… ولا يكف الحصان عن الصهيل

سعيد بنگراد

نقدم في الصفحات التالية قراءة للمميز logo الذي تعتمده مؤسسة البنك الشعبي رمزا لها. ويتعلق الأمر بتأويل خاص يستند في إنجازه إلى العناصر التي يوفرها هذا المميز مع كل إحالاته المباشرة وغير المباشرة. إنها قراءة في رموز حياتنا اليومية، وقراءة أيضا لطريقة تفاعلنا مع هذه الرموز. إنها قراءة للأشياء الرمزية التي تعتمدها المؤسسات والأفراد من أجل تأسيس انخراطهم في محيطهم المباشر، وتأسيس رؤيتهم لأنفسهم وللآخرين. فنحن لسنا شيئا آخر سوى مجموع الرموز -السلبية منها والإيجابية- التي تؤثث كوننا الإنساني وتجعل منه كونا دالا، أي منتجا للمعنى. وبهذه الروح يجب التعامل مع الصفحات الآتية.

إن انتقاء صورة ما من أجل تنظيم وتداول >جزئية< تواصلية ممتدة في الزمان محكوم بتصور مسبق يجعل من هذه الصورة عنصرا داخل جهاز ثقافي يحدد كل ممكنات التدليل داخلها. إن الشعار اللفظي وكذا الصورة والمنحوتات والأشياء وبعض أوضاع الجسد وكل الكيانات التي تستعمل كأدوات تمييزية تستمد وظيفيتها في التمييز من العمق الثقافي الذي ينظم انتشارها الدلالي المقبل. ولعل أولى غايات هذا الإجراء هي تحديد هوية خاصة بكيان تميزه عما يشترك معه في الترويج لنفس المنتوج.

وعلى هذا الأساس، فإن الرمز المميز (logo)، بجميع أنواعه، ليس مجرد هوية بصرية محايدة، كما أنه ليس مجرد أداة تَعَرُّف هشة. إنه سلسلة من الحكايات والأوضاع والقيم. إنه تمييز ثقافي، وعلى خلاف التسمية اللفظية، فإن الصورة/الرمز هي إطار مفتوح على كل الاحتمالات، أو هي نقطة الوصل بين مجموع اللحظات التواصلية التي يحددها أفق انتظار >مستهلك< يتماهى، في عيشه اليومي، مع القيم التي يثيرها هذا الرمز/المنتوج.

ولأن الصورة الإشهارية تلوذ، من أجل تعميم مضمونها وتحديد كونيته، بكل وسائل التشخيص، فإن الرمز المميز يتحول إلى مضمون قصصي ترقد فيه كل الحكايات القابلة لتجسيد هوية منتوج ما. إنه يروي أحيانا قصة فرد، ويروي أحيانا قصة عائلة أو مؤسسة، وأحيانا أخرى يقوم بصب ثيمة ما في وعاء زمني في أفق تشخيص ما لا يدرك عبر الصورة (النسمة والذوق والنشوة والانتشاء …). يتعلق الأمر، في جميع الحالات، بصياغة بصرية تشخيصية لمفاهيم >الجودة < و>الصلابة< و>القوة< و>الرقة<. إنه يسمي ويؤنسن ويحرك الجامد ويمنح أعضاء لمن تحتاج وظائفه إلى أعضاء. إن التسمية خلق، والأنسنة تشخيص، والأعضاء حركة في الفضاء وفي الزمان.

إن جميع هذه الأساليب تقود إلى خلق >كلام< (بالمفهوم السوسيري للكلام، أي الأداء الفردي الذي يقود إلى تحيين اللسان في ملفوظ خاص) تمييزي هاجسه الأول إرساء عناصر هوية مؤسسة، أو أي كيان آخر وفق قواعد ثقافية تضمن تواصلا أفضل بين المؤسسة والمستهلك.

وعلى هذا الأساس، فإن الملصق الإشهاري (الأشكال الدعائية)، وكذا كل الرموز المميزة هي جزء من فعل تواصلي له جذور رمزية وبلاغية لا يليق بالمحلل أن يتجاهلها. (1) فمردودية الملصق من حيث الانتشار الدلالي ومن حيث قوة التأثير تعود إلى التفاعل الحي بين وجهه المتحقق (ما يقدمه مباشرة) وعمقه الثقافي الرمزي (الإطار الذي يؤول داخله).

من هذا المنطلق نقدم في هذه الصفحات قراءة للمميز (LOGO) الخاص بالبنك الشعبي. وستقتصر دراستنا على الرمز في ذاته، أي التركيز على العناصر التي تصنع وحدته ومقروئيته ككيان مستقل، دون ربطه بمجموع المنتوجات التي تقترحها هذه المؤسسة على زبائنها (الملصقات الخاصة بالمنتوجات الفرعية وغيرها )، إلا في الحالات التي تبدو فيها الإحالة على أوضاع خاصة، ضرورية لضمان مردودية كبرى لهذه القراءة.

التسمية و>المميز< والبحث عن هوية

لم يعد الإسم في مجال الماركتينغ عنصرا مميزا بالشكل الكافي، أو لم يعد، على الأقل، قادرا على منح المؤسسة هوية خاصة تميزها بشكل كلي وقطعي عن باقي المؤسسات الأخرى المنتمية إلى نفس القطاع. فالإسم في مجال الأبناك يَمْثُل أمامنا باعتباره تحديدا لنشاط قطاعي (بنك …) وباعتباره تمييزا لنوعية المنتوج المقترح (البنك الصناعي، البنك التجاري، بنك السلف) أو تحديدا لجهة أو تعيينا لبلد (المغرب، فرنسا…)

إن هذه التحديات لا تقول الشيء الكثير عن العلاقة القائمة بين المؤسسة والمستهلك وعن طبيعتها وأسسها وأدواتها. ففي مجال الأبناك، لا يتجاوز دور التسمية التمييز بين المؤسسة البنكية ككل وباقي المؤسسات التجارية الأخرى. إن المؤسسة تتميز بنوعية المنتوج الذي تقدمه، ولا تستقيم هوية هذا المنتوج إلا من خلال >ماركة< تضمن له وجودا في الذاكرة وفي القيم وفي السوق أيضا. فالمنتوج لا يقدم “حافيا” وعاريا من كل غطاء إنساني يمنحه دفء التواصل وحرارة الحياة. من هنا كانت >الماركة< هي المدخل الرئيسي نحو إرساء قواعد العلاقة التي تجمع، كما في أي ماركتينغ، بين اثنين : عارض ومتلقي للعرض، أي تجمع بين المؤسسة والمستهلك. إن الماركة على هذا الأساس هي >كلام، والكلام هو الخالق للهوية، إنه مصدر للالتزام والتزكية والثقة والارتباط والأمانة… وتتميز الماركة، كالكلام، بطريقتها في المفصلة وفي التفكير. وبعبارة أخرى، إنها تشتمل على ثوابت تعبيرية وأخرى مضمونية تحفظ لها هويتها<. (2)

إن >الماركة< هي عرض خاص لمنتوج، وهي أيضا هوية ثقافية ، أي >رؤية للعالم<. من هنا كان على الإشهاري أن يجعل من >المميز< (logo)، بعناصره الصورية واللفظية، أداة تقود إلى تحديد هذا السقف الثقافي الذي تقترح المؤسسة التماهي فيه والذهاب إلى زبنائها مدثرة بقيمه وأطر تفكيره.

صحيح أن المنتوج باعتباره مادة (بالمفهوم السميائي للكلمة) (3) سابق على الماركة، ولكنه في نفس الآن لاحق لها. إنه كذلك لأن الماركة ليست فقط خانة يُتداول عبرها المنتوج، إنها تنظيم لفضاء ولزمان ولعلاقات إنسانية؛ إنها تضع المنتوج ضمن سيرورة زمنية تحدد له عمره وحجمه ونموه.

ولقد ولد البنك الشعبي من خلال هذا التحديد المزدوج. فالشعار الذي صمم لكي يكون إعلانا وشهادة ميلاد لهذه المؤسسة، ولكي يكون طريقة في التواصل مع المستهلك المحتمل تمثله الصورة التالية : (انظرالصورة في الصفحة الأولى من المقال)

– دائرة بلون برتقالي يغطي جزءها الأيسر فرس بلون بني تدل حركات رأسه وأقدامه على أنه منطلق إلى الأمام بعد أن اخترق الدائرة كما يدل على ذلك الجزء الصغير من ذيل الفرس الذي يوجد خارج الدائرة من ناحية اليمين.

– في الجانب الأيسر من الصورة إسم المؤسسة : البنك الشعبي مكتوب باللغتين العربية والفرنسية.

تشكل هذه الصورة >مميزا<، أي هوية بصرية تدل في جميع الحالات على مؤسسة بعينها. إنها أداة لتنظيم وتداول القيم (بالمفهومين المالي والثقافي للكلمة) ضمن شروط تعد الأساس الذي قام عليه المميز. وعلى هذا الأساس، فإن هذا المميز هو في نفس الآن تسمية، أي إحالة لفظية قابلة للتداول، ورمز (بالمفهوم العادي للكلمة) يدل في الغياب وفي الحضور على مؤسسة بعينها.

إن الربط داخل هذا المميز بين >الدائرة< و>الفرس< من جهة ، وبين >البنك< و>الشعبي< من جهة ثانية، يحتاج إلى إعادة تنظيم هذه الوحدات من أجل تحديد مجمل المضامين التي تحيل عليها. فمن جهة، ومن أجل بناء نمط خاص (هوية خاصة) في التواصل البنكي تم، على المستوى اللفظي، انتقاء صفة >الشعبي< لتقديم المنتوج عبره إلى المستهلك. وكانت هذه الصفة في مرحلة أولى هي المميز اللفظي المباشر، أي التسمية التي تقود إلى تحديد موقع هذه المؤسسة ضمن المؤسسات الأخرى.

إلا أن الأمر لا يقف عند حدود فعل تمييزي (بالمفهوم العادي للكلمة : تمييز أ عن ب) ، إنه خرق لحدود الاقتصادي المباشر من أجل تسريب عالم ثقافي يعج بكل مكونات التواصل والتواصل المضاد (شعبي = أرستقراطي) يتم عبره توزيع المادة المضمونية إلى وحدات صغرى تغطي مجمل الأنشطة الفرعية للمؤسسة : الضمان الشعبي، البيت الشعبي ، التقاعد الشعبي.

وهكذا فإن صفة >الشعبي< تدخل، في مرحلة ثانية، دائرة اختيار حضاري وثقافي ينظم ويؤطر ويحدد كل اللحظات التواصلية التي يقترحها البنك على زبنائه. إن صفة >الشعبي< مثمنة في جميع الحالات وجميع السياقات : إنها الأصالة والصدق والجذور والنقاء الثقافي والبراءة والعفوية والتراب والأرض والطبيعة. إنها الوجود الطبيعي الذي لم تلوثه بعد موبقات العصر الثقافية.

إلا أن هذه الخصائص كلها لا تشكل حافزا حقيقيا للتواصل، كما لا تشكل دافعا مقنعا لبناء قواعد هذا التواصل. وهي أيضا غير كافية لاعتمادها كأصل لتحديد المضمون الشعاري للجانب اللفظي داخل المميز. فلكي تستقيم قراءة الجانب اللساني داخل الصورة، نحتاج، بالإضافة إلى كل العناصر السابقة، إلى التركيز على شيء آخر. إن الأمر يتعلق بالغطاء التركيبي الذي يستقيم عبره المعنى ويتشكلن. وبناء عليه، يجب التعامل مع هذا الجانب اللفظي باعتباره مضمونا تركيبيا مبنيا وفق شروط تقود إلى تحديد مضمون مغاير للإرسالية. إنه مضمون آخر غير مرئي بشكل مباشر من خلال إسناد صفة >الشعبي< إلى البنك. إن مضمون هذه الصفة الحقيقي يكمن في كونها شعارا، وهي كذلك >لا من خلال ما تقوله، بل من خلال ما لا تقوله، وهو ما يشكل فعلا بعدها الحقيقي وقدرتها على الإثارة <. (4) وهي شعار لا من حيث وجودها ضمن مميز أعم وأشمل، بل هي كذلك فقط من خلال أداة التعريف -ال- التي تجعل منها كيانا لا يدل من خلال خصائصه الذاتية، بل يدل من خلال ما يوجد خارجه، أي من خلال ما يتناقض مع هذه الخصائص.

وهنا بالذات تكمن سلطته وقوته الضاربة، لأن مضمونه ليس الاستحواذ على صفة، والسير وفق قوانينها، بل يتعلق الأمر بنفي هذه الصفة عن الآخرين : >البنك الشعبي<، إن هذه الصيغة لا تدل في المقام الأول على >شعبية< البنك الشعبي، بل تدل أساسا على عدم وجود أبناك أخرى تتميز بهذه الصفة، إن الأبناك الأخرى ليست شعبية. قد تكون ما تكون ولكنها >ليست من الشعب ولا له<.

وبما أن البنك الشعبي يتميز بهذه الصفة، فإنه لا يرتبط بنشاط بعينه، إنه ليس للتجارة ولا للصناعة ولا للسلف ولا للقرض، إنه للشعب والشعب يحتاج إلى الصناعة والتجارة والسلف والقرض.

إن عمومية التسمية ولبسها هما القوة الحقيقية التي تجعل منه متفتحا على كل شيء، ولكنه ليس مرتبطا بقيمة بذاتها (الوفاء مثلا)، ولا بقطاع بعينه. فالوفاء مثلا لا يشكل وحدة قيمية مميزة بالشكل الكافي، لأنها تسيج نفسها بدائرة قيمية واحدة تستدعي من المؤسسة التزاما وارتباطا ووفاء بعهد ما : إن للمؤسسة وحدها الصلاحية في اقتراح دائرة قيمية تتواصل عبرها مع المستهلك. ولأنها من جهة ثانية، لا تستطيع استيعاب كل القيم التي توجد خارجها، فإنها تكتفي بواحدة منها، أي >الوفاء< التي لا تشكل في الصفة >شعبي< سوى خاصية من الخصائص الكثيرة والمتنوعة التي يتميز بها من اشتقت منه الصفة، أي الشعب.

بهذه الصفة يدخل >البنك الشعبي< إلى مسرح الفعل التجاري. ذلك أن هذه الصفة تشكل صورة مضمونية محددة لمنتوج ما ضمن الموروث المشترك بين العارض والمنتقي (بين المؤسسة وزبنائها). إنها وحدة مضمونية قابلة للتحقق في كل الصفات التي تم ذكرها سابقا. إن هذه القيم تسكن اللغة مثلها مثل القيم الأخرى. إنها في >الشعبي< ومنه تنتقل لتسكن المنتوجات الصغيرة للمؤسسة لتودعها قيما وأخلاقا و>شؤونا صغيرة<. وبهذا تتحول صفة >الشعبي< إلى >رؤية طقوسية< تقود المؤسسة إلى اختراق عالم التجارة البارد والخالي من القيم والعواطف، مدججة بأسلحة القيم التي توفرها صفة الشعبي : الطهارة والصدق والعفوية وماء الحياة وتراب الأرض وصهيل الفرس.

الفرس الذي لا يكف عن الصهيل

إن ما قلناه سابقا عن >الشعبي< لا يكتسب كامل دلالاته إلا في ارتباطه بالصورة المرافقة له (الفرس والدائرة). ورغم أن سلطة اللساني تبدو أقوى من كل العناصر الأخرى، من حيث إنها هي الموجه والمرسي لقاعدة تأويلية ما، فإن الأيقوني، في حالتنا على الأقل، يلعب الدور النقيض لذلك. فالفرس الراكض هو نقطة الوصل بين مجموع الوضعيات التي يحددها الإشهاري انطلاقا من مميز نمطي (logotype) ثابت يحيل بصفة دائمة على عناصر مشتقة منه.

وبناء عليه، فإن الأمر لا يتعلق، كما هو الحال عند مؤسسات أخرى، بتحديد هوية يغيب فيها الرابط الحضاري/الثقافي المباشر بين اللفظي والأيقوني، بل إننا أمام مميز واحد متكامل العناصر يحيل عبر عنصريه اللفظي والأيقوني على عوالم ثقافية واحدة؛ بل إن اللفظي، قبل أن يكون تحديدا لهوية بنك هو تأويل للأيقوني : الفرس والشعب.

فماذا يمثل الفرس عند زبون بنك ما ؟ وما الداعي إلى ربط الفرس بـ >الشعبي< وبالبنك ؟ وماذا يقدمه >الفرس< لبنك يحتاج في حياته التجارية إلى >قيم مالية< لا علاقة لها، ظاهريا على الأقل، بـ >القيم الثقافية< التي يمثلها الفرس؟

ليس من السهل على إنسان تزدحم أمام ناظريه الأشياء بآلاف النسخ من جميع الأحجام والأشكال ويعيش ضمن فضاء محدود الرؤية والامتداد، أن يتبين بسهولة هذا الرمز من ذلك، وأن يميز هذه الصورة عن تلك. وبعبارة أخرى، من الصعب إثارة انتباه شخص ما إلى ظاهرة ما بالاعتماد على أشياء وصور مألوفة لديه. فكان لا بد، من أجل تصميم مميز ما وأخذ هذه الحقيقة في الاعتبار، أن يتم اختيار كيان ما يتناقض في جوهره وفي شكله وفي إحالاته المباشرة وغير المباشرة مع المحيط المباشر للمستهلك. فكان الفرس هو الضالة المنشودة للإشهاري.

وعلى هذا الأساس، ومن زاوية الإدراك البصري المباشر، يقدم الفرس واقعة أيقونية سهلة الادراك والتمثل. إنه من نوع تصويري (logo figuratif )، إنه يقول كل شيء دفعة واحدة بشكل واضح ومباشر دونما اعتماد على شيء آخر. فهو من هذه الزاوية قد يبقى في حدود الاستجابة لوظيفة رمزية مباشرة : يرتبط الفرس في أذهان الناس بالبنك الشعبي. إنه يبدو من بعيد كالنجم في السماء لأنه لا شيء يربطه بمحيطه المباشر و>الفرس نجم معروف لمشاكلته الفرس في صورته< (لسان العرب مادة فرس).

ومن جهة أخرى فإن الفرس يشكل واقعة استفزازية ومثيرة. إن الفرس غريب عن فضاء المدينة، إنه عنصر شاذ داخل عالم يعيش على وقع السيارات والأنوار والضجيج والإسمنت الذي لا قلب له. ضمن هذا العالم يبدو الفرس عنصرا نموذجيا للتمييز ولتوجيه الانظار والإثارة والتعرف على مؤسسة تحمل مميزا خاصا.

إلا أن الغرابة التي يمثلها الفضاء المديني ستستوعبها الإرسالية اللسانية المصاحبة للفرس. إن صفة >الشعبي< ستستعيد عمق وعناصر فضاء آخر : فضاء البراري والصحاري والسهول الممتدة حيث السكينة والانطلاق والرؤية التي لا تحدها العين. وما بين فضاء المدينة والبادية ينتصب البنك الشعبي كحلقة وصل تربط هذا العالم بذاك : >العالم الشعبي<، عالم الفرس والأرض والطين، و>عالم المدينة<، عالم الإسمنت والأنوار والضجيج. إن فكرة الطين والأرض والبادية هي التي تدفعنا الآن إلى تحديد العمق الحضاري والتاريخي للفرس وموقعه داخل هذا التاريخ.

إذا نظرنا إلى الفرس باعتباره وحدة معزولة، أي كيانا غير محدد بوضعية ما، فإنه يشتغل باعتباره وحدة معجمية بذاكرة متنوعة وغنية. وستشكل هذه الذاكرة المدخل الرئيسي للكشف عن دلالات الفرس وعن العوالم التي يثيرها.

إذا كانت كل الكائنات التي رافقت الإنسان في رحلته على الأرض لا تحيل -لفظا وصورة- عل نفسها من حيث الشكل ومن حيث أنماط العيش، بل تحيل على الموقع الذي تحتله داخل العوالم الثقافية التي يعيش فيها وبها الإنسان، فإن تاريخ الفرس مع الإنسان هو تاريخ يتميز بخصوصية نادرة : فهو من جهة ممثل لقسم (بالمفهوم اللساني للكلمة)، إنه الأصل الذي تشتق منه الفروع والأنواع : البغل والحمار والحمار الوحشي والزرافة الخ، فكل عناصر القسم تتحدد عبره ومن خلاله، إنه كامل في الشكل وكامل في الجمال وكامل في طريقة تنقله في الفضاء.

وهو من جهة ثانية، عالم الفروسية وأخلاقها، ومنه اشتقت الفروسية ككون قيمي متميز يحيل على صفات وأفعال وفضاءات : فليس الفارس من يركب الفرس أو يمتلكه، إن الفارس عشق وحب ومغامرة وحرب وسلم وسفر وشق للصحاري وفحولة أيضا (فالراكب لا يمكن إلا أن يحيل على وضع جنسي بشكل صريح أو رمزي). إن >الفروسية< سلسلة من القيم الإيجابية التي تجعل من الرجل >فارسا جوادا شجاعا<.

وهو من جهة ثالثة عنصر بالغ الدلالة والغنى في النصوص الدينية والأسطورية والشعرية والتاريخية. فلقد بوأته حضارات متعددة ( العربية الإسلامية والحضارة اليونانية والهندية والإفريقية ) مكانة هامة في نصوصها المقدسة أو الأسطورية أو الأدبية. فالفرس، كما هو الشأن مع البراق في الإسلام وبيگاس في الأسطورة اليونانية، اعتبر من حيث قدرته على التحول من حيوان يمشي إلى حيوان يطير صلة وصل بين العالم العلوي والعالم السفلي، بين محدودية الأرض وامتدادات السماء في فضاء لا ينتهي عند حد ، إنه الأحلام التي تستطيع الأرض احتواءها. وفي الأسطورة الإفريقية ارتبط الفرس >بإله المطر الذي يجوب السماء راكبا فرسا على شكل نجمة<(5).

فكيف تم استثمار هذا العمق الحضاري التاريخي في تصميم المميز وتحديد صورته النهائية؟ وكيف أمكن للصورة أن تقوم في نفس الآن باستيعاب وتمثل هذا التراث الضخم وإسقاط عناصر حضارة لا تعرف التوقف أو الانبهار بالماضي؟

إن التشكيل البصري لمادة ما، سواء تعلق الأمر بعنصر طبيعي (أشكال المادة الطبيعية التي يعاد تصميمها من خلال فعل الصورة) أو تعلق بالكائنات التي تمنح الصورة حالة من حالاتها (الوضع الذي تظهر به العيون والأيدي والأرجل وكذا مجموع الجسد) هو معنى الصورة وأصل الدلالات داخلها. تلك بديهية في الإدراك البصري، وعلى أساسها يجب البحث عن دلالات ما للصورة.

لقد شكل الفرس في الفقرات السابقة باعتباره وحدة تامة ومعزولة عن تحققها الخاص في الصورة منطلقا للتحليل. ولقد كانت الغاية من ذلك هي تنشيط ذاكرة صورة تمتد جذورها عميقة في التاريخ. ونحتاج الآن للكشف عن دلالات التحقق إلى البحث في وضعة (pose ) الفرس عن الأشياء التي لا تقولها صورة كائن يمتص وجوده الفيزيقي عمق ثقافي متنوع المضامين؛ فالوضعة هي فاتحة التحول من أصل كلي إلى تحقق خاص في المميز (logo).

وبالتأكيد، فإن الفرس في هذا المميز ليس كلمة ولا يمكن أن يكون معادلا لها. إنه شكل أيقوني خاص (هيئة الرأس ووضع الأرجل الأمامية وبقايا الذيل والدائرة واللون). إن دلالاته الخاصة (أي دلالات المميز في واقع الأمر) توجد في الوضعة باعتبارها تجسيدا لأشكال التلاحم بين النسخ المتحققة والأصل الثقافي والحضارى.

يرتبط الفرس في المميز بتوزيع فضائي خاص، أو هو شكل هندسي مقتطع من فضاء أعم وأشمل، ويتعلق الأمر بالدائرة، دائرة بلون الشمس المشرقة أولون الشمس الغاربة. إن عمق النظرة التي تبدو من خلالها الدائرة يجعل منها عنصرا يلوح دائما في الأفق، إنها هناك كالشمس والقمر نجوما في السماء ترعى وجودنا على الأرض وتمنحنا الدفء والضوء وعناصر الحياة. والدائرة كالأرض أيضا، مهد للخصب والعطاء والنمو والحياة، إننا، من خلال هذا التناظر الشكلي أمام عناصر تأسيس الكون ذاته. الكون فضاء هندسي تشكل الدائرة أحد تجلياته المرئية للعين المجردة.

وتحتفظ ذاكرة الرموز للدائرة بوضع خاص، >فهي الكلية غير القابلة

للتجزيء. إن الحركة الدائرية هي حركة مطلقة الكمال، إنها لا تتغير وليس لها بداية وليس لها نهاية، وهو ما يجعل منها رمزا للزمن الذي يتحدد كتتابع مسترسل وثابت للحظات متشابهة< وتشير الدائرة أيضا إلى >النشاط والحركة الدورية ( mouvement cyclique) <(6) ، إنها رمز للإتقان وللخلود واللامتناهي.

إن الدائرة هي فضاء ظهور الفرس، وهي أيضا الفضاء الذي تتم عبره صياغة الوضعة (pose ) التي من خلالها يظهر الفرس ويكتسب كامل دلالاته. إنها فضاء هندسي كامل لا يستطيع >فضاء الملصق< أو الفضاء الخارجي، فضاء الأزقة والشوارع (يثبت المميز عادة في المداخل الرئيسية للوكالات البنكية) أن يستوعبه أو أن يلغي حدوده. ومن هنا كانت الوضعة هي السبيل الذي يسلكه الفرس ليمثل أمامنا باعتباره عنصرا داخل فرجة لا تنتهي.

إن الوضعة تقاس بعلاقتها بفضاء الدائرة وحدودها. إن هذا التحديد الفضائي هو محاولة لكبح جماح دلالات الصورة وربطها بسياق واحد للتدليل : إنه تحديد لهوية مؤسسة، ببعديها البصري والثقافي، وهو ما يؤكده إسم المؤسسة الذي كتب في الامتداد الخطي الطبيعي للفرس والدائرة.

إننا أمام امتداد طبيعي يقود من الأيقوني إلى اللفظي ويحيل اللفظي على الأيقوني. وكما كانت الإرسالية اللغوية مركبة من عنصرين : >البنك< و>الشعبي<، فإن الجانب الأيقوني يشتمل هو الآخر على وحدتين : >الدائرة< و>الفرس<. إن ازدواجية التكوين هي التي ستقود إلى ازدواجية في الامتداد :

– إنه يقوم في مرحلة أولى بنقلنا من >الدائرة< إلى >البنك<، وفي هذه الحالة نقوم بصب >مبادئ الدائرة< داخل نشاط البنك، إنه بنك الإتقان والأفكار المسترسلة، وهو أيضا عالم القيم الكلية التامة، والحركة التي لا تتوقف.

– ويقود هذا الامتداد في مرحلة ثانية، بشكل طبيعي أيضا، من >الفرس< إلى >الشعبي<، وفي هذه الحالة سيقوم المتلقي بالمزج بين >الفرس< و>الشعبي<، أي القيام بربط طبيعي بين عالم إنساني وبين القيم المحددة له : عالم الشعب وقيم الفرس أو قيم الشعب وعالم الفرس. إن السبيل إلى تأسيس الهوية الثقافية للبنك وتحديد امتداده الحضاري في التاريخ وفي القيم وفي الطبيعة الاجتماعية أيضا يتم عبر المزج بين العنصرين. (إن الشعب لا يحيل على ساكنة بلد ما، إنه مفهوم سياسي يحيل على تحديد طبقي يقابل المالكين بغير المالكين).

ومن هذا المنظور أيضا، يمكن النظر إلى الوضعة في جزئياتها الدقيقة. فهذه الوضعة تشير -على الأقل في هذه المرحلة- إلى ثلاث قيم تنتمي إلى سجلات ثقافية مختلفة. تتعلق الأولى بتأويل محدد >لإيماءات جسدية مباشرة <، وتتعلق الثانية بـ >وضع الشكل< الذي يظهر به الفرس الذي يخلق تناظرا مع مرجع غائب سنحدده في الفقرات الآتية، وتتعلق الثالثة بظهور الفرس حرا طليقا بلا فارس ولا راكب ولا لجام أو شكيمة.

1- يمكن أن نطلق على القيمة الأولى : الانطلاق أو الحركة. إن الأمر يتعلق بإخراج صوري يستند إلى تسنين أيقوني ( codification iconique) (إيكو) يقيم علاقة دلالية بين عناصر من الإدراك البصري وبين وحدات تعود إلى السجل اللفظي : القوائم الأمامية للفرس (الأرجل) في حركة ممتدة إلى الأمام تشير إلى أن الفرس في حركة، أو منطلق نحو هدف ما. إن الحركة الذاتية للفرس تشير إلى حركية في القيم التي يمثلها. أما حركته في الفضاء، أي التنقل، فإنها تشير إلى حركية القيم التي تمثلها المؤسسة التي يرمز إليها. إننا أمام قيم متحركة ومتطورة ومتجددة. وتعد هذه القيمة امتدادا وتشخيصا لأحد المبادئ التي تشير إليها الدائرة >بلورة وتطوير النقطة المركزية<. إن كل أشكال الانتظار والترقب تختفي من الملصق/الصورة، لأن الصورة/المميز لا تُؤبد لحظة إلا من أجل تأكيد حركيتها في الفضاء وفي الزمان. وهذا ما يبدو على مستوى تركيب الوحدات الصورية وانتشارها على وجه فضاء الملصق أو فضاء الطبيعة. إن الأمر يتعلق بحركية يكشف عنها موقع الفرس من الدائرة. فهذا الفرس لا يوجد داخلها، إنه يخترقها كما يدل على ذلك الجزء الصغير من ذيل الفرس الذي يوجد في الجانب الأيمن من المميز. وهذا شكل جديد للميز، فلقد كان هذا المميز مصمما بشكل لا يعبر عن القيم التي نناقشها الآن رغم اعتماده على نفس العناصر تقريبا. فلقد مثل شكل دائري مجوف وبدون لون (ما يشبه الدائرة المنشطرة إلى قسمين) في النموذج السابق، الأصل الذي يستوعب كل شيء، ولم يكن الفرس إلا نقطة داخل شكل عديم الهوية لا تواصل بينه وبين فضاء الفعل. ويبدو أن مسؤولي المؤسسة قد استشعروا عدم مطابقة هذا الشكل لمبادئ البنك واحتمال إساءته إلى سمعة المؤسسة فقرروا استبداله بهذا النموذج من خلال إعادة صياغة وتشكيل هذه العناصر.

إن الدائرة الممتلئة غير الدائرة الفارغة. إن الامتلاء اكتفاء بالذات، والفراغ انتظار ماسيأتي. إن الأصل في الامتلاء أنه يعطي ويمنح، والأصل في الفراغ أنه يستقبل ويستجدي. إن الدائرة تقترح قيما ولونها مشتق من الأحمر، والأحمر لون الحياة والأهواء ( passions)، تماما كما هو لون الفرس المائل للأسود لون التراب والطين والأرض. ( انظر النموذج السابق في الصفحة الموالية ):

2 – ووفق المبدأ السابق (التسنين الأيقوني والتسنين اللفظي) تحيل هيئة رأس الفرس على الزهو والانتصار والتحدي والكرامة المحفوظة. إنها صورة مثلى لفرس/فارس تميد الأرض تحت أقدامه وهو يتقدم مزهوا نحو هدف واضح (الفارس مضمر، إنه المؤسسة التي لا تركب الفرس، إنها تتغنى بقيمه). إنها تحيل، بالنفي، على صورة أخرى (مرجع غائب ) لازالت الذاكرة الوطنية لم تنسها بعد. يتذكر الكثيرون تلك الصورة/النصب التي كانت موجودة في قلب الدار البيضاء، وكانت تمثل لأحد جنرالات الاستعمار الفرنسي راكبا صهوة جواد رأسه إلى السماء ويتأمل أحد الأهالي الذي كان يركب فرسا عجفاء مطأطأة الرأس. إنها الكرامة الوطنية تستعاد عبر مميز logo مؤسسة مالية. وتعد هذه القيمة المقابل الأيقوني للصفة اللفظية >شعبي<، إن البنك يأخذ على عاتقه رد الاعتبار لكرامة شعب. (يمكن الإشارة إلى تاريخ ظهور البنك الشعبي).

3- وتعود القيمة الثالثة إلى الفرس أيضا، إنه فرس جموح ومزهو ولا يركبه أحد. إنه طليق >لم يركبه الغزاة الفاتحون< (من قصيدة لأمل دنقل). إن القيم التي يمثلها قيم كونية (أو على الأقل هي قيم عامة) لا تعود لفرد. إنها الهوية الجماعية للمؤسسة ولزبنائها. إننا لا نتحكم في هذه القيم، إنها النبراس الذي تستنير به المؤسسة. ولهذا لا يحق لأحد أن يركب هذا الفرس. إن وجود فارس قد يقلص من حجم الكون الدلالي، لأن هذا الفارس سيتحول إلى وسيط بيننا وبين الفرس، أي بين الزبون وبين المؤسسة، والوسيط الوحيد الذي تعترف به المؤسسة هو القيم وليس القائمين عليها.

فكيف أمكن تنظيم مجموع هذه المعرفة داخل مميز بالغ البساطة في التركيب والتكوين؟ وكيف يمكن لصورة تمتح عناصر تشكلها من سجل ثقافي تمتد جذوره في تاريخ قديم أن تعبر عن قيم عالم مؤسسة لا تعترف إلا بما سيأتي؟ وكيف يمكن أن نجعل من هذه الأشياء البصرية أدوات للتعبير عن قيم مجردة؟ وبعبارة أخرى، كيف يمكن للصورة أن تعبر عن فكرة الأصالة والقيم الحضارية القديمة، وتقوم في الآن نفسه بإسقاط حالة مستقبلية تعبر عن فكرة التقدم والمعاصرة؟

تمتد جذور فكرة الماضي والحاضر والمستقبل في التمثيلات الرمزية التي نتعامل من خلالها مع هذه المقولات. ولعل أولى هذه التمثيلات هي ما يقدمه جسد الإنسان نفسه : فما يوجد خلفه هو الماضي وما يوجد أمامه مباشرة هو الحاضر وما يلوح في الأفق هو المستقبل . > إن الأمر يتعلق برمزية تتداخل فيها العلامات البصرية بالعلامات الإشارية بالعلامات اللسانية، حيث تشكل الكتابة أولى هذه التحديدات المسبقة<. (7)

وبالفعل، فالكتابة تعد أول هذه الحقول الرمزية وأهمها. فاتجاه الكتابة يتحول إلى نقطة استدلالية يتم عبرها تحديد وجهة المستقبل والحاضر والماضي. إن هذه المسألة تأخذ بعدا حضاريا وثقافيا خاصين، إن الاتجاه ليس معطى كونيا، إنه مرتبط في الوجود والاشتغال بالتمثيلات الخاصة بكل مجموعة لغوية أو ثقافية. وفي هذا الإطار، فإن التعبير عن الماضي أو المستقبل- وفقا لرمزية الاتجاه كما يتحدد في الكتابة العربية – يسير في الحالة الأولى من اليمين إلى اليسار ويسير في الحالة الثانية من اليسار إلى اليمين (عكس ما يحدث في اللغة الفرنسية التى يعبر داخل رمزيتها عن المستقبل في الاتجاه يسارا ويعبر عن الماضي في الاتجاه يمينا) :

ـــــــــــــــــــــــــ المستقبل

الماضي ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي هذا الاتجاه، وكما أشرنا إلى ذلك آنفا، فإن جسد الإنسان في ذاته، أي من خلال وضعية أصلية ذات طابع نفعي، يشكل أداة تسهم في إعطاء صياغة أيقونية لهذه المقولات. وبناء عليه، ووفق التصور السابق، فإن >نظرة< الإنسان المدرجة ضمن فضاء متخيل للكتابة، تصبح هي الأداة الرئيسة لتحديد كنه المضامين الزمنية المتمفصلة في مقولات الماضي والحاضر والمستقبل.

ومن هنا، إذا أخذنا التشكيل الفضائي السابق في الاعتبار، فإن الدائرة ستشكل فضاء التحديد الزمني، وسيكون الفرس هو الشخصية التي يتم عبرها التعبير عن الماضي أو المستقبل أو الحاضر.

إن المتأمل للمميز الذي نحن بصدد قراءته، يلاحظ بسهولة هذا التتابع في الصورة. إنه تتابع تتبناه -بشكل واع أو لا واع- العين التي تقوم بفك رموز التشكيل الفضائي الذي يحتوي الأشياء المتحركة داخله. فإذا كنا نتبنى وجهة محددة لتَبَيُّن خطوات الفرس في الفضاء(فضاء الدائرة) وخطوات القراءة في الزمن (الخطية)، فإن الانطلاق من اليمين إلى اليسار هو الشكل المنطقي الذي يستند إليه الإدراك البصري للولوج إلى عالم الصورة.

إن الدائرة هي الفضاء الذي تقاس عبره الحركة ووجهتها، والفرس هنا لا يخترق الدائرة. إن حركته تبرز من خلال وجود الدائرة الثابتة التي تحدد لهذه الحركة مضمونها الزمني. إن الفرس يسير إلى الأمام، أي من >اليمين إلى اليسار<، إنه يسير بخطى مزهوة نحو المستقبل، نحو نقطة تلوح في الأفق، ونحو هدف لا يوجد إلا فيما سيأتي. إنه لا ينتظر، فهو يسابق الزمن ليلتحم أكثر فأكثر بالمستقبل الذي يمثله، كما يبدو ذلك في الملصق، صيغة : البنك الشعبي (فكل الملصقات التي تصدرها هذه المؤسسة تضع هذه الصيغة في الجهة التي يتوجه إليها الفرس، أي الجهة اليمنى).

ولعل هذا ما يجعل من هذا المميز البنكي مميزا زمنيا بامتياز. إن عناصر الفضاء كلها تسير في اتجاه تحديد المضامين الزمنية المتنوعة. وكثافة الزمن هذه لا تفسرها سوى الرغبة في التواصل مع كل الأزمنة، الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما يؤكده انتشار الفرس على وجه الدائرة : إن جذور الفرس في الماضي كما يدل على ذلك الجزء الصغير من ذيل الفرس الذي يوجد في الجانب الأيمن من الدائرة، وأحلامه تمتد في المستقبل كما يدل على ذلك انتصاب القوائم الأمامية والرأس خارج الدائرة في اتجاه اليسار، وارتباطه وثيق بالحاضر كما يدل على ذلك الجزء الأوسط منه الذي تستوعبه الدائرة. إن فضاء التحديد الأصلي -الدائرة- هو فضاءالتواصل بين الماضي والمستقبل. فعلى أساس موقع الدائرة من الفرس تتحدد >المناطق التي يجب اكتساحها<، وهي مناطق موجودة في المستقبل أي في اتجاه اليسار.

إن نمط هذا الانتشار وشكل مثول الفرس على الدائرة يحولان المميز إلى فرجة مكتفية بذاتها. وبالفعل، فإن طبيعة الوضعة تجعل من المشهد في كليته خارج الذات المبصرة، أي خارج ذات المتلقي المحتمل. إن المشهد يفلت من سلطة العين التي تراقب ويقع خارج انفعالاتها ورغبتها، إنه محدد من خلال وضعة جانبية تضفي عليه طابع الحياد والموضوعية : إن العيون التي تتوسل أو تستجدي أو تتحدى أو تستفز أو تحذر غائبة من المشهد. إن الفرس رمز، ورمز فحسب، إن انفعالاته انفعالات حضارية وليست ردة فعل على موقف بعينه. إنه رسم، ومثل جميع الرسوم فإنه لا يعيد إنتاج إلا ما هو مميز على مستوى بناء الهيكل الشكلي. ولعل هذا ما يفسر التركيز على بعض الأعضاء دون غيرها : فالقوائم (الأرجل) هي المدخل الرئيسي نحو تحديد معادلات لفظية كالركض أو الوقوف أو الانطلاق. أما العيون أو الشعر فتلك عناصر غائبة لأنها لا تقدم، في سياقنا الحالي، أية قيمة دلالية إضافية. من هنا، فإن التأثير الذي تحدثه الوضعة مرده انغراس الفرس في تربة ثقافية عميقة الجذور، يصبح على إثرها انسياب الصورة/الرسم أمام الأعين انسيابا لعوالم دلالية لا تنتهي.

وخلاف الوضعة الخلفية التي تدل على التخلي والمواجهة الفردية للمصير، وكذلك خلاف الوضعة المواجهة التي تدل على التحدي أو الاستفزاز أوالدعوة للمشاركة، فإن الوضعة الجانبية تدل على الحياد أولا، وتدل على الانخراط في زمن غير مرئي ثانيا. إن الوضعة الجانبية تمسك بزمام النظرة وتدرجها ضمن فعل بصري طولي لا يتوقف عند نقطة بعينها، بل يندرج ضمن الحركة التي تدل عليها الوضعة. إنه يطلق العنان لنظرة لا تتوقف عند حد فضائي بعينه، بل تهوي إلى سياقات الثقافة والتاريخ والإيديولوجيا، وعبرها ينخرط المشاهد في حركة الفرس الممتدة في فضاء يقطعه هذا الفرس من اليمين إلى اليسار في اتجاه نقطة تلوح في الأفق.

——————————–

الهوامش

1 – FRESNAULT- DERUELLE ( Pierre ) : L’Eloquence des images – images fixes III, P U F , 1993 , p. 103

2- انظر FLOCH , Jean- Marie: Sémiotique , marketing et communication – sous les stratégies , les signes pp. 74-75

3- تتحدد المادة في علاقتها بالشكل ، باعتبارها “الكتلة الفكرية العديمة الشكل ” ، إننا لا ندرك الجوهر الدلالي للاوقعة أو الوحدة المعجمية بل ندرك نسخا بادية من خلال سياقات التحقق. إن ما يخبر عن ” القامة ” ليس مضمونا يوجد خارج أي تحقق بل الموحدات المنتمية إلى مضمون غير مرئي من خلال ذلته . وهكذا ، فإن ” فالقامة” تتحدد من خلال : الطول – القصر ، للتوسع انظر Loius Hjelmslev : Prolégomènes à une théorie du langage , Ed Minuit 1968

4- REBOUL , Olivier : Le Slogan , éd Complexes , Bruxelles p. 10

5 – CHEVALIER ( Jean) , GHEERBRANT ( Alain) : Dictionnaire des symboles R Laffont / Jupiter , 1982 : article cheval

6- نفسه : cercle

7- FRESNAULT- DERUELLE ( Pierre ) : L’Eloquence des images . op cit 104