افتتاحية

لقد شُغلنا منذ صدور عددنا الأول إلى الآن بسؤال المعنى وبكثير من القضايا المتصلة بشروط إنتاجه وتداوله واستهلاكه وتلقيه. وضمن هذا الانشغال تدخل كل المحاور التي قدمناها في أعدادنا السابقة. فلم تكن تلك المحاور سوى محاولة لصياغة أسئلة حول الوقائع الإنسانية المتنوعة بحثا عن معرفة أفضل “للذات” و”الآخر” ، لـ “الأنا” والـ “نحن” ، للماضي والحاضر اعتمادا على ما تمدنا به العلوم الحديثة من مناهج وأدوات ومفاهيم .

ولم يكن طموحنا في كل ذلك يتجاوز حدود تقديم ما يسهم – بهذا الشكل أو ذاك – في إنتاج معرفة تسعفنا في تحديد مناطق للتحليل والدراسة والبحث. ولقد كان طموحنا، ولايزال، هو أن نجعل من هذا الوافد من الغرب “محملا بخصوصياته الثقافية” أداة لطرح سؤال حول التميز والتفرد والوقائع الخاصة.

ولم تكن محاولتنا أيضا تروم الوصول إلى تقديم أجوبة “كلية ” و”حاسمة” عن هذه الوقائع من خلال مضامين ما نقدم للقراء من قراءات ودراسات، ولا كنا نرغب في الوصول إلى قناعات جاهزة ومطمئنة تغنينا وتغني القارئ شر مواصلة الفعل من أجل صياغة المزيد من التساؤلات. فوحدها الأسئلة كانت ولازالت منطلقنا لارتياد الآفاق الجديدة.

وما كان هذا ليقلل من عملنا ومجهودنا. فليست الأجوبة في غالب الأحيان بذات أهمية، فالسؤال وحده يملك شرعية الوجود والتجدد والتناسل. لقد كانت الأجوبة دائما كيانا يحيل على الماضي، فهي القناعة المريحة والمطمئنة. وكان السؤال دائما مقرونا بما سيأتي وما سيسفر عنه، فهو الحركة والفعل والقلق الدائم. فالمعرفة ليست جوابا، إنها سؤال يحيل على سؤال. ولعل هذا ما جعل من الأجوبة القديمة لا تعيش إلا في الأسئلة الجديدة.

ألا يمكن القول في هذه الحالة إن سؤال المعنى هوالسؤال الوحيد الممكن صياغة حدوده بكل اطمئنان؟ بلى، إن الأمر كذلك فعلا، فأي سؤال حول المعنى هو سؤال حول وقائع إنسانية دائمة التجدد والتغير والتبدل. لهذا السبب، فإن المعنى يبدو دائما ككيان نزق يستعصي على الضبط والمراقبة والتحديد. فهو يحتاج إلى استحضار كل الساياقات وكل ممكنات التدليل التي قد تقود إلى الكشف عن بعض مظاهره وتجلياته.

من هذا المنطلق، كانت محاولاتنا السابقة – ومحاولاتنا الحالية أيضا – لا تقف عند تصور واحد من التصورات التي قاربت المعنى وحاولت صياغة أسئلة حوله. لقد كانت كل الأسئلة عندنا مشروعة ومجدية شريطة أن تقدم جديدا يخص المعنى والإنسان.

وفي هذا الاتجاه، نقدم في عددنا العاشر هذا محورا يشتمل على سلسلة من المقالات الخاصة بالتلقي والقراءة والتأويل. إنها تقود، في مجموعها، بطرق مختلفة، إلى طرح سؤال المعنى وقضاياه وكذا القضايا الخاصة بالذات المتلقية. مبررها في ذلك أن التلقي – في معناه المباشر البعيد – سؤال يخص التأويل والقراءة وإنتاج الدلالات. بل يمكن القول إننا لا نتصور هذا التلقي منفصلا عن سيرورة التأويل وآلياته. فليست أسئلة التلقي وجمالياته سوى أسئلة حول المعنى. فلا يمكن للواقعة أن تشتغل من خلال وجودها المعنوي في انفصال عن محفل الاستهلاك والتلقي. وليس بإمكان محفل التلقي أن يمنح الواقعة ما في نفسه من صبوات ونزوات وأشكال ثقافية لا يكشف سرها سوى التجسيد الذي يقود إلى تأويل لا ينتهي عند حد بعينه. وليس بإمكان النص/الواقعة أن يكشف عن دلالته اعتمادا فقط على “قواه” الذاتية في انفصال عن “تجسيد” ما.

عن هذه القضايا حاولت المقالات، التي نقدم ضمن هذا العدد، أن تصوغ أسئلة قد تسهم في الكشف عن مكونات وآليات وجود المعنى من خلال مشاكله ومشاكل الذات القارئة للنص، وذلك بالاستناد إلى مجموعة من التصورات النظرية.

ونحن لا ندعي، في هذا المحور أو غيره، أننا نقدم نظرة شاملة عن الموضوع. فليس ما يهمنا هو كمية المقالات ووفرة المعلومات، بل نطمح إلى أن نجعل من المادة التي نقدمها للقارئ دالة على نوايانا وخصوصية توجهاتنا.

ونحن نريد من مواد هذا العدد أن تكون إشارة وضاءة لكل من يريد معانقة هموم المعنى كما يتجلى من خلال السلوك الإنساني بغية فهم هذاالسلوك والعمل على تغييره.

وتود هيئة تحريرالمجلة أن تقدم تحية حارة إلى كل الباحثين الذين ساهموا معنا في هذا العدد، وتأمل أن يستمر هذا التعاون خدمة للبحث في مجال العلوم الإنسانية.

علامات