“سفر التكوين * سيرة غلاب الفكرية

adminBengrad2021
2021-06-04T11:59:57+00:00
العدد الثامن
13 أغسطس 202044 مشاهدة

عبد العالي بوطيب – كلية الآداب – مكناس

سئل غلاب في استجواب أجرته معه مجلة آفاق المغربية : > لماذا لم تؤرخوا لأناكم في المستوى الأدبي والفكري والسياسي؟< (1). فأجاب بصراحته المعهودة قائلا : >لا أخفيكم (…) أنني بدأت المحاولة أكثر من مرة، فاكتشفت أني إنما أعبث، أو أني أقوم بعمل لا يجب علي أن أقوم به، ولذلك كنت أتخلى عن ذلك، وأترك الكتابة عن ذاتي، ولهذا من الصعب جدا أن أواصل ما لا أرغب في مواصلته، ولو حاولت لكنت محرجا، لأنني ربما قد لا أوفق ، أو لأني سأكون عيا في موضوع ليس لي، ودائما أتساءل : هل أترك هذا للآخرين، لما بعد الموت مثلا؟. وعندئذ أليست هناك أشياء مع أنها جزء من تجربة الكاتب لا تستحق أن يكتب عنها الإنسان، ولا يمكن أن يرفضها أو يميزها عن غيرها إلا الكاتب نفسه؟ (…) والحقيقة أنني قرأت كثيرا من الأعمال الأدبية لها النفس الذاتي أو الشخصي، وراقتني في الغالب، لكني ما أزال أتهيب من الموضوع، وربما وفقت في تجاوز هذا التهيب إذا امتد بي العمر مستقبلا.< (2).

وبعد مرور خمس سنوات تقريبا على هذا التصريح، ها هو غلاب ينقلب على حيرته ويفي بوعده من خلال إصدار سيرته >سفر التكوين<. كتاب ممتع جاء في وقته ليسد ثغرة كبيرة في خزانة غلاب، وليضع حدا لنقاش مغلوط طال أمده بين النقاد والباحثين حول طبيعة بعض أعماله الأدبية السابقة، والإطار الإبداعي الذي تندرج فيه، وخاصة منها >سبعة أبواب<* التي اعتبرها البعض سيرة ذاتية*، رغم الفروق التقنية والفكرية والجوهرية الموجودة بينها وبين السيرة الذاتية، مما يجعلها أقرب للمذكرات منها لأي جنس أدبي آخر، كما يشير لذلك عنوانها الأصلي >مذكرات سجين<* ،ويؤكده قصر مدة متنها الحكائي، وطريقة صياغته مقارنة بما هو معروف في السير الذاتية، وإلى هذا يشير جورج ماي بقوله : >إن الفارق والحالة هذه ليس إلا فارقا كميا بين من يعكف عند المساء على يومياته، يدون فيها ما مر به في يومه من أحداث جسام، وبين من يعمد إلى حياته، وقد مالت شمسها إلى الغروب، مخلدا ذكراها في سيرته الذاتية< (3).

وبالمناسبة تجدر الإشارة إلى أن >سفر التكوين< تشتمل من الناحية الشكلية على 190 صفحة موزعة على 24 فصلا مرقما تغطي في مجموعها فترة محددة من حياة غلاب تتراوح بين الولادة (1919) وتاريخ ذهابه إلى القاهرة (1937)، بمعنى أنها لا تغطي سوى العقدين الأولين من حياته المتعلقين بمرحلة التكوين، كما يشير لذلك العنوان صراحة، وهذا ما يدفعنا مبدئيا لاستنتاج خلاصتين أساسيتين :

– الأولى تتعلق بالجانب الكمي لهذه السيرة الذاتية التي نعتقد أن >سفر التكوين< لا يمثل سوى جزئها الأول لاشك سيعقبه إن شاء الله، جزء (أو أجزاء أخرى) يغطي المراحل المتبقية وإن لم يحمل نفس العنوان.

– الثانية تخص الجانب الكيفي لهذا العمل، وبالتالي القالب العام الذي ارتضاه غلاب لسيرته الشخصية، فهو لم يرد أن يجعلها مجرد اعترافات شخصية يطلع القارئ من خلالها على الجوانب الحميمية الغريبة والخفية في حياته، بقدر ما أرادها أن تكون نافذة يطل منها المتلقي على أبرز المحطات الرئيسية في تكوين شخصيته، مما أعطاها نكهة خاصة جعلتها من هذه الناحية أقرب للسير الفكرية منها لأي نوع آخر. وهذا ما يمكن ملامسته من مجرد إطلالة بسيطة على مضامين فصول هذا العمل، لنجدها تستعرض في مجملها، بشكل استرجاعي تصاعدي، من الميلاد للشباب، مختلف العوامل التي ساهمت، بشكل أو بآخر، في تكوين شخصية غلاب وتنمية مداركه في كل المجالات المعرفية، بدءا من البيت والمسيد، وانتهاء بتجربة السجن والانخراط في صفوف الحركة الوطنية، مرورا بما بينهما من محطات أخرى متنوعة ومتكاملة تتوزع بين المدرسة والقرويين والوضع السياسي العام والأسفار والمطالعة الحرة الخ. وهذه العوامل يمكن تقسيمها بحسب طبيعتها لمجموعتين رئيسيتين :

– الأولى يمكن تسميتها بالمؤهلات الفطرية الذاتية للأستاذ غلاب، وهي كثيرة يجسد بعضها المقطع الموالي : >عاد صاحبنا إلى زميله شاكرا الفرصة التي أتاحها له، وكأنها فرصةالعمر، أرضى فضوله، فشعر بسعادة لا يدري مصدرها، ولكنها من منبع أصيل في نفسه هو حب التطلع، وفضول المعرفة، معرفة الأفكار والنظريات والأشخاص والأشياء، لاحظ في نفسه هذا الفضول، كثيرا ما كان يضايق به الآخرين، لاحظه الآخرون فيه فاعتبروه من مظاهر الطفولة والعزة ، واعتبره من وسائل المعرفة التي ما تزال أداته حتى بعد أن تخلص من غرته وطفولته<. (4) مما يمكن اعتباره بمثابة التربة الخصبة الصالحة للاستفادة من عوامل المجموعة الثانية، التي يمكن نعتها بالظروف الموضوعية المساعدة، بالنظر لموقعها الخارجي عن الذات، خلافا لمعطيات المجموعة الأولى المتمركزة داخلها، وتندرج تحت هذه الصفة كل العوامل والمعطيات المتبقية التي ساعدت، بشكل أو بآخر، في تنمية استعدادات غلاب الفطرية السابقة، وتلبية حاجاته المعرفية والثقافية، سواء منها تلك التي كان لها تأثير مباشر، كالبيت والمسيد والمدرسة والقرويين والمطالعة… أو تلك التي كان لها دور غير مباشر في تدعيم وعيه بواقع بلده، وحقيقة أوضاعه الفكرية والحضارية والسياسية، كالحركة الوطنية والاستعمار والمفارقات الحضارية الصارخة.

وكيف لا يستفيد غلاب من هذه الظروف والمعطيات ويستخلص منها العبر والدروس، وقد أنعم الله عليه بالمؤهلات الفطرية السابقة، لنستمع إليه يحدثنا عن بعض الخلاصات التي استوحاها من عودة المرحوم الزعيم علال الفاسي من سويسرا، على سبيل المثال لا الحصر، يقول : >عاد الأستاذ بعد ستة أشهر من غيابه، أقوى ما يكون إيمانا برسالته، وأشد جلدا لتحمل المتاعب في سبيل أدائها، وكانت استجابة الجماهير التي تحضر دروسه في المساء أقوى مما كانت في الماضي ، درس جديد تملاه صاحبنا، انضاف إلى الدروس التي تعلمها من أساتذته، هو أن أداء الرسالة محفوف بالمتاعب، وأن النفي والسجن ينتظر كل ذي رسالة، وأن هذا العقاب لم يكن مما يصرف صاحب الرسالة عن أدائها، ولا مما يصرف الحوار بين الأنصار وجماهير الشعب عن التعلق بصاحب الرسالة والوقوف إلى جانبه<(5).

وبالمناسبة تجدر الإشارة إلى أنه إذا كنا قد قسمنا عوامل التكوين هذه، من حيث الطبيعة لمجموعتين مختلفتين، فإنها تتسم من حيث التأثير بنوع من الشمولية والتكامل، لدرجة يصعب معها حصر آثارها في ناحية من النواحي الثقافية، وإخضاعها لتصنيف محدد مضبوط كما حصل في السابق، بالنظر لغزارة وغنى جوانب تأثيرها في شخصية غلاب، وهكذا، فإذا كان البيت قد ساهم في توجيهه التربوي والديني والوطني، فإن المسيد قد استكمل بعض هذه الجوانب ونماها، وخاصة منها تلك المرتبطة بالدين واللغة لتأتي القرويين بعدهما فتعمق هذه المعرفة، وتضيف إليها جوانب أخرى ترتبط بالتراثين الأدبي والتاريخي… وبذلك تكون هذه العوامل قد ساهمت متضافرة في تشكيل التكوين الموسوعي الشامل للأستاذ غلاب، تكوين يلتقي فيه السياسي بالأدبي، والديني بالتاريخي، والنظري بالعملي، في انسجام وتلاحم تامين يصعب معهما الفصل بينها دون الإضرار بمعالم هذه الصورة، وهذا ما يمكن ملامسته من خلال نظرة سريعة على قائمة الكتب العديدة والمتنوعة التي ألفها في مختلف الميادين المعرفية. ثراء غالبا ما نعاين آثاره الواضحة داخل العمل الواحد، مع فارق في الدرجة طبعا، بحسب نوعية كل عمل وشروطه الإبداعية وكيف لا ومفهومه للكتابة يشمل الحياة على رحابتها، ولا ينحصر في بعض جوانبها فقط، يقول :> الأديب الحق لا يمكن أن يعيش في وسط إنساني معذب، ويكون بعيدا في الوقت نفسه عن هذا الوسط، غير شاعر بعذابه، ولا محس بجراحه، ثم لا ينعكس هذا الإحساس على ضميره الأدبي فينفعل ويعبر ويصور ويتحرك القلم حركة نضال ليكون في مقدمة المناضلين ضد عذاب الإنسان وجراحه<( 6).

ولعل فيما يتضمنه >سفر التكوين<، على الرغم من طابعه الشخصي الضيق، من معلومات سياسية وحضارية عامة عن مغرب تلك المرحلة، أكبر دليل على ما نقول. مما أضفى عليه بعدا معرفيا عاما تجاوز نطاق ما اعتدنا عليه في مثل هذه الكتابات، لدرجة يمكن اعتباره، من هذه الناحية، وثيقة تاريخية هامة بالنظر لحجم المعلومات العامة التي يحتويها؛ يكفي أن نستحضر منها بالمناسبة، ما أورده عن جامع القرويين ودوره الأساسي في خلق الحركة الوطنية وفي استقلال المغرب، باعتباره دار علم ودين وسياسة في ذلك الوقت، يقول : >اتخذت الحركة الوطنية القرويين مركزا للتجربة السياسية، ولاختبار القوى مع إدارة الحماية، فالقرويين باعتبارها دار علم لم تكن تبعد في تاريخها عن أن تكون دار سياسة حينما كان علماؤها -وطلابها- يقومون بدورهم السياسي إلى جانب دورهم العلمي< (7).

وبذلك يتحول >سفر تكوين< غلاب لسفر تكوين الأجيال الصاعدة، تطلع من خلاله على ما فاتتها معرفته على المستويين الخاص والعام على حد سواء، وهو ما يعكس في اعتقادي، فهم غلاب الخاص لهذا اللون التعبيري الشخصي، ونظرته المتميزة لكيفية مزاولته، حتى لا يتحول لمجرد خطاب نرجسي يحجب كل الجوانب الأخرى : >الترجمة الذاتية سبيل ليكتشف الكاتب نفسه وهو وليد فطفل صغير ففتى يافع فرجل يخوض غمار الحياة، وسبيل ليكتشف الناس من حوله وقد مروا بحياته، كما يمر كل الناس بحياة الآخرين. ولكن عملية الاكتشاف تجعل منهم شخصيات جد مهمة في تشخيص رواية حياته، ومن هذا الاتصال الجديد بالشخص الذي كانه، والعمل الذي قام به، والشخصيات التي أثرت في حياته أو أثر في حياتها، والأحداث التي صنعته، والتاريخ الذي صنعه، يكتسب قلمه طابعا خاصا، ومن هنا تأتي أهيمية هذا الفن< (8).

رغبة، لاشك، ساعده في تحقيقها انفتاحه الشخصي على المعطيات العامة وتفاعله معها، مما أدى إلى خلق صلات وطيدة بينهما يستحيل معها الحديث عن الواحد دون الآخر، وبذلك يتأكد ما قلناه سابقا من كون هذا الكتاب، على الرغم من طابعه الإبداعي الضيق، باعتباره سيرة ذاتية ، فإنه مع ذلك لم ينغلق كلية على الجوانب الخاصة، بقدر ما عمل جاهدا للانفتاح على المرحلة التاريخية العامة محاولا إقامة جسور عريضة ومتينة معها، مكنته من ممارسة نوع من الانتقالية الواعية في سرد الأحداث، بما يتناسب والأهداف والمرامي المتوخاة من الكتاب، والمتمثلة أساسا في التعريف بالأسباب والعوامل العامة والخاصة التي ساهمت في تكوين شخصيته، وهو ما يبرر ويفسر حجم الثغرات السردية الضمنية والصريحة، القصيرة والطويلة، الموجودة بين فصوله، كتقنية سردية اضطرارية اعتمدها غلاب لتجاوز اللحظات الميتة حكائيا في حياته، ولا تخدم بالتالي الأهداف المسطرة لكتابه.

تبقى الإشارة في نهاية هذه الدراسة لملاحظتين شكليتين أساسيتين :

– الأولى تتعلق بنوعية الضمير المعتمد في الحكي، حيث نلاحظ نوعا من المزاوجة بين ضميري الغائب والمتكلم، الأول همَّ الفصول التسع عشرة الأولى (أي ما يقارب 150 صفحة)، بينما خص الثاني الفصول الخمسة الأخيرة (أي ما يقارب 40 صفحة)، مما يستوجب في اعتقادي، طرح استفسار بخصوص الأسباب والخلفيات الإبداعية والتعبيرية الثاوية خلف هذا التنويع، خصوصا والكل يعلم أن لا شيء صدفوي أو فوضوي في الفن، كما يقول بارث، وأن أي تعديل شكلي إلا ويجد تبريره في الأبعاد الفكرية والفنية التي يحققها : >فالأمر لا يتعلق بالتقنية التي ما تزال تفهم على أنها اعتباطية، وتغيير تقنية السرد معناه تغييرات أخرى تطرأ على صعيد الدلالة وإنتاج المعنى< (9).

– أما الثانية فتتعلق أساسا بما أسماه جنيت في كتابه الهام عتبات seuils بالعناوين الفرعية والثانوية (10) المخصصة عادة لضبط الطبيعة الأجناسية للنص، ومساعدة القارئ على تحديد إطاره الإبداعي بكل ما لها من تأثير كبير في توجيه أفق انتظاره وإعداده لتقبل جملة من الخصائص التقنية والتعبيرية المحددة سلفا. غير أن ما يلفت الانتباه في >سفر التكوين< ما احتواه من عنوان فرعي مركب يجمع بين لونين تعبيريين مختلفين من حيث طبيعة المادة المحكية، رغم تشابههما، شبه الكلي، من الناحية الشكلية، وأعني بهما الرواية والسيرة الذاتية، مما يحدث نوعا من الاضطراب في التلقي، مصدره التعارض الجذري الموجود بين ميثاقي قراءة كل منهما كما أوضح ذلك جورج ماي حيث يقول: >إن ما يميز موقفنا عند قراءة سيرة ذاتية، عن موقفنا عند قراءة رواية، ليس كون الأولى حقيقية والثانية خيالية، وإنما كون الأولى تظهر لنا في لبوس الحقيقة، والثانية في لبوس الخيال. إن الصلة التي يعقدها الكاتب بين أثره وبين قارئ هذا الأثر تختلف اختلافا جوهريا في السيرة الذاتية عنها في الرواية.< (11).

وهذا ما دفع فيليب لوجون لتمييز الميثاق الروائي ( le pacte romanesque) عن الميثاق الأوتوبيوغرافي ( Le pacte autobiographique) (12) باعتبارهما يحددان شكلين مختلفين في القراءة لا في الكتابة. فكيف تأتى لغلاب الجمع بينهما، وما هي الدوافع الخفية لهذه التسمية الإجناسية المركبة؟. أعتقد أن الإجابة عن هذا الاستفسار الأخير ترتبط أساسا بفهم سر الملاحظة الأولى، وتمر عبرها، بحيث لا يتأتى كشف خبايا التلوين الإجناسي دون فك لغز التنويع الضمائري لما بينهما من ترابط، فالملاحظتان معا تلتقيان لتكشفا سر هذا التداخل الشكلي في كتابة هذا النص، خصوصا إذا علمنا أن حكي المرحلة المتقدمة في حياة غلاب تم بضمير الغائب، ليستبدل مع بداية المرحلة المتأخرة بضمير المتكلم، بكل ما يعكسانه من دلالات، ويجسدانه من اعتبارات فنية وتعبيرية متباينة بتباين طبيعة المرحلة المحكية بكل ضمير، والصعوبات المطروحة على مستوى استحضارها بشكل عام، بعيدا عما هو مألوف ومعروف في السير الذاتية من تداخل ضمائر المحافل السردية (الكاتب، السارد، الشخصية) وتوحدها في ضمير واحد يعكس بجلاء عمق وصلابة العلاقة الموجودة بينهم، لدرجة يعود معها الضمير الواحد عليهم جميعا في نفس الوقت. واعتقد أن الكاتب اضطر لخرق هذه القاعدة في الفصول الأولى من >سفر التكوين< المرتبطة أساسا بمرحلة الولادة والصبا، معتمدا في نقلها الحكي الغيري ( narration hétérodiégétique) بدل الحكي الشخصي ( narration autodiégétique) الموظف في الفصول المتأخرة الخاصة بمرحلة الشباب، رغبة منه في تكسير العلاقة الضمائرية السابقة بين المحافل السردية المشكلة للعمل، بما يفيد انفصالا بين ضميري السارد والشخصية من ناحية، والسارد والكاتب من ناحية ثانية، ويعمل على تحسيس القارئ بأن من يقوم بالسرد في هذه المرحلة المتقدمة من العمر ليس الكاتب ولا الشخصية وإنما هو كائن آخر تم التعبير عنه بضمير >أنا< مقابل ضمير >هو< العائد على غلاب الكاتب والشخصية في نفس الآن، خلافا لما هو عليه الأمر في الفصول الخمسة الأخيرة الخاصة بمرحلة الشباب، حيث تتوحد المحافل كلها ويتم التعبير عنها بضمير واحد هو ضميرالمتكلم، وهو ما يجد تبريره طبعا في قدم الوقائع المحكية في القسم الأول، بكل ما تطرحه من صعوبات على مستوى الاستحضار والتذكر، فرضت على الكاتب ضرورة الاستعانة بسارد غيري لنقلها حكائيا، على الرغم من كونها تخصه شخصيا ما دام يستحيل عليه، في كل الأحوال، ادعاء معرفتها، خصوصا حين يتعلق الأمر مثلا بمسألة ولادته وما صاحبها من مشاكل الوضع، كما يعكس ذلك بجلاء المقطع التالي : >أمي الطالبية مضطربة، وضعت الوليد على ظهر جلد الخروف، وتبحث في اضطراب عن أدواتها : أين وضع الموسى؟ اهتدت اليدان المضطربتان أخيرا إلى الموسى، فقطعت حبل الصرة في سرعة، ربطت عنق حبل الصرة بفتيل من حرير، تبحث عن خرقة تلف فيها الوليد، انبعث صوت ناعم من تحتها، يشكو من دنياه الضيقة تلك، لعله كان خائفا أن يعود إليها<(14).

إن معلومات بعيدة ودقيقة كهاته، لا يمكن لسارد أوتوبيوغرافي كيفما كانت قدراته المعرفية استحضارها وتقديمها للقارئ بضميرالمتكلم المعبر عن علاقته الفعلية بموضوع حكيه، ومعاينته الشخصية له، لهذا لم يكن في وسع غلاب سوى استعمال ضمير الغائب تعبيرا منه عن انفصال السارد عن المسرود عنه، واكتفائه برواية ما سمعه لا أقل ولا أكثر، وهو ما يعني بعبارة أخرى، أن الأحداث المحكية في الفصول الأولى من هذا العمل، ذات طبيعة تخييلية تجعلها، من هذه الناحية، أقرب إلى الرواية منها الى السيرة الذاتية، عكس ما هو عليه الحال في الفصول المتأخرة المتبقية الخاصة بمرحلة الشباب، حيث الذكرى طازجة، واستحضارها لا تعترضه صعوبات، مما أضفى عليها مصداقية لا نحس بها في القسم الأول، وجعل الصيغة الروائية تهيمن على القسم المحكي بضمير الغائب، مقابل سيطرة الصيغة السيرذاتية على وقائع القسم المحكي بضمير المتكلم، وهذا ما يؤكده الكاتب نفسه صراحة في التعليق الوارد في هامش الصفحة 150، معللا أسباب تغيير الضمير بقوله : >اختفى صاحبنا من هذا السيرة، ليفسح المجال للـ>أنا< صفحة جديدة في سفر التكوين، تعمد الكاتب أن يساير المرحلة فيتحدث بضمير المتكلم بدلا من الغائب، الذي غاب في طفولة التكوين<(15).

وبذلك يكون >سفر التكوين< بحكم موضوعه وطبيعة مادته وشكله الحكائي، وثيقة شخصية، وشهادة صادقة، تعكس بكل المقاييس عمق وتنوع تكوين صاحبها، كما تسهم في الوقت ذاته، في تكوين الأجيال اللاحقة.

—————————————-

الهوامش

*-عبد الكريم غلاب : >سفر التكوين<، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان ط. 1 1996.

1 -عبد الكريم غلاب : >في الكتابة والتغيير والهوية< ( حوار) آفاق، مجلة اتحاد كتاب المغرب ع. 2 سنة 1991 ص. 150

2-عبد الكريم غلاب : حوار مذكور ص. 150

*-عبد الكريم غلاب : >سبعة أبواب<، دار المعارف، مصر، 1965

*- تراجع بهذا الخصوص كل الدراسات المتعلقة بهذا العمل دون استثناء

*- >مذكرات سجين< هو العنوان الأصلي لـ>سبعة أبواب< وقت نشرها لأول مرة، في حلقات على صفحات جريدة العلم سنة 1961 ، انظر >ببليوغرافيا الفن الروائي بالمغرب<، ( 1930 – 1984) إعداد : مصطفي يعلى ، تأطير عبد الرحيم مودن، آفاق ، ع. 3 – 4 السنة ،1984 ص. 76.

3- جورج ماي : >السيرة الذاتية< ، تعريب ، محمد القاضي وعبد الله صولة، بيت الحكمة ، قرطاج، تونس ، 1992، ص. 162.

4-عبد الكريم غلاب : عمل مذكور 1996، ص. 64

5–عبد الكريم غلاب : عمل مذكور 1996، ص. 89

6-عبد الكريم غلاب : >دفاع عن فن القول< ، الدار العربية للكتاب، 1984، ص. 108

7-عبد الكريم غلاب : عمل مذكور 1996، ص. 123

8-عبد الكريم غلاب : عمل مذكور 1984، ص. 185

9- سعيد يقطين : >الرواية والتراث السردي، من إجل وعي جديد بالتراث<، المركز الثقافي العربي ، 1992، ص. 40

10- انظر Genette ( g) : Seuils , éd Seuil , coll Poétique , 1987, p 55

11- جورج ماي، نفسه، ص. 192

12 -انظر Lejeune ( Ph ) : Le pacte autobiographique , éd seuil , coll , poétique ,1975 , p. 45

13- انظرGenette ( G): Figures III , éd Seuil , coll poétiqque , 1972 , p. 252

14- عبد الكريم غلاب : عمل مذكور 1996، ص. 9

15- عبد الكريم غلاب ، عمل مذكور 1996، ص. 150