بعض مكونات الخطاب الروائي في “لعبة النسيان” و “الضوء الهارب” لمحمد برادة

adminBengrad2021
2021-06-04T11:59:31+00:00
العدد الثامن
13 أغسطس 202087 مشاهدة

بديعة الطاهري – كلية الآداب- أگادير

يعتبر محمد برادة من الروائيين الذين دخلوا عالم الرواية من بابه الواسع، فهو ناقد ومبدع روائي في الوقت نفسه. لقد كتب لحد الآن نصين روائيين : >الضوء الهارب< و>لعبة النسيان<. وسنحاول في الصفحات التالية أن نعيد إلى الذاكرة عالميهما الروائي مركزين على مكونات الخطاب الروائي عند م. برادة.

>لعبة النسيان< (1)

تعلن الرواية منذ بدايتها تمردها على الشكل الروائي الكلاسيكي، إذ يطالعنا الراوي وهو يعين بعض الإمكانات التي قد تسلكها الرواية، فيحدد مقدمتين ليستقر في النهاية على ثالثة ستكون هي البداية والمنطلق ولكن دون أن تلغي سابقتيها. إن ما يحتفظ به الكاتب عادة في الهامش وما يشكل بدايات أولى لعملية الكتابة خارج الإبداع (2) يتم الإعلان عنه في النص الروائي فتتجذر الرغبة في مشروع كتابة روائية جديدة لا تعرف اللعب السردي ولا الهندسات اللغوية التي تجرف الكاتب بعيدا عن الواقع ومشاكله. من الواقع المغربي تمتح الرواية مادتها، وكما يتسع هذا الواقع ويتشعب، يتشعب بناء الرواية إذ تقسم إلى سبعة فصول يحمل كل منها عنوانا، أحيانا ترتبط بما تعلن عنه وأخرى تشتغل كجملة مضادة شأنها في ذلك شأن العنوان : >لعبة النسيان<.

إن العنوان كمكون للنص هو العتبة الأولى التي تواجه القارئ والعنوان هو محاولة لتخصيص النص وتمييزه من بين زخم هائل من النصوص المكتوبة. ويسعى عادة إلى اقتياد القارئ إلى معنى النص. لكن هذا لا يعني القول دائما بمقروئيته ووضوحه . >فباعتباره بداية نصية يكون كل عنوان غامضا تحديدا<(3) وهذا راجع إلى طبيعته الحذفية والاضمارية.

إن العنوان />لعبة النسيان<، ينفلت من الغموض والرمز اللذين يلفان العنوان عادة ويجعلانه غامضا، ولكنه يشتغل كجملة مضادة في النص لأن كل ما في هذا الأخير بعث وإحياء وتذكر. ومنذ البداية ينتبه القارئ إلى أنه مدعو إلى أن يتذكر مع الراوي أحداثا كثيرة وتتأكد هذه عندما نقوم بعملية إحصائية لفعل تذكر ومشتقاته في النص، إذ يتكرر عدة مرات ، نقرأ : >أتذكر، استرجع بعض المشاهد واللحظات<(4) ثم : >لايزال ذلك المشهد عالقا بذاكرتي ، لعبة التذكر مسلية ولكنها مرعبة<(5)، والأمثلة متعددة وكثيرة في النص.

إن الذاكرة هي التي تملي علينا جل أحداث >لعبة النسيان<، إذ تتوالى الأحداث السردية لتحكي عن الماضي وعن الطفولة وعن الأمومة وعن مقاومة وهن وضعف الذاكرة الذي قد يكون من فعل الزمان، وهذا ما يجعلنا نشير أيضا إلى أن النسيان/العنوان يستمد شرعيته من كون الحكي، في لحظات عديدة، هو محاولة للنسيان:

أولا من خلال القفز على لحظات زمنية، إذ أن السرد لا يغطي مساحة زمنية متعددة ومتواصلة، إنه يحفل بلحظات الصمت والفراغ، ذلك أن الروائي لا يقف إلا عند اللحظات الحاسمة والضرورية، كما أن البناء الزمني متداخل ومتشابك، لا يخضع للتنسيق إلا من خلال جهود القارئ لأن النص يحفل بالرواة الذين يحكي كل منهم من زاويته أشياء عاشها وعاينها دون أن يأخذ بعين الاعتبار سرد سابقيه، إذ نلاحظ أحيانا أن رواة متعددين يحكون عن نفس الشخصية فتتعدد الرؤى وتكتمل الزوايا(6). من اليومي المتعدد، ينتقي الكاتب لحظات حاسمة يتابع ثلاث مراحل /اجيال (هي الاستعمار والاستقلال والسبعينات)، يرصد الواقع المغربي في معظم تجلياته الحياتية واقفا على ما هو ثابت ومتغير في رحلة هذه الأجيال : الإحباط والتأزم.

ثانيا : إن النسيان هو نسيان مرارة الخيبة/صدمة الواقع، لا يتحقق إلا من خلال تذكر الأم -الأصل/الوطن- (7) القيمة الكبرى التي بإمكانها أن تخمد نار الخيبة والإحباط التي يعانيها الفرد، القيمة التي تجعله يستمر ولا يتراجع عن مبادئه.

إن >لعبة النسيان< التذكر هي الثيمة التي تقوم عليها الرواية. يحكي الرواة من أجل النسيان، ولكنهم يبعثون لحظات حية، ويأتي الأسلوب ليجعل من هذه اللحظات أكثر حياة وأكثر وضوحا، إذ وظف محمد برادة أساليب متعددة تنصهر لتكوِّن كلا منسجما، إنها أساليب ترسم صورة اللغة وتكشف حوارية الرواية إيمانا منه أن الروائي اليوم >مضطر لأن يبتدع تعدديته اللغوية، ولا يكون هذا الابتداع من أجل التعدد فقط، وإنما من أجل توظيفه لشيء أساسي هو ما حمله إلينا باختين، الوصول إلى حوارية عميقة بين الشيء ونقيضه بين الذات والآخر<(8) فأين تكمن حوارية الرواية؟

إن أول جانب يعكس هذه الحوارية هو المستوى السردي، إذ نميز في الرواية بين نمطين من السرد :

أ- المتباين حكائيا حيث لا تكون الشخصية مشاركة في الفعل، وهذا المستوى يتبناه سارد غائب لا نعرف عنه شيئا يحكي مستعملا ضمير الغائب أو سارد يُعين براوي الرواة، أوالمؤلف، وإن كانت تدخلاته قليلة وجميع هذه المحافل شخصيات متخيلة يرتبط حضورها بالنص الروائي.

ب – المتماثل حكائيا ويكون السارد فيه شخصية مشاركة في الحدث. وتتعدد في النص الشخصيات التي تضطلع بمهمة السرد وتستعمل ضمير المتكلم. ولكن هذا لا يعني أن سردها هو مجرد تقديم للذات، إنه في الوقت ذاته تقديم لعالم مادام هذا الأخير له أساس في نظرة الراوي الاستعادية انطلاقا من نقطة ثابتة. فمن كونه يعانق بشكل استعادي كلية حياته، فإن الراوي يأخذ بعين الاعتبار إحدى حالات العالم هي تلك التي دارت فيها حياته (9) (سرد السي ابراهيم كنموذج).

التعدد الأسلوبي واللغوي

من بين الأساليب التي يعتمدها النص نذكر أسلوب الشهادة. فالسرد هو تارة شهادة عن الذات وتارة عن الآخر، لتنبعث من السرد المعتمد لهذه التقنية لحظات اجتماعية وسياسية واقتصادية تبلور وجهات نظر مختلفة. ونكتفي هنا بإيراد مثالين لساردين هما الطايع وعبد الهادي. يقول الطايع : >عشرون سنة تعلمت خلالها أشياء كثيرة غير أنني لم أكن أتصور أن تخف درجة حرارتي ويهدأ الغليان إلى هذا الحد الذي أستطيع معه أن أتكلم عن سنوات الهدم والبناء. يمتد هذا التباعد بل والسخرية أحيانا، الجمر في تحول إلى رماد… كان معظم المناضلين والأطر الثقافية من حولي يعيشون التبدلات من خلال تطبيع العلائق مع من كنا نعتبرهم خصومنا< (10).

ويأتي صوت عبد الهادي مناقضا للتوجه الذي اختاره الطايع بعد سنوات من النضال :

>ليس التدين هو المعضلة، إنما الدفاع عن الحياة هو المعضلة، حياة الذين انحدرت من صلبهم وأصبحوا وأبناؤهم مهددين بالقمع والقهر والموت البطيء، لا حق لك بعد عشرين سنة في أن تعتزل معايشة الناس البسطاء الذين جعلوا منك رمزا، وأملا، تنسحب الآن، لأن الآخرين استفادوا أو تعبت اقدامهم<(11).

البلاغ

ويأتي هذا البلاغ معتمدا لغة أجنبية عن لغة السارد، وفيه نلمس تحليلا مغايرا للواقع وتحولاته، إذ يقدم نظرة سكونية ترسخها ثنائية الدين /الدولة.

>واعلموا أن المحاكم والجيش، والشرطة، والوزارات ،ساهرة لحماية البلاد والعباد من اللغو والمزايدات ولإعطاء الحقوق لمستحقيها، والضرب على أيدي منتهكيها… لأن نتائج سياسة الحكومة الرشيدة ستظهر حكمتها عند من سيليكم من أجيال، وأبناء، فناموا هادئيين واستيقظوا مستبشرين، وكونوا لما نطلبه منكم باذلين وصلوا لرب العالمين قانتين< (12).

وهناك أيضا الأسلوب الصحفي، وهذه الأساليب تأتي على شكل أسلبة بارودية (13) إذ إن لغتها الساخرة لا تخفى على القارئ، تارة تستفزه وتثير فيه الغضب، وأخرى تسرق منه الابتسامة الساخرة.

وكما وظف الكاتب اللغة العربية الفصحى التي يتنوع إيقاعها، فهي تارة لغةالحكم والتأمل وأخرى لغة صوفية، وظف كذلك اللهجة في تنوعها فجاءت محملة بأبعاد اقتصادية واجتماعية.

وإلى جانب هذه التقنيات هناك الحوار، وهو حوار عادي بين الشخصيات يتم تارة باللهجة وأخرى باللغة العربية، ويكون بدوره مجالا لتأثيث مسرح تبدو خلاله رؤى مختلفة ووجهات نظر متصارعة ومتباينة. ونكتفي هنا بالإحالة على حوار عبد الهادي ومختلف المدعوين إلى حفل الزفاف. وإلى جانب هذه الأساليب تنفتح الرواية أيضا على الشعر وعلى نصوص قرآنية لتحقق بذلك حوارية ثنائية داخلية وخارجية.

>الضوء الهارب<

تحاول هذه الرواية أن تطرح مجموعة من الأسئلة المقلقة انطلاقا من تجربة ثلاث شخصيات تكون تارة ذاتا للسرد وأخرى موضوعا له، إلى جانبها هناك سارد يحكي عنها ويقاسمها الوظيفة السردية وهذا لا ينفي وجود شخصيات أخرى تكون حاضرة عبر الذاكرة.

إذا كانت >لعبة النسيان< قد عملت على رصد جوانب سياسية واجتماعية حيث تابعت كما أشرنا إلى ذلك ثلاثة أجيال، فإن >الضوء الهارب< تحاول أن تكشف لنا وجها آخر للزمن المغربي، إنها تناقش الضياع والقناع والزيف عبر تجربة ثلاث شخصيات. إنها تجربة جريئة تتحدى كل المواضعات والتقاليد ويكون الجنس/سؤال الكفر هو سفينة الإبحار في هذا العالم.

تدور أحداث الرواية في طنجة لكن هذه الأخيرة مكان مفتوح على أمكنة أخرى داخلية منها فاس ومراكش ، وخارجية منها باريس ومدريد، ويتم الربط بين هذه الأمكنة بواسطة الشخصيات. فإذا كانت طنجة هي مكان إقامة العيشوني وعلاقته مع نساء متعددات منهن غيلانة وفاطمة، فإن فاس هي مكان طفولة فاطمة وعلاقتها بالداودي. أما مراكش فهي مكان جديد لمغامرة العيشوني، ويكون >الهناك< مكانا للبحث عن بديل لخيبة غيلانة في زواجها، وصدمة فاطمة في الداودي. هكذا تنشأ علاقة ثنائية بين هذين المكانين :

الداخل (م) الخـارج

الهنا (م) الهنـــــــاك

انغلاق (م) انفتاح

يكون >الهنا< رمزا للانغلاق والمضايقة، لأن الشخصيات تعيش اهتزازا وتمزقا، فغيلانة تضايقها مواضعات العائلة فتتزوج لتكتشف أنها أخطأت، فتبحث عن البديل في الدعارة. وفاطمة بعد أن آمنت بالحب والنضال تكتشف أنها كانت تقف على قارعة الطريق كشيء مفرغ، فتقرر البحث عن ذاتها، تتتجه إلى طنجة حيث تتعرف على العيشوني وتعيش معه مغامراتها الجنسية، لتتركه متجهة إلى باريس بحثا عن مغامرات جديدة محاكية بطلة إحدى الروايات التي قرأتها هناك. أما العيشوني فإنه يحاول أن ينسى فيجد البديل في الرسم.

إن جميع الشخصيات تحضر في حالة هروب والبحث عن شيء ينقصها. ومن هنا يستمد عنوان الرواية شرعيته. فالهروب على المستوى المعجمي حقل يتوالد ويتنامى في النص أحيانا مقرونا بالضوء، وأخرى مستقلا ومرتبطا بحقل آخر. وكما يحضر الضوء الهارب كمركب واضح، يحضر أيضا بامتدادات أخرى كالغموض والغروب والظلام، وتعيش معظم الشخصيات خارج الزمن. إن الزمن الوحيد الذي تتعامل معه هو زمن الرغبة والشهوة الجنسية. والزمن نوعان : حاضر وماضي تعمل الشخصيات على استرجاع هذا الأخير من أجل ملء ثغرات سردية، ويختلف تعاملها مع الماضي. أحيانا نلمس نوعا من التناظر والانسجام بين الذات الساردة وذات الفعل إذ يتطابق السارد مع الماضي ولا يظهر أي تفوق خلال تأويله، إنه يتنازل عن كل امتياز معرفي، فيكشف بذلك توافقا كليا بين الذات الحاضرة والذات الماضية، ورغم أن الرواية تجعل مسافة النص الاستعادي مدركة بشكل واضح، فإن السارد لا يلفت انتباه القارئ إلى معرفته اللاحقة، فيقف عند حدود تسجيل أحداث الحياة الداخلية. إلا أننا أحيانا أخرى نلمس نوعا من التنافر، فالذات الساردة تتخذ مسافة من ذلك الماضي ومن نفسها، فتظهر القدرة على التأمل والتفكير والتعليق والسؤال (14). يقول العيشوني : >سألجأ إلى الكتابة لتفهم ما جرى إن كنت أعيش سجينا لقوى داخلية<(15) وتقول فاطمة >الآن فقط اكتشفت أن كانط وهيجل وماركس لن يؤدوا إلا إلى عزلة السجن، والعيش على الهامش<(16).

وتتميز رواية >الضوء الهارب< بعدم ثبوت كيانها وبنائها لأنها نص يحاور أشكالا تعبيرية متعددة وأساليب وتقنيات تجعل منه نصا متعدد الأصوات وذلك ما يظهر جليا من خلال الحكايات التي يحفل بها النص والمرتبطة بهذه الشخصية أو تلك :

– قصة العيشوني مع خوسيو، الأجنبي الذي تبناه ورباه وفتح أمامه عالم الرسم والنساء، -قصته مع غيلانة ومع كنزة، – زواج غيلانة وحياتها في إسبانيا، – حياة فاطمة في الجامعة وتجربتها مع الداودي ثم مع العيشوني ومغامراتها الباريسية.

وتعتمد الرواية على عدة أساليب سردية منها التقعير والحلم والمذكرات والرسالة الخ. وهي تقنيات تخدم التعدد اللغوي الذي يجعلنا أمام أصوات تتصارع وتواجه بعضها البعض لتكشف لنا عن مواقف ووجهات مختلفة ومتباينة إزاء الواقع والحياة.

أ- التقعير

نورد له كمثال نشرة الأخبار عن المعاشرة غير الشرعية بين المرأة والرجل في أوروبا. ويشتغل هذا النص كبنية تقعيرية لأنها تلخص أحد خطوط الرواية. فالشخصيات الثلاث عاشت هذه التجربة، ونشيرهنا إلى علاقة العيشوني بغيلانة وكنزة وفاطمة ثم علاقة هذه الأخيرة بالداودي. وتأتي البنية التقعيرية لتقارن بين واقعين مختلفين يعرفان نفس الظاهرة، وتعكس هذه المقارنة اختلافا في وجهات النظر إذ يتم >هناك< (الغرب) احتضان هذه الظاهرة، بينما يلفها الصمت >هنا< رغم وجودها.

ب- الحلم

يتيح الحلم الدخول إلى عالم الذات. فخلو الذهن إلى ذاته يجعله يتنقل في عالم فانطستيكي حيث الأشياء والإنسان يأخذان شكلا غير متوقع ويزدهيان بألوان الحلم، وتتنقل الشخصيات في عالم من الصور تدفع بها خارج كل منطق وكل تعليل، >إن العالم هو رمز للرغبات غير الواعية والميولات غير المعترف بها؛ وبتجزيئه (أي العالم) يصل المرء إلى وعي ذاته وعيا تاما<(17). ومما يشكل تضاريس الحلم في الرواية هو هذا البعد العجائبي والعبثي؛ يشتغل البعد العجائبي في الحلم كأداة تعبيرية وكوسيلة لإبراز موقف ورؤيا خاصة إزاء العالم، فبعد أن تابع القارئ أحداثا لا تخرج عن تصورنا الطبيعي والعادي للحياة، تعرج به الرواية عبر الحلم إلى مسرح أحداث تخرج عن نطاق المألوف والمعتاد.

عبرالحلم يصور الراوي مغامرة العيشوني وقد اختلى بفاطمة وغيلانة معا متخذا من أعماق البحار في ضيافة الأسماك مكانا للاستقرار والخلود بعيدا عن الرقابة والوصاية الاجتماعيتين، وبهذا يغيب في فضاء هذا الحلم السؤال الرهيب عن الممكن، وعبر هذا الحلم العجائبي نقف على وجهات نظر مختلفة حول العلاقة بين الرجل والمرأة : فهي نظرة إباحية بالنسبة للعيشوني (الجمع بين الأم وابنتها)، وهي نظرة مترددة بالنسبة لغيلانة >جحيم الحب ولا جحيم الدعارة<(18)، ثم نظرة مغامرة، ففاطمة ترفض أن تعيش في الخفاء وتفضل المغامرة من أجل تحقيق رغباتها وذاتها كرد فعل على الصدمات التي واجهتها في الحياة.

إن الحلم يتيح أيضا استبطان الطبيعة الفردية من خلال المعنى الكلي الذي يمكن أن تحصل عليه هذه الأخيرة حول ماضيها وحاضرها ومستقبلها. ونحن نلمس في هذا الحلم رؤية مسيطرة، هي رؤية العيشوني الذي يعيد غربلة الماضي والحاضر ليوحد بين لحظتين زمنيتين متباعدتين حققتا له الشهوة والانتماء وهما علاقته بغيلانة في الماضي وعلاقته بابنتها فيما بعد.

وهناك حلم ثان هو حلم فاطمة، وهو حلم يمتح من اللامعقول ويحضر ليكشف بدوره عن هذه العلاقة بين المرأة والرجل وهي علاقة جسدية تشييئية تكشف عن صورة حيوانية تحكم هذه العلاقة.

ج- المذكرات

تأتي هذه المذكرات على المستوى الزمني متقطعة وغير مترابطة رغم أن القرائن الزمنية التي تعنونها توحي بتتابع زمني >صباحا، مساء…< وهذا التصدع الزمني تفسره الحالة النفسية للعيشوني بعد مغامرتين فريدتين. وتكشف هذه المذكرات عن علاقة حميمية تربط العيشوني بفضاء طنجة، والمرأة، وبالذات مادام المتكلم يتحدث إلى نفسه، وتتبين لنا الشروط التي تدفع الذات إلى الحوار وهي الوحدة والاهتزاز ومحاولة فهم ما جرى. لكن سرعان ما يتحول هذا الهاجس لتحل محله الرغبة في جعل هذه المذكرات أرضية لرواية، وكأنه يحاول بذلك الإيهام بواقعية الأحداث وجعل القارئ يعتقد أن السارد ينتقل من المستوى الفعلي الواقعي للأحداث إلى المستوى النصي المتخيل.

ورغم هذه العلاقة الحميمية التي تربط العيشوني بمختلف شخصيات مذكراته، فإن القارئ يلمس علاقة مناقضة لها توحِّد بين هذه الشخصيات، فطنجة تحضر كفضاء ممتنع عن التملك وهي التي توافدت عليها الحضارات والشعوب، وممتنعة عن السارد وهو الذي يعشقها حتى النخاع ، يقول : >كلما قلت دنوت من التمازح بها واقتناصها في لوحاتي كلما حجبتها عني حجائب غير مرئية<(19).

ونفس العلاقة تتكرر لتربطه بالمرأة وبالرسم وبالذات مادام المشروع هو البحث عن ضوء هارب. من خلال هذه الأساليب وغيرها استطاع محمد برادة أن يحقق حوارية الرواية ويستوعب العالم في تعدديته وذلك ما نستشفه أيضا من خلال هذه الثنائيات التي تحكم عالم النصين وهي : الذات/الآخر، الماضي/الحاضر، الموت/الحياة الخ…

——————————————

هوامش

1- محمد برادة : >لعبة النسيان< ، دار الأمان ، ط. 1، 1987

2- نشير في هذا الصدد إلى حوار راوي الرواة مع المؤلف والمتعلق بعملية الكتابة ووجهة نظر كل منهما في ذلك، انظر ص. 35 – 105.

3- H’oek , L : La marque du titre , dispositifs sémiotiques d’une pratique textuelle , Paris La Hage Mouton , 1981, pp 30- 31

4- الرواية، ص. 72

5- الرواية، ص .73

6- نحيل القارئ على الرواة المتعددين الذين يحكون عن لالا الغالية وسي الطيب.

7- يمكن أن تحضر الام هنا كمعادل للوطن.

8- محمد برادة : >التشخيص والأزمة<، الاتحاد الاشتراكي، اكتوبر 1994، عدد 431

9- Cohen , Dorit : La transparence intérieure , modes de représentation de la vie psychique dans le roman , Ed Seuil, Paris 1981 , p 285

10-الرواية، ص. 78 – 79

11-الرواية، ص. 87

12-الرواية، ص. 90

13- ميخائيل باختين : الخطاب الروائي ، ترجمة وتقديم محمد برادة، ط. 2 دارالأمان، الرباط 1987 ص 14 – ص 64

14- D. Cohen ,op. cit. p. 184

15- محمد برادة : الضوءالهارب ، ط. 1 الفنك ، الدار البيضاء 1993، ص. 172

16- نفسه، ص. 121

17-Duplessis ,Yves : Le surréalisme , Que-sais-je? , n! 132 , 1958, Paris , p. 132

18- الرواية، ص. 93

19- الرواية، ص. 155