكريم نجد أن الكلمة “صور” بمعنى صورة ” متشابهة”، ترد ثلاث مرات. والفعل ” صوّر” بمعنى ” شكل” وصاغ يرد خمس مرات. أما الكلمة “صور” التي تدل على الصوت أي الصور الذي سينفخ فيه يوم القيامة فترد عشر مرات. وترتبط الحالتان الاوليان بسنن بصري، بينما ترتبط الحالة الأخيرة بالسنن السمعي (12).

واليوم ما يزال الفعل ” صور” يدل على عدد من المعاني المرتبطة بإنتاج صور بصرية مثل ” خط” ،”رسم”،”وصف” ،”مثل” و”أخذ صورة شمسية”، وهي كلها صيغ للتعبير البصري. إلا أن الفعل ” صور” كما يستعمل في بعض لهجات العالم العربي بمعنى ” سماع صوت يصم الأذن”، هو معنى ناتج عن تجربة سمعية (13). وهكذا تعكس المفردة الأكثر استعمالا للتعبير عن ” إنجاز صورة ما “، في صيغتها الأساسية، إدراكين حسيين : إدراك الرؤية وإدراك السمع. ويعين الإدراك الأول السنن البصري، بينما يعين الثاني الإدراك الكلامي.

إن الأمر شائع بالنسبة لجميع اللغات أن تستعمل نفس الكلمة للدلالة على معنيين مختلفين، وليست المفردات العربية المتعلقة بالتعبير البصري هي المفردات الوحيدة في اللغة التي يشوبها الغموض باستمرار. إن التراث العربي لزاخر بعدد هائل من المجلدات التي أنشأها اللغويون العرب القدامى الذين قضوا حياتهم في توثيق الغموض الدلالي الموجود في اللغة (14). إن الاستعمال المزدوج للكلمة /المفتاح مثل ” صور” يمكن أن يكون إشارة ضمنية تكشف عن الأصول الملموسة لكيفية توليد المعنى في اللغة العربية. ومن شأن هذه المفردة المحورية أن تلقي ضوءا جديدا على فهم المثال السابق لالتباس مجموع السنن المتعلق بالبصري. ولكونها مفردة واحدة تعين في نفس الآن فعل إنتاج الصورة وعملية التصوير وكذا إنتاج صوت ” الصور” أي سماع صوت يصم الأذن، فإنها تبرز كيف أن اللغة، إبان نشأتها، قد بدأت تحدد الإدراكات البصرية والسمعية في سنن متبادلة.

إن المقارنة الوجيزة بين مفردتين من المفردات الأساسية التي ناقشناها أعلاه تكتسي أهمية خاصة في هذا السياق. تدل المفردة الاولى على الإدراك، بينما تدل الثانية على التصور، في حين أن الكلمة /الجذر لمفردة الإدراك : “درك” لا تشتق من المرجع الاصلي الذي يشير إلى السنن البصري للرؤية. في حين أن الكلمة/الجذر لمفردة التصور، صور مشتقة، كما رأينا من قبل من سنن بصري أي ” عملية فعل صورة “. وتتضمن مفردة الإدراك، بشكل جلي، كما سبق أن أظهرت الصيغة الأصلية اشتمالها على الرؤية والسمع من خلال المسألة المكانية والزمانية، تعبر المفردة ” التصور” مقابل ذلك ، بشكل رفيع عن المعنيين في صيغتهما الأصلية ” صور” التي تشتق منها المفردة الدالة على التجريد. وهكذا، فإن الالتباسات النابعة عن استبدالية الدلالات بين “الإدراك” و”الفهم” وكذا ” التصور” و” التخيل ” ليست مجرد نتاج لاعتباطية اللغة. وتشير الدلائل إلى أنه قد حصل تطور في الالتباسات المبكرة التي تعود إلى الادراك البصري والكلام. ويوحي اطراد وطبيعة هاته الالتباسات – كما أوضحنا سابقا- إلى أن تبادل سننين ينتميان إلى مفردة واحدة قد يعود إلى المجال الحسي للرؤية والسمع.

وعن طريق الحواس تتقاطع الاساليب النمطية للمعرفة والسنن اللسانية والبصرية بشكل حدسي. إن الادوات الواصفة للإدراك البصري كانت تستبدل بشكل طبيعي بأدوات التلفظ بالكلام. والعلامة الاولية للتعبير البصري التي لازالت تستعمل نفس المفردة لتعيين الفعلين ” رسم” و”كتب” تذكرنا بأن نفس الادوات كانت تستعمل في الاصل لتعيين السنن البصري واللساني أيضا (15).

واقترح بكل تحفظ ما يلي : إن الانتقال المطرد من سنن أصله الادراك البصري إلى سنن أصله الكلام قد يكون في ذاته تمظهرا للطابع الوظيفي للدماغ البشري الذي يربط حدسيا استعمال الادوات بعضها ببعض في الكلام .

إن المهارات الحركية لليد ولإنتاج الكلام في الدماغ تتحكم فيها خانتان متجاورتان (16). وإن تجاور هاتين الخانتين يحمل على الاعتقاد بأن الكلام قد تطور تاريخيا بتزامن مواز مع تطور استعمال الانسان للادوات. (17) وما يطلق عليه عادة ب”الامتداد” من خانة إلى أخرى، قد يكون ناتجا عن القرابة الخفية بين تنسيق حركات اليد والكلام. ويمكن تقديم مثال واضح على هذه القرابة بين عضو حركة اليد والكلام، التي سميت بالامتداد من ملاحظاتنا لطفل يتعلم الكتابة. فحينما يبذل الطفل مجهودا مركزا للتحكم في حركات يده، فإنه يحرك لسانه حدسيا، وغالبا ما يتهجى أصوات الكلمة جهرا، حينئذ تأخذ الكلمات شكلها البصري (18).

ويفسر المثال السابق للطفل أثناء الكتابة، باختصار، القاعدة الفزيولوجية التي مفادها أن الكلمة/الجذر في الغة العربية : “صور” كانت تدل في البدء على خلق صورة ما وإنتاج صوت ما، ويمكن أن يفسر كذلك كيف أن فعلا مشتقا من مفردة تدل على الشكل لا زال يعني تبادليا ” صاغ” و”صوت”. وعلى نفس المنوال، فإن المسلمات القائمة مثل مسلمة ابن عباس ” الخط لسان اليد ” قد تؤول على أنها توسيع استعاري يعكس تلفظا رفيعا لظاهرة الامتداد(19).

ومع ذلك، فإن ما يكتسي أهمية قصوى في دراستنا لمسألة استبدالية السنن يجب البحث عنه في موضع آخر. فإذا كانت هذه الالتباسات اللسانية واستبدالية السنن البصرية قد تطورت بالفعل خلال حقبة تكون اللغة، كما اقترحنا أعلاه، فعلى “الامتداد ” اللساني أن يفسر قضيتين مرتبطتين. أولا ،إن “الامتداد ” كما يظهر في اللغة كان المقدمة التصورية التي ساهمت في صياغة نوع الخطاب الذي طورته الفنون البصرية الاسلامية لاحقا. ثانيا، إن عملية الصورنة للعالم البصري لم تقتصر على تشكيل الإدراك العربي في الماضي السحيق فقط بل ما زالت تعبر عن الإدراكات البصرية في اللغة المعاصرة .

لقد سبق لي أن ناقشت المفردات الثلاث الأكثر استعمالا في اللغة العربيية الدالة على علامة أولية، أي “خط” ،”رسم”، “شكل”، وحللت بعد ذلك مرجعين أولين في اللغة. وكل واحد منها يعبر عن أسلوب مختلف للرؤية. وأخيرا انكببت على دراسة المفردة المحورية الدالة على خلق الصورة في اللغة العربية.

وفي المجالات الثلاثة، سواء كان الغموض الدلالي ناتجا عن تعدد الدلالات، أي أن للكلمة الواحدة معاني مختلفة، أو تماثل الدلالات أي نفس الشكل لكلمتين مختلفتين، فقد رأينا كيف أن السياق حاسم في تحديد المعنى. والأهم من ذلك، فقد لاحظنا كيف أن مفردة ما تتعلق بالإدراك البصري تستبدل باطراد بمفردة أخرى تتعلق بالكلام، وكيف أن استبدالية المفردات هاته يمكن أن تكون في حد ذاتها مفهوما أوليا يعكس وظيفة أساسية للدماغ البشري.

IV- أسماء الألوان في سياق العالم البصري

في محاولة لتطوير منظور يسمح لنا بتفسير تشعبات الظواهر اللغوية التي ناقشناها أعلاه، أعود الآن إلى موضوع الألوان الذي يعد من المواضيع الحاسمة في المعرفة البصرية.

فبالنسبة للعرب القدامى كانت الألوان هي المكونات الاساسية للعالم البصري. إن نظرة سريعة للنظام المركب الذي تبناه العرب الأوائل لتمييز الالوان تبرز كيف انتظم وعيهم بالإدراك البصري. وفي هذه الدراسة الموجزة، سأبرز كيف بذل المتكلم العربي جهدا كبيرا لإعطاء الاحساس الاولي بالبصري مرجعا صوتيا. وسيظهر هذا البحث عمق وتجذر معرفة العربي بالعلاقة بين الادراك البصري والادراك السمعي، ويكشف كذلك أن المفردات البصرية الرهينة بالسياق، التي أشرنا إليها سابقا، هي نفسها انعكاس لسياقية انتقالية أوسع كامنة في التجربة الحسية للعالم البصري للصحراء. (20)

وحسب التراث العربي ، فإن الضوء والظلام اللذين يشتملان على تضمينات استعارية، يحتلان الصدارة في كل وصف للعالم البصري، ثم يتلوهما اللون في تحديد المرئي قبل أية ظاهرة أخرى(21). وتبرز أسماء الالوان الاساسية كيف أن ترتيب الطيف الذي اعتمده العرب لما يتعرف عليه بحاسة البصر أساسا نقل إلى نظام صوتي منسجم. إن الالوان الثانوية، التي يعتقد أنها نتاج مزج بين ظلال ودرجات وأشكال تدرج الالوان الاساسية تتكون بشكل مختلف. والاسماء المخصصة للفروق الدقيقة بين الالوان تعكس مرة أخرى الالتباس وأهمية السياق.

ويبدو لأول وهلة أن قياس طيف الالوان الذي تبناه العرب مماثل لعملية تحديد الالوان الموجودة في لغات أخرى. وتصنف أقسام الالوان بشكل كلي إلى عدد محدود من الألوان التي يعتقد أنها نتاج من بين مكونات متباينة للالوان الاولية. وعموما، تتحدد الالوان الاولية في أغلب الثقافات بمجموعة من الاسماء الاعتباطية، بينما غالبا ما يعتمد في تحديد ظلال الالوان على نهج تجريبي نابع مما هو استعاري أو مرجعي (22).

ويتميز معجم الالوان في العربية بمميزات عديدة.. في المقام الاول، هناك المحاولة الهائلة لبناء صوتي لأسماء الالوان. إذ ينعكس ترتيب الالوان في قياس الطيف البصري في بنية أسماء الالوان. وهكذا، فاالأسماء الستة للالوان الاولية تستهل بأول حرف أبجدي، وكل اسم من هذه الاسماء الستة يتكون من مقطعين متساويين لهما الصيغة الصرفية أفعل. ويمكن تقسيمهما إلى مجموعتين صوتيتين ثلاث منها تتماثل حروفها صوتيا، حيث إن المقطع الاول يستهل بنفس الحركة – ( الفتحة) ، بينما يختم المقطع الثاني بنفس القافية “ر” ، ويتعلق الامر ب”أحمر” و”أخضر” و” أصفر”. وفي المقابل، تعكس الألوان الثلاثة الاولية الاخرى التي لها نفس الصيغة الصرفية تماثل الحركات الصوتية : وتستهل اثنان منها ب “أ” وتختم بنفس القافية “ض” – “د” . والمفردة الثالثة ” أزرق” ، ومع كونها تتوفر على نفس الصيغة الصرفية لأسماء الألوان الأولية الأخرى، فإنها أقل تشابها من الناحية الصوتية قياسا بباقي الأسماء الأولية. وللونين اللذين يعتبران متعارضين من الناحية البصرية ( أي الاحمر والاخضر) نفس التفعيلة وينتميان إلى المجموعة المتماثلة حروفها الصوتية. واللونان المتعارضان الآخران ( أبيض وأسود) لهما نفس التفعيلة وينتميان إلى المجموعة المتماثلة حركاتها الصوتية. واللون الباقي ( أصفر) المنتمي إلى المجموعة المتماثلة حروفها الصوتية الذي يعتبر متعارضا مع اللون الاخير ( أزرق) المنتمي إلى المجموعة المتماثلة حركاتها الصوتية ليس له نفس قافية اللون الأزرق (23).

إن الصيغة العربية التي تحاول بدقة شبه رياضية أن تنقل الاحساس الاولي بالالوان الأولية إلى نظام صوتي تتطلب دراسة أعمق، بما أن التشعبات المتضمنة هنا قد تكون ذات أهمية قصوى خاصة في ضوء الابحاث الاخيرة التي تستعمل اللون كمنبه لدراسة العلاقة بين اللغة والفكر. (24). ومن الممكن أن تزداد هذه الأهمية حين ننظر إليها من زاوية المعلومات المتعلقة بخصوصيات معجم الالوان التجريبية التي ابتدعها العرب البدو لتسمية الظلال التي يعتقد أنها نتاج مزج الالوان.

وتظهر معالجة سريعة للاسماء العربية لظلال الالوان الاولية كيف أن تسمية هذه الظلال تعكس نفس الالتباسات والاستبدالات المرتبطة بالمفردات التي تتعلق بالممارسة البصرية وبإنتاج الصور البصرية، كما رأينا ذلك سابقا. وتبرز هذه المعالجة أيضا أن السياق بقدر ما يلعب دورا حاسما في فهم الاستعمال الصحيح لمفردة بصرية، فهو كذلك ضروري لتحديد ظلال الألوان.

وكما هوالشأن بالنسبة لثقافات الشعوب الأخرى، فإن أسماء ظلال الالوان العربية التقليدية تشتق من الإحالالت الطبيعية المنتمية للمحيط البصري للإنسان العربي. ومع ذلك، وبالرغم من فقر البيئة الصحراوية القاحلة، وربما بسبب ذلك، فإن الغنى اللامتناهي للأسماء التقليدية لتعيين أدق تغييرات ظلال الالوان يبرهن على رهافة في الإحساس ووعي هائل بالمعرفة البصرية. وتبدو دقة كل اسم في محاولة تبليغ قيمة وتدرج لون معين نتيجة لتجاوب فطري.

من الناحية الصوتية إذن توافق مجموعة واسعة من أسماء ظلال الالوان الصيغة الصرفية المستعملة في تعيين أسماء الألوان الأولية. ولبعض أسماء ظلال الألوان الاخرى نفس الصيغة الصرفية ومجموعة الاسماء التي تتماثل حركاتها صوتيا (25).وهناك عدد آخر من اسماء ظلال الالوان التي توافق صيغا صرفية لا تنتمي إلى أي من المجموعتين.

إن المسألة الجديرة بالاهتماك هي العملية التي يتم من خلالها إضفاء اسم مرجعي على ظل لوني. ذلك أن الكشف عن الخصائص الأساسية لهذه العملية من شأنه أن يجبرنا على إعادة مناقشة ما رأيناه سابقا من منظور جديد يأخذ بعين الاعتبار قضية التباس السنن المتعلق بالتعبير البصري في اللغة. وبالإضافة الى ذلك، فإن الكشف عن كيفية تعيين الإحالات السياقية لظلال الالوان يمهد الطريق لفهم أفضل للعلاقة بين الانسان والطبيعة في الفكر العربي. إن التعيين الإحالي في اللغة العربية للألوان المركبة وتدرجاتها الفردية، على المستوى السطحي، يشبه التعيين الإحالي للألوان كليا بتبني اسم مستخرج من خاصية طبيعية للمحيط. وعموما، قد يفهم هذا الاستخراج على أنه استبدال يكون فيه ظل اللون مماثلا لاسم خاصية طبيعية. ومن الامثلة على ذلك، تسمية اللون البرتقالي الذي ينسب إلى البرتقال، البنفسجي إلى البنفسج والفيروز إلى الحجر الكريم الأزرق ( وقد تستعمل الالوان الإحالية بطريقة استعارية كالأخضر – الزيتون، الازرق-سماء ، أصفر-كناري ( شحرور )).

ولقد برع العرب، في واقع الامر، في التعيين الإحالي للألوان، الشيء الذي يعكس دقة ملاحظاتهم للمحيط الصحراوي. ومع ذلك، فإن العملية الإحالية المستعملة لتحديد اللون تنتظم وفق طرق الإدراك المختلفة. وتحدد الطريقة الأولى درجة ظل اللون في سياق لحظات زمنية متتالية. إن تعاقب الزمن يحدد خصوصية ظل اللون، وتحدد الطريقة الثانية تدرجات لون ما في سياق تموضع اللون وجاذبيته داخل حدود مرجع مخصص ما. ونتيجة لذلك، يصبح الشيء واسم الظل للون الذي يحمله شيئا واحدا .

ونكتفي بمثالين اثنين لأسماء الالوان الأساسية وهما : الأحمر والأبيض للاستدلال على أن ظل الألوان ينبثق من سياق زمني يتغير باستمرار. ونبدأ باللون الأبيض، فاللون الأبيض، هذا اللون الاولي، لون الجرادة، أسماؤه تتغير حسب تغير حالات الجرادة من حالة البيضة إلى حالة اليرقة إلى حالة الحشرة الطائرة.(26)

وهناك ظل آخر للأبيض يتعلق بالسحابة الذي تتغير أسماؤه حسب زمن رؤية السحابة في واضحة النهار أو قبل عاصفة أو أثناء المطر أو بعده (27).

وبطريقة مماثلة، فإن خصوصية ظلال اللون الأحمرللأحمر المنتمي إلى فاكهة تتغير أسماؤه حسب درجة نضج الفاكهة، أي قبل النضج وأثناءه وبعده (28). وظلال اللون الاحمر الدال على الدم : إذا كان سائلا أو جاريا في العروق، أو سائلا خارج الجسد أو يابسا عل>سطح شيء ما (29) . إن هيمنة عنصر الزمن في تحديد خصوصية ظل اللون تزداد لكون النظام الصرفي العربي يسمح بتحويل صيغة كلمة هي، في الأصل صفة، إلى صيغة فعلية. وهكذا يمكن أن نصف ظل اللون في تسلسله التجريدي من خلال حالته المستقبلية.

أما فيما يخص الطريقة الثانية للإدراك التي تحدد ظل اللون من خلال سياق تموضعه وجانبيته، فإن اللغةالعربية الفصحى قد قطعت شوطا كبيرا في تخصيص أسماء ظلال الالوان، بل حتى في أدق تفاصيلها. إن العرب أعطوا اسماء مستقلة لظلال الالوان حسب سياق كل التموضعات والجانبيات (30) المتخيلة آخذين بعين الاعتبار 1 – أن اللون لا يمكن أن يرى في الفراغ وإنما هو سياق ألوان متجاورة فقط ، 2 – أن نفس ظل اللون تتغير نبرة مظهره حسب اللون المجاور له .

إن اسم ظل اللون يتغير حسب علاقة هذا اللون بمرجع متحرك أو جامد. وهكذا، فإن نفس ظل اللون تتغير أسماؤه حسب علاقة اللون المعين بجسم الفرس، أو جلد الانسان، أو حجرة قريبة أو على تلال رملية بعيدة (31). وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن أسماء ظلال الالوان على جسم الفرس تلعب دورا في تمييز الفرس ذاته. إن أسماء الألوان تتغير حسب ظهورها فوق جبهة الفرس أوعنقه أو ظهره أو قوائمه أو كشحه أو ذيله. وبطريقة مماثلة، يتغير اسم نفس ظل اللون حسب ظهور هذا الظل إلى جانب ظلال أخرى وحسب الشكل الذي يتخذه ظل اللون من خطوط أو نقط أو رقع (32).

إن العملية الإحالية التي استعملها العرب قد انتجت – كما كان متوقعا – معجما للألوان يتميز بتشعبات دقيقة في اللغة. ومع ذلك، فإنه يمكن لهذه اللغة، التي تدعي أنها تتوفر على ما يفوق عشرين اسما مختلفا لظلال لون واحد، استبدال أسماء لونين متعارضين في مقياس الطيف مثل الابيض والاسود والاحمر والاخضر (33).

وهكذا يمكن استعمال الكلمة التي تدل على الابيض لوصف الفحم الحجري. ويمكن أيضا استعمال الاخضر الدال على نبات لتعيين اللون الاحمر للفرس، وكذلك ، يمكن استعمال ظل أديم الليل للدلالة على اللون الواضح للنهار. وبقدر ما نحتاج إلى معرفة واسعة بالمعجم لفهم الظلال اللامحدودة للمعاني، يظل السياق العامل الأساس في فهم المعاني المستبدلة للمفردات.

خــــاتمة

وكما رأينا، فإن فئتي المفردات التي ترتبط بالبصري – الفئة الاولى تشتمل على كلمات التعبير البصري وطرق الرؤية، والفئة الثانية تحيل على معجم الالوان – تكشفان جانبين متكاملين في تبليغ الإدراك البصري. وتوحي دراسة مفردات الفئة الأولى بأن الاستبدالية المطردة بين سنن الكلام وسنن المعرفة البصرية داخل المفردة الواحدة تمثل بجلاء كيف أن اللغة العربية قد حافظت على صيغتها النموذجية الاولية. وتظهر دراسة مفردات الفئة الثانية كيف أن العالم البصري للصحراء كان الفضاء الطبيعي حيث شكلت الصيغ النموذجية الاولية للغة علامتها الاولية. وحسب مفردات الفئة الاولى، فإن استبدالية السنن التي تعكس امتدادا بين حاستي السمع والبصر تعبر عن الإدراك الاولي الذي يربط بفضل أدوات بسيطة بين تلفظ الصوت وتكوين علامته البصرية. وفي مفردات الفئة الثانية، فإن الوفرة اللامتناهية للأسماء السياقية المحددة لظلال الالوان المختلفة تبرهن على تفرد عالم بصري دائم التغير، وسواء انتمت المفردات إلى الفئة الاولى أو الثانية يظل السياق هوالعامل الاساس لرفع الالتباسات الاولية المتعلقة بالمعنى .

وكما رأينا ذلك سابقا، فإن العلامات الاولية الثلاث “خط” و”رسم”و”شكل” تدل على التعبير البصري، لأن كل مفردة منها بصيغة الاسم. والإحالات الأولية الثلاث “نظر” و”رأى” و”صاغ” تدل على طرق الرؤية لأن كل واحدة منها بصيغة الفعل. وأخيرا وفيما يخص الألوان، سواء كانت أولية أو ثانوية، فإنها بصيغة الصفة، كما أن جميع المفردات المدروسة سواء في الفئة الأولى أو الثانية ضرورية لكل خطاب حول الإدراك البصري أو التعبير البصري.

إن مسألة معرفة إلى أي حد قد تحكمت الظاهرة اللغوية التي تمثلها الفئتان السابقتان في مجرى التعبير البصري في الفن الإسلامي هي مسألة تتجاوز حدود هذه المحاولة. ومع ذلك فإذا اعتبرنا أن الإدراك البصري الذي جعل الفن الإسلامي ممكنا هو إدراك أسس في الذاكرة الدلالية للطبيعة الصحراوية، فإننا نقترب من فهم لماذا دعا الفن الإسلامي إلى ” جمالية المفهوم ” وبشكل خاص لفهم كيف أن المميزات الأولية للبقايا النموذجية في اللغة العربية لا زالت تتحكم في التفكير البصري الى يومنا هذا.

ترجمة

خالد التوزانى – شكري العراقي

كلية الآداب فاس سايس

——————————-

الهوامش

1- يؤكد رودولف آرنهايم في كتابه التفكير البصري أن الثنائية القديمة بين الرؤية وبين الإدراك والاستدلال خاطئة وخادعة. إن التجاوبات الإدراكية مع العالم البصري هي الوسيلة الاساسية التي من خلالها نبنين المعرفة التي تشتق منها أفكارنا. انظرR. Arnheim, Visual Thinking, Berkeley, University of California Press, 1977

ولقد اقتبسنا مصطلح ” الذاكرة الدلالية ” من الدراسات التي تتمحور حول آلية الاسترجاع المتضمنة في تخزين الكلمات ، ويعتقد أن اسماء وصفات الاشياء التي نعرفها تخزن في ذاكرتنا الدلالية . انظرW. Nourdman-Vonk : Retrieval from semantic memory , Berlin – New york , springer Verlag 1978

2- في ” هندسة اللغة العربية وقواعد الرقش ” ، في ” الاسلام والحداثة ” ، آدونيس، أركون وآخرون . لندن ، الساقس ، 1995 ( ص 17 37)

3- إن عمليتي الاستخراج والتجريد للثوابت تحدد أثناء الادراك والمعرفة. إن إدراك المحيط وتصوره شيئان مختلفان في الدرجة لا في الجنس ، وهما متكاملان . إن أسباب اعتقادنا بأن رؤية شيء ما تختلف عن معرفته ترجع الى الاعتقاد القديم بأن الرؤية هي وجود إحساسات مؤقتة الوحدة تلو الأخرى خلال مرور لحظة من الزمن الحاضر في حين أن المعرفة هي وجود تصورات دائمة للذاكرة انظر James J. Gibson, The Ecological Approach to Visual Perception, Boston, Houghton, Mifflin Co., 1979

4- انظر “لسان العرب ” بيروت 1955

5- حسب ليفي شتراوس يمكن القول بأن اللغة شرط للثقافة وذلك بطريقتين : الاولى تعاقدية . بما أن الفرد يكتسب ثقافة الجماعة التي ينتمي اليها خاصة عن طريق اللغة … وتبدو اللغة ايضا على أنها شرط للثقافة حيث إن هندسة هذه الأخيرة مماثلة لهندسة اللغة، فكلاهما يتحددان عن طريق تعارضات وتعالقات . وبعبارة أخرى، علاقات منطقية بحيث يمكن اعتبار الكلام مؤسسة مهيئة لاستقبال بنيات أكثر تركيبا أحيانا ولكن من نفس نمط بنياتها التي توافق ثقافة معينة في مظاهرها المختلفة انظر Claude Levi-Strauss, Structural Anthropology, New York, pp. 68-69

6- انظر 6-“The Making of a Musli, Aesthetic” in Alexandre Papdo Poulo, Islam and Muslim Art. Structural Anthropology, New York, Harry N. Abrams, Inc, 1976

لمناقشة ما يسمى بجمالية التصور والتطبيق الجمالي في الفن الاسلامي . ص 48 – 59.

7- إن ” تعريف العالم البصري ” كما هو مستعمل في هذه الدراسة مقتبس من جيمس جبسون ، نجعل هذا التعريف دالا على الوعي بالمحيط كما يحصل عليه بالرؤية . إن جبسون يعرف العالم البصري : نتيجة ” لاختيار النظام البصري المكتشف لمعلومات ثابتة في وسط المجال البصري المحيط . كما أن وعي الملاحظ لجسده في العالم جزء من هذه التجربة. انظر جبسون نفسه.

8- يرجع فيما يخص الذاكرة ” الدلالية الى :W. Kintsch, “Notes on the Structure of Semantic Memory” in E. Tulvinaud W. Donaldson (eds), Organisation of Memory, New York, Academy Press, 1972, Elisabeth F. Lorjus, “Nouns, Adjectives and Semantic Memory” Journal of Experimental Psychology, 1972, pp. 213-215

9- انظر الثعالبي : فقه اللغة وسر العربية .القاهرة

10- إن المعاجم التي استعملت كمراجع في تحديد معاني المفردات هي : إلياس القاموس العصري ، عربي انجليزي ، القاهرة 1925. بطرس البستاني ، محيط المحيط ، بيروت 1977. والمنجد ، بيروت 1987.

11- وللتوسع في مفهوم حاسة المسافة انظر :11- E. A. Edward, T. Hall, “Perception of space : Distance Receptors, Eyes, Ears and Nose” in The Middle demention, New York, 1969, pp. 41-401

12- ترد مفردة ” صورة ” التي تدل على صورة أو مشابهة في ثلاثة أماكن في القرآن الكريم وهي سورة 60 والآية 64 . والفعل صور الدال على “شكل ” أو” صاغ” يرد خمس مرات في المجموع . بالإضافة الى ثلاثة أماكن مذكورة سابقا. والاسم صور بمعنى القرن الذي ينفخ فيه يرد في عشرة أماكن والصفة المصور ، وهي اسم من أسماء الله تعالى ، الدال على “المعطى الهيئات” ترد في آية واحدة . انظر المعجم المفسر لألفاظ القرآن الكريم تحت إشراف محمد عبد الباقي، القاهرة ، 1968 ص 416.

13 بالنسبة للمنجد ، فإن أصل الجذر صور أصله سرياني ص 439 ، انظر

Martin Hinds and El Said Badawi, A Dictionary of Egyptian Arabic, Beirut, 1986, p. 514

لمعلومات إضافية حول الاستعمال العامي لفعل ” صور” .

14- حظيت الدراسات الموسعة حول موضوع ” الاضداد ” باهتمام كبار فقهاء اللغة العرب ، ومنهم قطرب (توفي سنة 821 م ) والاصمعي ( توفي 828) وابن السكيت ( توفي سنة 858) والسجستاني ( توفي سنة 869 ) وابن الانباري ( توفي سنة 939 ). انظر على سبيل المثال كتاب محمد اليسين ” الاضداد في اللغة ” ، بغداد 1974.

15- تشير خاصية الزوايا في الكتابة النمطية للغة العربية الى أن الادوات الحادة المستعملة في نقش العلامات على الحجر قد وجهت الخاصية الخطية للكتابة . يبدو أن أول شكل للكتابة العربية ، والمعروف بالخط الكوفي ، قد حدد بأزميل حاد على الحجر .

16- انظر F. R. Winton and L. E. Bayliss, Human Physiology, London, 1948, pp. 432-433

بالإضافة الى ذلك يعتقد العلماء بأن جذور تخصصات دماغ الانسان البالغ تتجذر بعمق في عصور ما قبل التاريخ وأن تخصص شقي الدماغ تطور تبعا للأهمية التي تعطى لأحدى اليدين. انظر Richard M. Restak, The Brain, New York, Bantam Books, p.240

17- بعد أن أوكل الإنسان لرجليه ثقل جسده ، فقدت أصابع قدميه وظيفة الإمساك ، لكن بما أن يديه أصبحتا حرتين ، فإن أصابعه أصبحت قادرة على القيام بحركات في غاية الدقة. ولقد تم ذلك تدريجيا .وكان الأثر الاول لهذا الوضع الجديد هو تقليص الضغط على الفكين وذلك بتحويل وظائف تقطيع وتهشيم الطعام الى اليدين، وبالتالي بدأ الفكان بالتراجع تاركين للدماغ مجالا أكبر للتوسع. وبما أن الدماغ صار أكبر فقد أصبح قادرا على التحكم الدقيق في اليدين . ويجب أن ننظر إذن إلى هذا التطور الموازي لليد والدماغ للوقوف على الأصل الفزيولوجي للخاصيتين الأسساسيتين للإنسان : استعمال الأدوات والكلام .The First Philosophers, London, Lawarence and Wishart, Ltd, 1955, Reprinted in David Craig, Marxists on literature, An Anthropology, London, Penguin Books, 1975, pp. 25-46

18- انظر تومسن ، نفس المرجع ص 30

19- “الخط لسان اليد”

20- المراجع الاساسية المستعملة بالنسبة لأسماء الألوان هي قاموس الألوان عند العرب القاهرة 1989. عبد الحميد إبراهيم ، ومعجم الألوان ، قاموس عربي – فرنسي الرباط 1969 عبد العزيز بن عبد الله.

21- وفي رسائل إخوان الصفا التي يعود تاريخها إلى القرن العاشر الميلادي، صنف المؤلفون تحديد البصر حسب التركيب التالي : الضوء – الظلمة ، اللون ، السطح ، الجسم، الشكل، البعد، الحركة، السكون، الجاذبية … انظر المجلد الثاني بيروت ص 408. ويعرف الفيروزبادي ( توفي سنة 1414 ) اللون بأنه العنصر الاساس الذي يميز بين الأشياء. إن المعاجم العربية لازالت تستعمل تعريف الفيروزبادي في تعيين معنى كلمة ” لون ” . انظر محيط المحيط ص 832 والمنجد ص 740. وذهب ابن حزم الاندلسي إلى أبعد من ذلك حيث أعلن أن ” لا شيء يرى سوى اللون ” وأن “الضوء هو اللون ” تنظر الطبعة الاخيرة لرسالة الاخوان، الرياض 1979، ص 16، والحسن بن الهيثم ( 1041 م ) المعروف في الغرب بالحزين له تأثير كبير في الفكر الأوروبي الوسيط فيما يخص التمييز بين حواس المعرفة والاستنتاج حيث كتب : ” لا شيء مرئي يفهم بحاسة البصر باستثناء الضوء والألوان ” انظر كتابه كتاب المناظر ، تحقيق عبد الحميد صبري ، الكويت 1983 ، ص 72 – 120

22- انظر الدراسة العامة في : Brent Berlin and Kay Paul, Basic Color Terms, Berkeley, University of California Press, 1969

Marc M. Bornstein, “Color Vision and Color Naming : A Psychological Hypothesis of Cultural Difference”, in Psychological Bulletin, N_ 80, pp. 257-285

Eleanor Rosch Heider, “Universals in Color Naming and Memory”, in Journal of Expremental Psychology, N_ 93, 1972, pp. 10-30

23- فيما يخص البحث العلمي المرتبط بدلالة الألوان المتعارضة في الإدراك البصري ، انظر : Leo M. Hurvich and Bdorothea Jameson,

– “An Opponent-Process Theory of Color Vision” in Psychological Review, 1957, N_ 64, pp. 384-404

– “Opponent Process as a model of Natural Organization” in American Psychologist, 1974, pp.88-100

24- لأجل الاطلاع على استعمال اللون كمنبه لدراسة العلاقة بين اللغة والفكر انظر مثلا : Heinrich Zollinger,

– “A Linguistic Approach to the Cognition of Color Vision” in Folia Linguistica, IX, 1-4, 1976, pp. 265-293

وللنظر في إعادة تقييم نظرية وولف وعلاقتها بهذه المسألة انظر:- “Whorf and His Critics : Linguistic and Nonlinguistic Influences on Color Memory” in American Anthropologist, 1981, pp. 581-615

25- أبشر ( لون البشرة) ، أشقر ، أصحر ( لون الرمال ) ، أجهم ( أحمر ) أدهم ( أسود )، أختم ( أسود ) ، أحلس ( بني منقط ) ،أدهس ( أحمر ) ، أبغث ( أبيض وأسود منقط ) ، أكحل ( أزرق قاتم ) ، أكهب ( رمادي ) انظر : بن عبد الله المرجع أعلاه ص 19.

26 – يشار الى لون الجرادة كبيضة بالبسر ويرقة بالدابة وكحشرة طائرة بالأرمق، انظر ابراهيم المرجع أعلاه ص 75.

27- يطلق على السحاب الأبيض في يوم صحو : البخر ، وقبل العاصفة يطلق على السحاب الثقيل المشوب بالأخضر بالحناتم ، وفي يوم ممطر يطلق على السحاب الرمادي القاتم بالرباب، وبعد سقوط المطر يطلق على السحاب الدجن . وما هذه إلا أربعة أسماء من بين 50 اسما في وصف السحاب من خلال ألوانها في سياقها الزمني ، انظر ابراهيم المرجع أعلاه ص 14 – 54- 78- – 94.

28- تسمى الفاكهة التي يشوبها لون طفيف : البسر ، وأثناء نضجها تسمى : الخلل، وعندما تقترب من النضج تسمى الرطب ، وعندما تنضج تماما تسمى : التمر. انظر ابراهيم المرجع اعلاه ص 17

29 – إن ظل اللون القرمزي للدم الذي يرى من خلال البشرة يسمى بالبشع ، وعندما يكون الدم سائلا يسمى بالباهر ، وعندما يجف على شيء ما يطلق على لونه بالجسد، انظر ابراهيم المرجع أعلاه ص 13 – 14 – 32 -34

30- من الناحية التاريخية أعطى الفنانون والمنظرون اهتماما كبيرا لإدراك اللون وظلاله فيما يخص سياق الجاذبية ، انظر Joseph Albers, Interaction of Colors, New Haven, Yale University Press, 1963

Johannes Itten, The Art of Color, New York, Van Nostrand Reinhold, 1973

31- نتعرف على الفرس الابيض من خلال لونه : الاشهب ، وعلى الظل الابيض لجلد الإنسان : الامهق ، وعلى اللون الابيض الملاحظ على حجرة قريبة : البصرة ، وعلى الظل الابيض للتلال الرملية البعيدة : النقى ، انظر ابراهيم المرجع أعلاه ص18- – 183 ، والثعالبي المرجع أعلاه ص 120 – 122

32- الأمثلة التالية تتعلق باللون الابيض فقط كما أنها تتصل بموقع البياض على جسم الفرس . يقول الثعالبي : “إذا كان البياض في جبهة الفرس قدر الدرهم فهو القرحة ، فإذا زادت فهو الغرة ، فإن سالت ودقت ولم تتجاوز العينين فهو الأسقى ، فإذا أخذت جميع وجهه فهو أرخن ، فإذا كان في سواد قيل له مبرقع ، فإذا كان أبيض الرأس فهو أدرع ، فإذا كان أبيض الظهر فهو أرحل ، فإذا كان أبيض الجنب أو الجنبين فهو أخصف ، فإذا كان أبيض البطن فهو أنبط وإذا كان أبيض الصدر فهو أقعف، وإذا كان أبيض العجز فهو أعزر ، وإن كانت قوائمه الأربع بيضا يبلغ البياض منها ثلث الوظيف او نصفه او ثلثه ولا يبلغ ركبتيه فهو محجل ، فإن كان البياض بيديه دون رجليه فهو أعصم ، فإن كان البياض برجل واحدة فهو أرجل ، فإن أصاب البياض من التحجيل حقويه ومغابته ومرجع مرفقيه فهو أبلق، فإن كان أبيض الذنب فقط فهو أشعل ” ص 124 – 126

ويحدد اسم اللون حسب ظل اللون الذي يبدو الى جواره . وهكذا ، فإن اللون الأسود بجوار الأحمر يسمى الأرمق ، في حين أن الأسود بجوار الأخضر يسمى الأخطب . أما فيما يخص الشكل الذي يؤثر على تسمية اللون، فإن كلمة خطيان تصف أرضية صفراء عليها خطوط خضراء . ومرقم يصف الخطوط السوداء على أرضية بيضاء . كما أن الكلمتين أرقش وأرقط تصف على التوالي أرضية بيضاء أو سوداء وعليها نقط أو بقع باللون المغاير انظر ابراهيم نفس المرحع ص 67 – 86 – 101 -103 – 106 .

33- إن اسم اللون أخضرالذي يدل على الخضرة يستعمل لوصف الفرس الشديد السواد ، وكذلك لوصف لون الظلمة الكالحة ، انظر ابراهيم نفسه ، ص 66 – 67. كما يحدد الدبس ظل لون أحمر مشوب بالأسود وهو يستعمل للدلالة على ظل الأخضر المشوب بالأسود . انظر ابراهيم ص 75 . ويدل اسم اللون لمع الذي يشير الى حمرة الشفاه السوداء في صيغته المشتقة لميع على الأخضر الغامق لظل الشجرة ، انظر ابراهيم ص 228. كما أن اسم اللون أديم يستعمل تارة للدلالة على سواد الليل وتارة للدلالة على لمعان ضوء النهار ، انظر : ابراهيم ص 11.