الكتابة بالجسد

رشيدة بنمسعود – كلية الآداب – فاس

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة تيمة الجسد في كليته وتفاصيله من خلال السرد النسائي (القصة القصيرة نموذجا) عبر تمظهراته المختلفة التي يمكننا تحديدها في تصورين أساسيين :

1- الجسد الفيزيقي

2- الجسد الإيحائي أو الجسد/الاستعارة

إن دراسة المعجم >الجسدي< من خلال نسيج النص القصصي >حين تساقط الثلج<(1) الذي يمثل المتن الذي تعتمده هذه المقاربة، تكشف لنا عن تواتر الإحالات على أعضاء جسدية. وعملية جرد سريعة تؤكد لنا أن هناك رغبة إرادية واستراتيجية هادفة تجسدها الكاتبة ليلى بعلبكي من خلال فعل الكتابة بالتركيز على ذكر أعضاء جسدية معينة تتحدد في مجموعات إسمية نتبنى عند الحديث عنها تقسيم الجغرافية الجسدية كما جاء بها الكاتب مالك شبل في كتابه(Le Corps dans la tradition au Maghreb). إذ نجده يعمد إلى تجزيء وتفكيك الجسد إلى وحدات ثلاث تجسد التصور العمودي التراتبي للجسد وهي: 1 – الرأس، 2 – الجذع والجوف ويضم الأعضاء الداخلية والخارجية والجهاز التناسلي ، 3 – الأطراف.

إن هذا التقسيم العمودي للجسد يعكس سلمية اجتماعية، حيث نلاحظ أن الجزء الأعلى من الجسد (الرأس) يعتبر بمثابة >رأسمال< جسدي، بينما الجزء التحتي منه خاصة المنطقة التي تمتد من السرة إلى الركبتين فإنه يرمز إلى ما هو محرم ومدنس.

الجسد الفيزيقي

تبتدئ قصة >حين تساقط الثلج< بالتقاط لحظة هاربة لرجل وامرأة يلفهما دفء السرير كمكان حميمي تتيح للقارئ فرصة الانصات إلى لغة جسدية من خلال الحوار الذي يؤلف بين جسدين وتؤثث لغته الخاصة ألفاظ مثل : الذراع – الصدر – الشعر- الأجفان – الوجنتان – الأذن- القدمان- اليد – الفخذ.

– >وغمغم في المخدة يسألني : لماذا انتزعت قدمي من تحت قدمه ومد ذراعه يفتش عن طرف الغطاء وتزحلقت يده عن فخذي إلى قدمي فحاصرتهما<.(القصة ص. 68).

– >حبيني أكثر… حبيني، ولف رقبتي وشدني إليه فغرق وجهي في شعر صدره، حبيني… تنفسه ينهمر في عروقي<.(القصة ص.76)

إن الجسد في هذه القصة يمثل أداة تواصل وتعبير عن أحاسيس ومواقف البطلين تجاه بعضهما البعض، إذ أنه يلعب دورا وظيفيا في التعبير عن حب الآخر الذي يختزل في الحركة : >فنهضت وركضت أشبك ذراعي حول صدره أنبهه إلى أني لا أستطيع أن أفقده فهو الرجل الوحيد الذي أعرفه في المدينة وفي العالم كله<.(القصة ص. 75)

وفي غمرة التعبير عن حب إنساني بلغة جسدية ألفاظها >الرقبة<، >الذراع<، >اليد<، إلخ.، يأتي الحلم الذي تختزله القصة في جملة : >لا، لا إنه ميت وأنا بهاتين العينين رأيته يسقط ويموت في عاصفة ثلجية في الجبال< (القصة ص. 70)، التي تعتبر الجملة المفتاح واللازمة التي تكرر ذكرها 6 مرات : مرتين في ص. 68 ثم في صفحات 69 و 70 و76 و78، ليمثل اللحظة الدرامية التي تهدد حوار الجسدين بالتوقف والتلاشي.

وتعتبر الحركة الجسدية رسالة للآخر تتضمن موقفه من الحدث >السفر< الذي يدور حوله حوار البطلين. فذات صباح، فجأة يقرر الرجل (لا يحمل أي إسم) السفر في رحلة إلى الجبال. قراره المفاجئ هذا سيحرك في البطلة (التي لا تحمل بدورها أي إسم) الحنين لرؤية أشجار التين. لكن جوابه القطعي >لن تذهبي< (ص. 74) جاء ليقمع شوقها لرحلة إلى الجبل. وأمام إصرار البطل على السفر وحيدا نجد أن البطلة تعبر عن رفضها لموقفه هذا بكلام يستمد فعاليته وقوته من عنف وحرارة حركية جسدها :

إذن، إذن، الرجل الآن مسافر. هذه بوابة جديدة للسيد. انتصبت في السرير ورفعت الشرشف إلى عنقي، وزغت وأنا خرساء أتتبع دورانه في البيت، يعد حقيبة صغيرة واغمضت عيني وأشعلت سيجارة. وعضضت شفتي وجاء صوتي خافتا متقطعا وأنا أحاول الصراخ، فبلعت ريقي وانهيت حرق السيجارة ثم عصرت أصابعي…(القصة ص. 70).

وهكذا نجد أن كل حركة جسدية في القصة >حين تساقط الثلج< لها دلالة محددة بعيدة كل البعد عن المجانية والتلقائية. فحركة سحب الذراع عن الصدر أو التقبيل باعتباره لحظة دفء حميمية تمثل بالنسبة للبطلة توقيتا محددا كالاستيقاظ من النوم مثلا : > فأنا أستيقظ عادة عندما يسحب ذراعه عن صدري، وفي الساعة التاسعة تماما< (القصة ص. 70) >وقبل أذني بعجالة، ولملم جسده وجلس على حافة السرير<(القصة ص. 69).

وأحيانا يفوق التعبير بالحركة الجسدية بلاغة الكلام. فأمام غضب البطلة واحتجاجها على سفر البطل لوحده يأتي رد هذا الأخير عبارة عن حركة معبرة بصمت عن أنانية وثقة الآخر (الرجل) في نفسه : >وارتميت على الأرض أضرب رأسي بالبلاط(…) ولكنه ضحك ورفع الحقيبة ومشى صوب الباب، ونزع قدميه بتأفف وأكمل سيره نحو الباب <(القصة ص. ص. 74-75).

وفي الجبل ترك البطل رفاقه في الكوخ وخرج وحده قاصدا قمة الجبل فعاقت سيره رداءة الطقس (الرعد، المطر، الرياح)، ورغم ذلك قرر عدم العودة ومتابعة السير، لكن الثلوج داهمته حتى دفنته بالتدريج عضوا عضوا بدءا من القدمين وصولا إلى الركبتين والأصابع : >دفن الثلج قدميه، ثم ركبتيه، استلقى على ظهره وشد قدميه< (القصة ص. 77).

ففي صراعه مع الطبيعة يعيش الجسد لحظات دامية يتنازعه الموت والحياة، ومقاومة البطل للثلوج التي تهدده دلالة على تشبثه بالحياة وحبه لجسده الذي لا يريد له الفناء : >ونزع قدميه من الحفرة ونادى الرفاق< (القصة ص. 78). وأمام خطر الموت الذي يهدده حاول البطل طلب النجدة والاستغاثة بأصدقائه لكن صرخاته كانت تسقط ثلجا وصقيعا على سطح الكوخ : >وحملت الرياح الاستغاثة واسقطتها ثلجا على سطح الكوخ< (القصة ص. 78).

من خلال هذه القراءة نخلص إلى القول بأن المركبات الإسمية المنتسبة إلى المعجم الجسدي قد ورد ذكرها مائة وعشرين مرة في قصة >حين تساقط الثلج< التي لا يتجاوز عدد صفحاتها إحدى عشرة صفحة، أي بنسبة تزيد عن 10مرات في الصفحة الواحدة. وفيما يلي جدول إحصائي للقاموس الجسدي كما ورد في قصة >حين تساقط الثلج < : الجسد : 4 مرات

الرأس

مكوناته الإسمية الواردة في المتن القصصي هي : الرأس : 6 مرات الوجه : 8 مرات، الأجفان : مرة واحدة، الشعر : 5 مرات. الوجتنان : مرة واحدة، الأذن : 3 مرات، العينان : 6 مرات، الشفتان : مرتين، الأنف : مرة واحدة، الحاجبان : مرة واحدة، الفم : مرتين، الجبهة : مرتين، الذقن : مرة واحدة، الأسنان : مرتين،

الجذع والجوف

الصدر : 6 مرات، الرقبة : مرتين، الكتف : ثلاث مرات، العنق : مرتين، الظهر : 7 مرات، البطن : مرة واحدة، النهد : مرة واحدة

الأطراف

الذراع : 5 مرات، القدم : 12 مرة، اليد : 12مرة، الفخذ : مرة واحدة، الأصابع : 5 مرات، الركبة : 3 مرات، الأظافر : مرتين، الراحة : مرة واحدة.

اعتمادا على هذا الجرد نلاحظ أن الجسد بمكوناته الإسمية الدالة على تضاريسه المورفولوجية، يتميز بحضور مهيمن ومكثف في قصة >حين تساقط الثلج< لليلى بعلبكي؛ الشيء الذي يدفعنا إلى التساؤل عن الخلفية المعرفية والجمالية التي تؤطر تواتره عبر الصور الأسلوبية والصيغ التركيبية التي تؤثث إيقاع الجسد داخل المغامرة السردية.

الجسد/ الاستعارة

تتحدد العلاقة بين الأنا والآخر في قصة >حين تساقط الثلج< من خلال حوار جسدين عبر رصد أوضاعهما المختلفة في حركيتهما وعلى ضوء تجربة جسدية واحدة تتمثل في الممارسة الجنسية التي يمكن القبض على تمظهراتها من خلال عملية جرد للملفوظات السردية التي نحصرها في ملفوظين أساسيين هما :

1- >تمدد على ظهره وغاصت يده تحت الشرشف تنتشل يدي وترميها على صدره، ثم تذهب في رحلة حول البطن< (ص. 72).

2- >لحس أذني ثم شفتي، حام فوقي ثم ارتمى وهمس أنه ملتذ وأنني طرية ناعمة مخيفة وأنه افتقدني كثيرا< (ص. 74).

إذا تأملنا هذين المشهدين السرديين بعيدا عن كل قراءة سطحية إسقاطية للبعد الأخلاقي على النص، متناسية الطبيعة النوعية الخاصة به باعتباره عملا إبداعيا متخيلا وليس استنساخا مرئيا للواقع، سنجد الدلالة الثانية تتيح لنا قراءة هذين الملفوظين من زاوية أخرى تتمثل أساسا في كون الكاتبة كانت تسعى إلى تأسيس خطاب مغاير يرفع من قيمة الذات ويرد الاعتبار للجسد في إطار سياق سوسيو-معرفي ينزاح عن صورة الجسد الذي تم إقصاؤه داخل الثنائية التقليدية الروح/الجسد.

إن الكاتبة ليلى بعلبكي كتبت مجموعتها القصصية >سفينة حنان إلى القمر< أثناء إقامتها في باريس في مرحلة كانت تعيش فيها فرنسا مخاض أحداث 1968 التي تعتبرالشعار الذي رفعته سيمون دوبوفوار، >هذا الجسد جسدنا ونحن نريد أن نسكنه بحق ونتصرف به بحرية<، من أهم الشعارات المحددة لأفق هذه الأحداث خاصة بالنسبة لفئةالنساء.

تحت تأثير هذا المناخ الثقافي العام، كتبت ليلى بعلبكي مجموعتها القصصية. غير أن صدورها في لبنان في مرحلة زمنية تتسم بغلبة الفكر القومي البعثي والإيديولوجيات الشمولية التي تلغي الحق في الاختلاف جعلها تعيش اغترابا إبداعيا وثقافيا نظرا لغياب الشروط الفعلية التي تقر الحق في الاختلاف داخل الائتلاف.

فالجو العام في بلد مثل لبنان آنذاك لم يكن مهيئا لاحتضان كتابة من هذا النوع خاصة إذا كانت صادرة عن امرأة. بل حتى المشهد الثقافي نفسه لم يكن قادرا على تبني كتابة مغايرة تطالب بحقها في الاختلاف.

لهذه الأسباب كلها وتحت ضغط الذهنية الثقافة السلطوية السائدة قدمت ليلى بعلبكي إلى المحاكمة (4) بتهمة المس بالأخلاق العامة اعتمادا على ما ورد في المشهدين السرديين المذكورين.

وإذا وضعنا هذين المشهدين اللذين يمثلان صك الاتهام ضد الكاتبة داخل المشهد الثقافي العربي تاريخيا، سنجد أن موروثنا من الشعر الجاهلي يزخر بحضور الجسد الأنثوي الذي يمثل المنطلق والغاية، وتحكمه ثنائية الجسد الفاعل (الرجل)/الجسد المفعول به (المرأة).

هذه الظاهرة لا تنحصر في الشعر الجاهلي، بل إننا قد نجد امتدادا لها في الشعر العباسي والأندلسي وغيرهما، لكن الغاية من إدراجها والتعرض لها تكمن تحديدا في أننا لم نسمع تاريخيا أن شاعرا أو كاتبا قد قدم إلى المحاكمة لأنه كتب عبارة واصفة للجنس، وإلا لكان امرؤ القيس أول من صدرت في حقه أشد العقوبات أليس هو القائل

ومثلك حبلى قد طرقت ومرضــع فألهيتها عن ذي تمائم محول

إذا ما بكى من خلفها انصرفت له بشق وتحتي شقها لم يحـول

بمعنى آخر، يمكننا أن نعتبر خطاب الكاتبة ليلى بعلبكي عن الجسد مجرد امتداد لتقليد أدبي ليس غريبا عن التراث العربي لكن المفارقة التي تثير الانتباه تتمثل في أن فعل المراقبة والحجز والمحاكمة الذي عرفه الفكر المستنير خصوصا عندما يتعلق الأمر بفئة الرجال لم يكن بسبب كتاباتهم عن الجسد، بل نجد أن المحاكمات الأدبية التي طالت مفكرين أمثال مصطفى عبد الرازق بسبب كتابه : >الإسلام وأصول الحكم<، وطه حسين من خلال كتابه >في الشعرالجاهلي< وغيرهما كانت بسبب خوضهم في القضايا الكبرى والأسئلةالأساسية : دينية ومعرفية وفلسفية. لكن عندما يتعلق الأمر بالمرأة، فإن التحريم والمنع والخطوط الحمراء تنتصب أمامها بمجرد ما تحاول الانفتاح فقط على جسدها محاولة الحكي عن علاقتها بالآخر أو كتابة حوار جسدها مع الجسد الذي يختلف عنها، لأنها بذلك تنفتح على المحرم والطابو والمقدس بدلا من أن تبقى مجرد ذات ملاحظة.

فإذا عدنا إلى المشهدين (صك الاتهام) لنتأمل الطبيعة التركيبية للمكون الإسنادي سنجده يتكون من الأفعال التالية : تمدد، لحس، حام، ارتمى، همس، افتقد، وهي أفعال منسوبة إلى البطل (الرجل) وأفعال أخرى مثل : غاصت، تنتشل، ترميها، تذهب، مسندة إلى عضو من أعضاء الجسد الذكوري (اليد). بهذا يحقق البطل (الرجل) حضور جسده الفاعل انسجاما مع الثقافة السائدة التي تنسب للجسد الذكري كل ما هو فوقي وفاعل كرمز للقوامة والسلطة تجاه الجسد الأنثوي المقهور والدوني كدلالة على كل ما هو تحتي وسلبي. هكذا تكون الكاتبة قد التقطت بذكاء إبداعي نوعية العلاقة غير المتكافئة بين الجسدين(الرجل والمرأة).

إن الدلالة الوظيفية للكتابة بالجسد في قصة >حين تساقط الثلج< بعيدة كل البعد عن الإثارة الجنسية التي استندت إليها المحكمة في إدانة ليلى بعلبكي. بل بالعكس، إنها تعكس تحولا اجتماعيا ثقافيا وتطورا نوعيا في الوعي الإبداعي بدور الجسد ومفهوم العلاقة به. كما أن الصور الجسدية التي تقدمها لنا القصة ليست صورا شهوانية ساقطة بقدر ما هي صور إنسانية، معيشة وثقافية تهدف إلى التعامل مع الجسد كوسيلة للتحرر وأداة للحوار، فلكل فرد -امرأة كان أم رجلا- الحق في أن يمتلك جسده.

في هذا السياق جاءت قصة >حين تساقط الثلج< احتفالا واحتفاء بالعلاقة الإنسانية عبر الجسد الممجد والمحرر من كل قمع ثقافي وأخلاقي.

والكاتبة ليلى بعلبكي بانزياحها عن أشكال الكتابة السائدة، كانت تؤسس شكلا من الانفتاح على الآخر والمغايرة التي أصابت أفق انتظار القارئ بخيبة أمل. هذا القارئ الذي لم تسعفه الشروط المعرفية المهيمنة في تلك المرحلة لاستيعاب جمالية هذه الخيبة، الشيء الذي جعل من ريادة ليلى بعلبكي للكتابة بالجسد ريادة يتيمة ومغتربة.

—————————————–

الهوامش

1- قصة >حين تساقط الثلج< مأخوذة من المجموعة القصصية >سفينة حنان إلى القمر< التي صدرت للكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي عن المكتب التجاري للطباعة والتوزيع والنشر في أيلول 1964، وتضم المجموعة القصصية 13 قصة قصيرة تنسحب على 214 صفحة من القطع الصغير، وتأتي قصة >حين تساقط الثلج< في الرتبة الرابعة لتمتد على 11 صفحة من ص. 67 الى ص. 78.

2- Malek Chebel, Le Corps dans la tradition au Maghreb, éd. PUF, p. 37

3- انظر مجلة >المنار< عدد 32 غشت 1987 ص. 108

4- قدمت الأديبة اللبنانية للمحاكمة بتاريخ 15 حزيران 1964 بتهمة

التعابير الواردة في مجموعتها القصصية >سفينة حنان الى القمر< التي تمت مصادرتها. ولقد انتهت المحاكمة التي دامت شهرين إلى إيقاف الحكم الصادر في حق المدعى عليها ورفع قرار المصادرة بتاريخ 23 تموز 1964. ولق د كان الحكم الأول الصادر في حق الكاتبة هو الحبس من شهرين إلى ستة أشهر وغ رامة من 10 إلى 100 ليرة. وتعتبر محاكمة ليالى بعلبكي دعوى أولى من نوعها في تاريخ القضاء والأدب في لبنان.