الإيديولوجية في الرواية بشأن الوضع النظري والمنهجي لمفهوم “المسكوت عنه”

عبد الجليل الأزدي – كلية الآداب – مراكش

أجمع النقد الروائي بتوجهاته المختلفة على أن عملية الإنتاج الروائي، إنتاج المعنى حصرا، أو ما يسمى التدلال في بعض اللغات الواصفة، تستصحب أبدا بالاختيار والانتقاء والإقصاء؛ فالكاتب الذي يستعمل دليلا Signe يتجاهل آخر ويقصيه، ولا يبوح خطابه بنواياه وأفكاره المسبقة، وإنما يتكتم عنها ويضمرها. ومن ثم يمكن العثور في كل نص روائي على لاشعور مجتمعي. وهذا الذي حصل الإجماع بشأنه صيغ بمقولات عديدة : لا شعور النص، الحذف، الإضمار، البياض، المسكوت عنه، اللامفكر فيه، مكبوت الخطاب، ما بين السطور، إلخ. غير أن اختلاف هذه الصيغ لا يحجب القاسم المشترك بينها : إذ تومئ برمتها إلى شيء متواري خلف السطح الظاهري للخطاب الروائي. وعليه، فإن الناقد الذي يتصدى لقراءة هذا الخطاب مطالب بالتحول إلى أركيولوجي يستكشف الغائب ويستجلي المختفي الراسب.

ويكشف شيوع هذه المقولات وذيوعها في لغة النقد تميز المكانة التي منحت لها لدرجة صارت معها >مهيمنة< (La dominante) اللغة الواصفة في سلم الجهاز المفهومي لمعظم التوجهات النقدية؛ بل أكثر من ذلك، شكلت منطلق وأفق جميع الخطابات النقدية، وضمنها الخطاب النقدي العربي في ساحاته المختلفة.

استعمل النقد الروائي الغربي المقولات الدالة على المسكوت عنه استعمالا متداخلا وغير واضح بما فيه الكفاية، أو لا يصل إلى الوضوح الضروري المطلوب، إذ تتدانى وتتراص وتتجاور داخل النص الواحد، وهو ما يومئ إلى استحالة الفصل بينها أو تمييزها عن بعضها. وهكذا يمكن أن نقرأ في كتاب >التحليل النفسي والأدب<، مثلا، ما يلي : >أن نقرأ بمنظار فرويدي، معناه أن نقرأ داخل العمل الأدبي -بصفته نشاطا إنسانيا وبصفته نتيجة لهذا النشاط- ما يقوله دون أن يظهره لأنه يجهله، أي قراءة ما يضمر عبر ما يظهر< (1)

ويذهب بيير ماشري إلى طرح قريب من هذا، لكن ضمن استراتيجية مغايرة، هي الاستراتيجية الفاعلة في كتاب >السبيل إلى نظرية في الإنتاج الأدبي< والموجهة له، التي يمكن التماس مقدماتها في مقدمات لينين بشأن لييف تولسطوي :

إن العمل الأدبي لا يرتبط بالإيديولوجية عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله. فنحن لا نشعر بوجود الإيديولوجية في النص إلا من خلال جوانبه الصامتة الدالة، أي نشعر بها في فجوات النص وأبعاده الغائبة. هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد ليجعلها تتكلم. فالنص قد يحرم -إيديولوجيا- من قول أشياء معينة، ويجد المؤلف نفسه مضطرا للكشف عن حدود الإيديولوجيا التي يكتب منها، مضطرا للكشف عن ثغراتها وصوامتها، أي الكشف عما هو غير قابل لأن يقال، وما دام النص يحتوي هذه الثغرات والصوامت فإنه يظل غير متكامل. وبدل أن يكشف عن وحدة شاملة متجانسة، فإنه يكشف عن صراع المعاني وتضاربها داخله. ولذلك تكمن دلالة العمل في الخلاف بين معانيه، أكثر مما تكمن في الوحدة بين هذه ا لمعاني (2)

ومثلما حضر مفهوم المسكوت عنه في المنظورين النفساني والسوسيولوجي، فقد اشتغل كذلك ضمن الأجهزة المفهومية للنقد الموضوعاتي Thématique والنقد الاجتماعيLa Sociocritique وعلم الأدلة ونظرية التلقي. هكذا نجد جان بيير ريشار، وهو من خيرة ممثلي النقد الموضوعاتي، يحاول أن يجد في العمل الأدبي >معنى ساذجا وضمنيا<، >لغة تحتية< مطابقة للعمل الذي يهيئ بناء الفكر داخل اللاشعور، وهو لا يريد وصف محتوى الفكر، بقدر ما يطمح إلى الإمساك بمبدإ وحدته، واستيعاب الفعل الخلاق نفسه، إذ يبدو العمل الأدبي لا بصفته حدثا، بل بصفته بنية كاشفة عن شخصية المبدع (3). وفي إطار النقد الاجتماعي أخذ مفهوم المسكوت عنه معنى اللاشعور الاجتماعي للنص. وهو ما عبر عنه كلود دوشيه في معرض حديثه عن مشاكل هذا الاتجاه النقدي وآفاقه : >داخل العمل الأدبي وداخل اللغة، يسائل النقد الاجتماعي ماهو ضمني، المسبقات، المسكوت عنه أو اللامفكر فيه، الصمت، ويصوغ فرضية اللاشعور الاجتماعي للنص. وهو ينحو هذا النحو للدخول في إشكالية المتخيل <(4).

وبالنسبة لنظرية التلقي وعلم الأدلة Sémiologie صيغ مفهوم المسكوت عنه بمعنى الكمون : فالأولى اشتغلت بمصطلحات مثل القارئ الضمني وتجسيد النص بصورة كافية أو غير كافية، وهي مصطلحات تومئ إلى وجود معنى كامن في الخطاب الأدبي، يتعين على الناقد كشفه وتحليله. أما علم الأدلة الذي اهتم بالأدب، فقد شيد منظوره على أساس العلاقة الثلاثية : مرسل – شفرة – مستقبل، التي يكون فيها الأخير ملزما بحل شفرة النصا. ومن الأكيد أن هذه العلاقة تشير بدورها إلى أن مدار الاهتمام هو إبراز الكامن واستنطاق الصامت.

أما النقد العربي، فقد عمل من جهته على استثمار مفهوم المسكوت عنه بتنويعاته، وبكيفية لا تخلو من اللبس والغموض مثلما الأمر في النقد الغربي. وسيكتفى للتمثيل بأربعة نماذج : أولها يستوحي الماركسية وعلم اجتماع الرواية، وثانيها يستلهم الدلائليات وثالثها يزاوج بين الماركسية والتحليل النفسي، والرابع يصالح بين البنيوية والماركسية. يقول الناقد الجزائري عمار بلحسن :

إن الأدب والتاريخ والزمن والعلاقات الاجتماعية تشكل جميعا وحدة متناقضة وديناميكية معقدة، ذلك أن علاقة الأدب بالإيديولوجيا تظهر في كونه خطابا أنتج تحت تأثيرها، وفي كونه هو الآخر ينتج آثارا إيديولوجية، لذا فالإيديولوجيا العامة تبدو مضمرة مخفية في النص الذي تكشفه القراءة، ومن ثم تكشف إيديولوجيته التي تصبح صريحة (5).

ويؤكد الناقد المغربي محمد مفتاح أن : >قضية المنطوق والمسكوت عنه، فإن أي نص لا يمكن أن يقدم لك كل شيءعلى صفحة بل لابد من وجود مضمرات، هذه المضمرات التي يمكن أن تكتشف أحيانا بسهولة، ويمكن إعمال الذهن أحيانا لاكتشافها < (6).

وقريب من هذا ما طرحه الناقد السوري جورج طرابشي عند تحديده لمهمة النقد ضمن منظور فرويدي مطعم بشيء من الماركسية، وهو المنظور المتحكم بكتاب الأدب من الداخل (7):

ومهمة الناقد أو إحدى مهامه على الأقل، أن يميط اللثام عن الإيديولوجيا السافرة أو الباطنة التي يحملها كل عمل أدبي بين طياته، لكن هذا الكشف يجب أن يأتي من داخل العمل الأدبي وليس عن طريق منهج خارجي جاهز ومسبق. فالمطلوب هو فتح القفل لاخلعه. وهذا ما رمينا إليه حين جمعنا هذه الدراسات تحت عنوان الأدب من الداخل.

ورأي يمنى العيد من رأي جورج طرابيشي، لكن ضمن منظور يصالح بين البنيوية والماركسية، فهي ترى أن الوصول إلى النقد مشروط بالقدرة على استكشاف ما يقدمه العمل الأدبي دون أن يقوله أو يقصد إليه :

الاستكشاف إظهار الخفي من النص الذي قد لا يكون الكاتب قصد إليه أو عناه. إنه وعيه المحدد بموقعه الاجتماعي والذي يحدد منظوره إلى الأمور(…) وهذا الوعي ليس بالضرورة حاضرا في ذهن صاحبه وإن كان متجليا بالضرورة في كل أثر ينتجه (8).

مجمل الاصطلاحات التي تشير إلى الإيديولوجية بصفتها مسكوتا عنه، تنهض بينها علاقات تشابه معنوي، وهو ما لايعني استحالة التمييز بينها. لكن يلاحظ في جل الشواهد السابقة أنها تطابق بين معانيها المتعددة، وتضعها متجاورة متتابعة بكيفية غريبة التلفيق (يتبدى ذلك ناصعا في نص كلود دوشيه). وهو ما يشي بلبس هذه الاصطلاحات وغموض إطاراتها المرجعية.

ولما كان هناك إقرار جماعي بحضور الإيديولوجية في الفجوات الصامتة للنص الروائي، فيجب الإقرار كذلك بأن ثنائية المنطوق/ المسكوت، الظاهر/الباطن، تقود النقد -بصفته نشاطا معرفيا يشتغل على موضوع محدد لإنتاج معرفة به -إلى مقايسة موضوعه على >حقيقة< موجودة سلفا (نموذج نظري، الشروط التاريخية، حياة الكاتب، الوعي الطبقي، ميثاق أسلوبي أو بلاغي، السياق النصي…) يقوم بتغييبها أو السكوت عنها. وضمن مستوى آخر، وبمقتضى الثنائية نفسها، ينزع النقد نحو إلغاء موضوعه والاستعاضة عنه بما يعتقده الناقد معناه الخفي أو حقيقته المضمرة. وعلى المستوى الأول، أي قياس نص الرواية على نموذج معطى قبليا. يطرح مصطلح المسكوت عنه جملة قضايا يصعب قبولها مالم تمتحن بكيفية لا تكتفي بالدخول في الإجماع حول وجود فجوات صامتة، وإنما تشيد نظرية عامة للمسكوت عنه تشمل طرائق التعرف عليه وكيفيات اشتغاله داخل النص ووسائل إنطاقه. وطالما النظرية المطلوبة غير متوفرة راهنا، فإنها غير بعيدة المنال، إذ في الإمكان تشييدها بالاستناد إلى العلاقة المثلثة : كاتب -نص – قارئ، لا بصفتها علاقة بين أطراف أثيرية شاردة خارج التاريخ، وإنما بصفتها وحدة بنيوية لمواقع إيديولوجية قائمة ضمن الكل المجتمعي التناقضي الصراعي. أما على الصعيد الثاني، ألا وهو صعيد استبدال نص الرواية بمعناه الخفي المفترض، فيظهر أن مصطلح المسكوت عنه ومشتقاته غير ملائم ما دام يستتبع إلغاء النص بدل تملكه معرفيا.

وبناء عليه، فإن قياس نص الرواية على معيار خارجي جاهز، يمكن التمييز فيه -على هدي فيليب هامون (9)- بين أربعة مستويات لاستجلاء المسكوت عنه :

1- قياس النص على النموذج النظري الذي يبنيه الدارس، أي على نموذج افتراضي للوصف.وضمن هذا المستوى يدل المسكوت عنه على غياب ملاحظة تسمح بتسجيل نسق ترابطي ومجرد. فغياب حدث أو وحدة أو ترابط ممكن بين الوحدات يموضع بصفته غيابا انطلاقا من علاقته بالقدرة التوليدية لنموذج نظري قبلي. وضمن هذا المنحى من النظر ينخرط حديث ف. پروپ عن متغيرات الحكاية الشعبية : >عند بناء قائمة متغيرات الحكاية، من المؤكد أن توجد في بعض المواطن قفزات وثقوب فالشعب لم ينتج جميع الأشكال الممكنة رياضيا<(10).

وهو المنحى نفسه الذي سار فيه كلود ليفي -شتروس وهو يتحدث عن النيء والمطبوخ :

ليس التركيب الأسطوري حرا أبدا بكيفية كلية ضمن قواعده الخاصة فقط(…) فمن بين كل العمليات الممكنة نظريا عندما نتصورها من الوجهة الشكلية وحدها، يقصى بعضها بلا جدوى، وهذه الثقوب تخط حدود بنية داخل بنية، والتي يتعين إدماجها في الأخرى قصد الحصول على النسق الواقعي للعمليات (11).

وقريب من هذا ما طرحه أ. گريماس في كتابه عن المعنى : >يمكن للملفوظات السردية المتضمنة منطقيا في إنجاز ما أن تكون إضمارية في الظهور؛ ويكفي حضور آخر حلقة في سلسلة التضمينات، بهدف إعادة الوحدة السردية، للقيام بوساطة لتصحيحها في كليتها<(12).

وتكشف هذه الشواهد أن الإيديولوجية واشتغالها الانتقائي تنهض في العدول القائم بين نموذج مبني يعتبر معيارا، والمتن Corpus الذي تتم دراسته. والعلاقة هذه بين الممكن والملاحظ، بين ما تسمح به النظرية ومايسكت عنه النص، ذات طابع إشكالي مركب : إذ لا يعرف الدارس دائما إن كانت الفجوة منحدرة من النموذج أم من ثغرة مؤقتة حصلت أثناء التوثيق، ثم لأن النماذج التي يقترحها الدارسون تحكم علاقتها بالدقة قلة الكفاية.

2- تمكن معاينة المسكوت عنه انطلاقا من نموذج منطقي، بلاغي أو أسلوبي، يبنيه النص ويستثمره ثم ينحرف عنه جزئيا. ويأخذ المسكوت عنه هنا معنى الثغرة Ellipse التي يبرمجها، وتملأ من لدن القارئ الذي يساعد بتلقائية على إتمام الحديث Enoncé. وبهذا المعنى، فإن حضور المسكوت عنه في الفجوة هو كذلك حضور القارئ بصفته طرفا في عملية المخاطبة. والأخير لا يملأ الفجوة بكيفية اعتباطية وكيفما اتفق، بل انطلاقا من قرائن سياقية تحرض كفاءته المعرفية. فلنقرأ على سبيل المثال المقطع التالي :

وفوق الاسفلت لمحت نقع الدم

تخيلت خيطا. خيوطا ممدودة من حطين حتى … /هل لهذه المعركة اسم. وهل سيدرسها الأطفال /في المدارس . ومن هو ذلك المعلم الذي سيشرحها. أتراه سيكون مغرورا (وحمارا) كمعلمنا الذي /حكى لنا عن طارق وموسى بن نصير (13).

الفجوات الصامتة هنا تفقأ العين. فبغض النظر عن الحذف المقصود والاختياري الموشوم بنقط الحذف، والتي يمكن الإستغناء عنها باضافة عبارة >الخامس من حزيران<، يمثل الدليل الإرجاعي (حطين) والشخصيات التاريخية الإرجاعية (طارق بن زياد، موسى بن نصير) خلاصة الانتصارات العربية في الماضي، مثلما أن غرور المعلم هو خلاصة الممارسة الإيديولوجية المهيمنة ضمن الجهاز الإيديولوجي المدرسي، هذه الممارسة التي تتستر عن هزائم الحاضر الفظيعة بالذكرى المجيدة للأجداد الفواتح، أي التي تستحضر الأموات لتقنيع هزيمة الأحياء.

وكما يمكن القارئ تسويد بياضات النص انطلاقا من معرفته يمكنه كذلك استثمار مقاطع أخرى من النص نفسه ليجعل الصامت يتكلم. فلو عدنا إلى المثال السابق، وتحديدا إلى الأسئلة القائمة فيه بخصوص الهزيمة والمسافة الكبيرة بين انتصار حطين وهزيمة حزيران التي يخجل النص من تسميتها، لعثرنا على الإجابة في مواقع إيديولوجية أخرى من النص نفسه، نكتفي منها بهذا الحوار بين بطل القصة وجندي إسرائيلي :

سألني : لماذا لا تملك سلاحا؟

قلت : لا أعرف كيف أستعمل السلاح.

-لماذا ؟

– الله وقيصر والجند يحققون النصر

-من قال ذلك ؟

– أبي ومعلم المدرسة والتاريخ (14).

3- من الممكن الأمكن كذلك النظر في المسكوت عنه عبر مقارنة نص الرواية مع سياقه التاريخي أو مع سيرة كاتبه. وحينذاك سيظهرالمسكوت عنه إما بصفته غيابا لمعرفة محددة أو بصفته إغفالا قصديا لأحداث ووقائع يشترك في معرفتها المؤلف والقارئ. وتعثر حالة غياب المعرفة على بعض ما يمثلها في كتابات طولسطوي وفي رواية حيدر حيدر >الفهد<. فالروائي الروسي وإن نقل إلى مستوى التعبير ثورة 1905 بصفتها ثورة بورجوازية فلاحية، لم يكن يدرك موقع الطبقة العاملة في هذه المرحلة مثلما لم يكن يعرف بحكم الإيديولوجية الأبوية التي منها يكتب أن إسقاط سلطة البورجوازية كان مهمة ملحة ومستعجلة (15). أما الروائي السوري، فقد شيد رواية الفهد (16) على إشكالية مرتبطة بالشروط الذاتية والموضوعية التي ترتب عنها انكسار >ثورة< بوعلي شاهين في جبال العلويين بسوريا إبان قيام الحكم الوطني. غير أن الإجابة الإيديولوجية التي قدمها النص سكتت عن التنظيم العشائري والملكية المشاعية والتملك العائلي والعشائري للأرض، التي سادت في المنطقة وشكلت جزءا من الظروف الموضوعية الفاعلة في وصول بوعلي شاهين و>ثورته< إلى الطريق المسدود. أما ما يخص الإغفال المقصود، فنحن نعلم تبعا ليوري لوتمان وبوريس أوسبنسكي (17)- أن تنصيص الوقائع والأحداث يرافقه دائما الانتقاء. فالنص الذي يكتب حقبة تاريخية معينة يثبت وقائع بعينها ويغفل أخرى، إما لأنها ليست >حقائق<، أي ليست ذات هدف ومعنى من منظور إيديولوجية المؤلف، وإما لأن معرفتها قاسم مشترك بين المؤلف والقارئ المفترض. فعندما نقرأ مثلا في الصفحة الخامسة والعشرين من رواية وليمة لأعشاب البحر: >سي العربي كان الملاذ والمثال، وكان الوطن بعد أن استشهد في معارك حرب التحرير، فقدت الطفلة دفة التوازن مع العالم<.

يتبين أن استشهاد الأب هو نتيجة النضال ضد المستعمر الفرنسي. والكفاح من أجل جزائر ديمقراطية، حرة مستقلة. غير أن وقائع حرب التحرير- التي اندلعت سنة 1954– ينساها النص أو يتناساها مفترضا قارئا مطلعا.

وإذا كان المسكوت عنه ضمن هذا المستوى ناتجا عن ميثاق بلاغي أو متوالد عن الاختيار القبلي لنوع أدبي بعينه أو مندرجا ضمن ما تستتبعه مفترضا التحدث Enonciation الذي يختاره المؤلف، فمن الصعب تحديد كمية الوقائع المسكوت عنها أو ترتيبها أو تأويلها. وتنضاف إلى ذلك صعوبة الإحاطة بالحقبة التاريخية التي كتبها النص أو التي كتب فيها، وتتضاعف هذه الصعوبة عند التعاطي مع نصوص غفل أو غيرممهورة.

4- الإمكانية الأخيرة لمراقبة المسكوت عنه تتيحها لعبة التناص أو حوار النصوص بنوعيه الداخلي والخارجي، وذلك عبر مقارنة نص أصل مع نص أعيدت كتابته، ومن خلال المقارنة بين نصوص الكاتب الواحد وبين مقاطع من نفس النص. وفيما يخص التناص الخارجي، لا يأخذ المسكوت عنه معناه إلا ضمن قراءة عالمة يسندهـا تصور ينظر إلى النص الأدبي بصفته موضوعا نهائيا ومسندا ومحميا، أي بصفته ملكية خاصة للمؤلف. أما في إطار التناص الداخلي، فيمكن للمسكوت عنه أن يسعف في إضاءة ثوابت ومتغيرات الكتابة عند الكاتب، مثلما يسهم في استجلاء مدى تطور أو ثبات رؤيته وأدواته الجمالية.

تتمايز القضايا السابقة بشكل ناصع، غير أن قوام وحدتها يقوم تحديدا فيما تومئ إليه : إنها تضع مفهوم المسكوت عنه وجها لوجه أمام أزمته الناتجة عن غموضه وصعوبة تشغيله ضمن إطار نظري منسجم ومتماسك. وإذا كان الخطاب النقدي بمختلف تلاوينه قد أقر بوجود مواقع صامتة في النص، فقد ظل ضنينا فيما يخص الوسائل المساعدة على استنطاق الصامت واستجلاء المخفي. وربما شكل بيير ماشري الاستثناء الوحيد الذي اقترح برنامجا لإظهار المضمرات الإيديولوجية في الرواية وفحص محتوياتها السردية والتصويرية، وينهض هذا البرنامج على أمرين :

أولا : الإلمام بالسياق التاريخي-الإيديولوجي الذي كتبه النص الروائي أو المنكتب في سطوره.

ثانيا : بناء الإشكالية التي تطرحها الرواية، انطلاقا من الجواب الذي قدمته، وذلك بهدف استكناه الأسباب التي تجعل الحديث الروائي جوابا إيديولوجيا عن سؤال لم يطرح بكيفية واضحة، لكنه حاضر ومخفي في تجاويف الرواية وفي شكل الايديولوجية المصورة .

وبما أن المشاكل التي تعترض هذا البرنامج قد وقع التنبيه إليها، فلن نعود إليها من جديد. ويبقى مشروعا تماما الاستفهام حول الأسباب التي تجعل مفهوم المسكوت عنه ضئيل القيمة ومحدود المردودية؟ والسبب الأول يتمثل في ضبابية الوضع النظري للمفهوم؛ وتنضاف إليه مجموعة أخرى من السلبيات أشار إليها فيليب هامون، وسنستعيرها منه مع محاولة تعديلها وإغنائها بما هو مناسب :

1- المصادقة على حظوة الناقد الذي يخترق سطح نص الرواية ويصل إلى معاينة المسكوت عنه وتعيين المضمرات، والذي سيتناسب >ذكاؤه< و>عبقريته< مع عدد الثغرات التي استخلصها وأبرزها. ومصادقة من هذا القبيل، ليست إلا إحياء لأسطورة وترهينا أصعوديا : الجني الذي يرفع السقوف وينظر عبر الجدران ويفك الطلاسم ويعلم ما في الصدور.

2- إضفاء الشرعية على أسطورة >مضمون< النص، ومن ثم إنعاش الزوج المفهومي : المؤولة -المؤول. وعبر مفهوم المسكوت عنه يتأسس من جديد حضور الأدب بصفته اختلافا، وتتحزب النظرية تحت لواء أدبي يؤقنم مفهوم البياض ويجعله شعار حداثة متميزة، أي تلك التي تحلم بكتابة بيضاء (ستيفان مالارميه، موريس بلانشو…)

ومع الزوج المفهومي السطح/العمق، الظاهر/الباطن، تصيرالدلالة اللاشعورية مميزة بقيمة تفوق قيمة الخطاب الذي يقولها بالصمت عنها. ومن ثم يغدو أفق القراءة النقدية استكناه البنيات العميقة المتوارية وراء غرارة المادة السطحية، وإضاءة البنيات اللاشعورية المتسترة خلف البنيات اللغوية الشعورية. وإذا كان هذا الأفق قد تكرس منذ الكتابات الأولى لسيجموند فرويد وشارل مورون ( 1899 – 1966) واستمر ضمن اللغة الواصفة التي تستلهم التحليل النفسي بهذا القدر أو ذاك (گاستون باشلار، جورج پوليه، جان بيير ريشار…) فقد شكل كذلك أفق اختيارات منهجية ذات استيحاءات سوسيولوجية، وحصرا تلك التي سعت من خلال النص الروائي إلى صياغة قوانين تشكل الذهنيات وتطورها تبعا لتطور الكل المجتمعي بمستوياته. وعليه يبدو أن القاسم المشترك بين الحتمية النفسية والحتمية الاقتصادية لا يرتبط فقط بوحدة أفقهما، وإنما يطول كذلك قضية مفصلية : ألا وهي ضرورة الكشف عن الإيديولوجية الخفية من خلال موضوع يشتغل بطريقة رمزية : النص الروائي، وكذا من خلال الإقرار بقابلية النص الروائي للعودة إلى نموذج منسجم، ومن ثم تكوين نظام منطقي يكشف بنية النظام المجتمعي التي أنتج النص داخلها، ويواكب هذا الإقرار إيمان مبدئي بتبنين اللاشعور المجتمعي مثلما تتبنين اللغة. وبالاستناد إلى الحالتين معا يتم افتراض ملاءمة البنيات التي أرجعت إلى نموذج لغوي مزعوم وإلى البنيات التحتية غير المحددة بما فيه الكفاية.

3- إن استثمار مفهوم المسكوت عنه يعطي نفسا ويوفر حيوية جديدة لإشكالية مريحة طالما اقحمت للتفكير في كل شيء، ألا وهي إشكالية المعيار والانزياح، النموذج والعدول .

4- في إطار مساجلة المناهج التقليدية ومحاولة تحديد موضوع علم الأدب، شبه رومان ياكوبسن (18) مؤرخي الأدب بالشرطة التي إذا اعتزمت اعتقال شخص، تعتقل في الآن نفسه من يوجد بالبيت ومن يمر ببابه، وهذا يصدق بمعنى ما على الناقد الذي يجعل مفهوم المسكوت عنه مرتكزا وأفقا. وهذه الـ >بمعنى ما< تشير إلى أن الناقد يتقمص وظيفة مخبر سري، أي شرطي فيلولوجي يستنطق النص الروائي بغية الوصول إلى الغائب الضمني. ومثلما يكون الاستنطاق البوليسي مصحوبا بالتعذيب، فكذلك الاستنطاق النقدي.

5- تمت الإشارة آنفا إلى أن النقد المستند إلى مفهوم المسكوت عنه يستبدل النص بما يعتقده معناه السري، ويستعيض عنه بما لا يقوله. وهذا يفيد أن النص أراد أن يقول شيئا فعجز عن ذلك أو تمنطق السكوت العمد، وعلى الناقد أن يقوله. وبهذا المعنى سينتظم الخطاب النقدي حول تلك الجملة الأثيرة >يريد النص أن يقول<، ومن ثم ينتقل من النص إلى النوايا، من العلم إلى الميتافيزيقا، في حين أن ما أراد النص أن يقوله، قد قاله، والناقد ليس مطالبا بتصحيحه أو سد ثغراته، بقدر ما هو مطالب بنقده ومعرفته.

ولهذه الاعتبارات مجتمعة يحسن أو يستحسن التخلي عن مفهوم المسكوت عنه وتنويعاته قصد البحث عن مفهوم أكثر ملاءمة ووضوحا وأكثر قابلية للاشتغال ضمن جهاز مفهومي منسجم يعطي للنص الكلمة في المقام الأول. ونتضامن مع فيليب هامون حين اقترح مفهوم القيمة Valeur بديلا عن مفهوم المسكوت عنه. والتضامن هذا قائم على وضوح الوضع النظري والمردودية الإجرائية للمفهوم مثلما يتبدى ذلك في مداخلتي باختين و ف. هامون في نزوعهما نحو تشييد شعريات المعياري والقيمي.

——————————————

الهوامش

1 – Jean Bellemin -Noël, Psychanalyse et Littérature, Que sais- je, (1752),p.16

2- Pierre Macherey, Pour une théorie de la Production Littéraire, Maspéro, Paris, 1980, P. 174

3- Fayolle (Roger), La Critique, Armand Colin, Paris, 1978, p. 187

4- Claude Duchet, “Positions et Pesrpectives” in Sociocritique, NATHAN, Paris, 1979, P4

5- عمار بلحسن ، ”حول الأدب /الايديولوجيا /الرواية”، ضمن فصول، ج2، م 5 ، ع 4، 1984، ص 168

6- حوار مع محمد مفتاح، مجلة دراسات سيميائية – أدبية- لسانية ، ع 1 خريف 1987، ص 16.

7- جورج طرابيشي، الأدب من الداخل، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1978، ص 9 .

8- يمني العيد، ممارسات في النقد الأدبي، دار الفارابي، بيروت 1975، ص 7-6

9- Philippe Hamon, Texte et idéologie, Puf-Ecriture Paris 1984,P14-19

10- Propp (Vladimir),Morphologie du conte, Seuil, Paris, 1970, P 142 11- Levi-Strauss (Claude),Mythologiques, I Plon,Paris 1964,P 251 12- – Greimas(A-J.), Du Sens, Seuil, Paris, 1970

13- حيدر حيدر”الشاهد والجمعة الحزينة”، ضمن حكايات النورس المهاجر، دار الحقائق، بيروت، ط.2 ، 1979 ، ص ص 7-15

41 – نفسه، ص. 12

15- لينين، ”مقالات حول تولسوي” ضمن : في الأدب والفن، تر، يوسف حلاق، 1 ، منشورات وزارة الثقافة ، دمشق 1972 ، وانظـــر كذلك >لينين ناقدا لطولسطوي< ضمن بيير ماشري مرجع مذكور

16- حيدر حيدر، الفهد ، دار بن رشد ، بيروت ، ط 2 ، 1977

17- يوري لوتمان وبوريس أوسبنسكي، ” حول الآلية السيميوطيقية للثقافة” عبد المنعم تليمة، ضمن مدخل إلى السيميوطيقا، منشورات عيون، الدار البيضاء 1987 ، ج 2 ، صص 138-139 .

18- Jakobson (Roman), Huit questions de poétiques, Points, Seuil, 1977, pp. 16-17