المسرح المغربي المكتوب بالفرنسية قراءة في نماذج من الريبيرتوار

حسن يوسفي

لم يحظ المسرح المغربي المكتوب بالفرنسية بنفس الأهمية التي حظيت بها أجناس أدبية أخرى كالرواية والشعر المكتوبين بنفس اللغة. لذا، فإننا نفتقر إلى دراسة شاملة عن هذا المكون الأساس داخل الثقافة المغربية المعاصرة لا سيما وأن ما كتب من نصوص درامية منذ الستينات إلى الآن يشكل ريبيرتوارا مهما حان الوقت لتأمله ومساءلة مكوناته.

لا ننوي هنا العودة إلى ذلك السجال الحاد الذي فجرته ظاهرة الكتابة بالفرنسية في الحقل الثقافي المغاربي بوجه عام والذي عرفت الجزائر أكثر حلقاته قوة وعنفا نظرا للظروف التي عاشتها الثقافة الجزائرية في ظل استعمار دام أكثر من قرن من الزمن. لكن فيما يتعلق بالمغرب يحسن بنا أن نذكر بموقف رواد المسرح المغربي خلال فترة الحماية وخصوصا منهم المنضوين تحت لواء جمعية قدماء ثانوية المولى ادريس، وعلى رأسهم المهدي المنيعي ومحمد القري وعبد الواحد الشاوي الذين كانوا يتوفرون على ثقافة مزدوجة تساعدهم على أداء أدوار في الفرق الأجنبية، وتدفعهم إلى التفكير في العمل المشترك مع فرقة التمثيل الفرنسية بالثانوية، بالإضافة إلى اقتباس أعمال مكتوبة بالفرنسية وعلى رأسها أعمال موليير ( 1)

فإذا كانت هذه المواقف تنم عن وعي متفتح تبلور مبكرا إزاء مسألة اللغة في الإبداع المسرحي لدى أقطاب يشهد لهم بتكريس تجربتهم لخدمة قضايا الوطن، فإنه سيكون من قبيل المزايدة العودة إلى سجال قديم في وقت تكرس فيه الإبداع باللغات الأجنبية المختلفة في المغرب ومن بينها اللغة الفرنسية حتى لدى الذين يكتبون أصلا باللغة العربية، دون أن يُفهم ذلك باعتباره استلابا أو انخراطا في توجهات مثيرة للجدل كالفرنكفونية. لذا نرى ضرورة التعامل مع المسرح المغربي المكتوب بالفرنسية باعتباره مكونا من مكونات الثقافة المغربية المعاصرة، ونميل إلى الرأي الذي يربط مفهوم ” الجنسية الأدبية ” بالمتخيل أكثر من أي شيء آخر، وبالتالي بالمنتوج الأدبي باعتباره تجسيدا لهذا المتخيل. فإذا كانت ” الجنسية عنصرا يقرأ من خلال الانشغال داخل العمل الأدبي ” (2)، فإن ما نقترح قراءته من نماذج مسرحية مكتوبة بالفرنسية، علاوة على مغربية أصحابها، تجسد متخيلا يمتح مكوناته الموضوعاتية من واقع الثقافة المغربية في أبعادها الوطنية والقومية والإنسانية. وإن كان يستمد طرق تشخيصه من نقلات فنية غربية، ولا ضير في ذلك ما دام المسرح العربي نفسه قد أفاد في وجوده وتطوره من الغرب.

إن ما يثير الانتباه في سياق الحديث عن المسرح المغربي المكتوب بالفرنسية هو هذا التراكم الذي ما فتئ يحققه على مستوى الكتابة لا سيما خلال العقدين الأخيرين من هذا القرن، وعندما نقول التراكم فنحن نقصد الأعمال التي خرجت إلى الوجود للاستهلاك مما يجعلنا نستحضر عاملا حاسما في هذه الظاهرة يتمثل في دور النشر التي برزت بموازاة تواتر الكتابة بالفرنسية في مختلف الأجناس الأدبية التي ساهمت في احتضان هذا النمط الإبداعي، ونذكر منها بالخصوص ” الفنيك” و” إديف”. فإذا كانت بعض الأعمال المسرحية المغربية المكتوبة بالفرنسية قد عرفت طريقها إلى القارئ على يد دور نشر أجنبية ومنها بالأساس دار “لارماطان” التي خصت العرب بسلسلة يشرف عليها مارك گونطار اسمها ” كتابات عربية”، فإن تركيز هذه الدار على خصائص محددة في الكتابة بالإضافة إلى ظهور دور نشر محلية جعل الكتابة المسرحية باللغة الفرنسية في المغرب تجد لها منفذا إلى القارئ، وتحقق بالتالي تراكما متنوعا أسهمت في تحقيقه أسماء منحدرة من حقول معرفية وإبداعية مختلفة. نذكر منها عبد الكبير الخطيبي المعروف بمشروعه الفكري القائم على ” النقد المزدوج” الذي كتب مسرحية “النبي المقنع” ( لارماطان 1979)، ونبيل لحلو الذي اشتهر بأعماله المسرحية والسينمائية في آن واحد، والذي كتب نصوصا كثيرة بالفرنسية من أكثرها إثارة ” أوفيليا لم تمت ” المكتوب في نهاية الستينات( منشورات الفنك 1987) ، ثم عبد اللطيف اللعبي الشاعر والروائي وأحد أقطاب المشروع الثقافي الذي بلورته مجلة ” أنفاس” الذي كتب عملين مسرحيين رائعين هما : ” التعميد الثعلبي ” ( لارماطان 1987 ) و” تمارين في التسامح ” (منشروات الاختلاف ، باريس 1993 ). هذا بالإضافة إلى الطيب الصديقي رجل المهنة المسرحية بامتياز الذي راكم خلال العقد الأخير من هذا القرن مجموعة من المسرحيات بالفرنسية نذكر منها مثلا ” حفلة عشاء ” ( إديف 1990) و” الشامات السبع “و” خلقنا لنتفاهم ” و” موليير أو من أجل حب الإنسانية “.

ولا ينبغي أن ننسى، في هذا السياق، المرحوم محمد تيمد الذي كتب نصوصا كثيرة بالفرنسية(3) نتمنى أن تجد طريقها إلى القارئ في سياق المجهود الذي يقوم به الدكتور حسن المنيعي إلى جانب زوجة المرحوم تيمد من أجل إخراج أعماله إلى الوجود. ضمن هذا التراكم اخترنا الوقوف عند أربعة نماذج مختلفة هي : “النبي المقنع ” و” أوفيليا لم تمت ” و” حفلة عشاء ” و” تمارين في التسامح “.

من خلال استقراء أولي لعناوين هذه المسرحيات تتبدى لنا طبيعة المرجعيات المتحكمة في كتابتها، كما تلوح بعض مؤشرات القضايا الممسرحة فيها. فالنبي يحيل على شخصية خارقة ذات حمولة ميتافيزيقية أضيف إليها هنا في مسرحية الخطيبي وصف مرتبط بمكون فرجوي مسرحي هو القناع. وأوفيليا اسم علم يشير إلى شخصية مسرحية شكسبيرية معروفة. وحفلة العشاء هي طقس اجتماعي يقوم على بعدين أساسسيين هما : الأكل والاحتفال أو الفرجة. أما التمارين فتحيل على ممارسة تدخل في صلب العملية المسرحية هي التداريب، وقد ارتبطت هنا بقيمة إنسانية تكاد تصبح طوباوية في عالم يصعب تحقيقها فيه، هي قيمة التسامح.

يمكن تلخيص مختلف هذه الدلالات التي تقوم عليها عتبات المسرحيات الأربع في عنصرين أساسيين هما : الميتافيزيقا بالنسبة للفيلسوف ( الخطيبي ) والشاعر ( اللعبي )، والمسرح بالنسبة للمسرحيين (لحلو والصديقي ). فمن خلال هذين العنصرين تستمد المسرحيات متخيلها وتقيم بناءاتها الموضوعاتية والشكلية كما سيأتي في سياق التحليل.

1-” النبي المقنع ” : هدم الميتافيزيقا الشرقية مسرحيا

تقوم مسرحية “النبي المقنع ” ( le prophète voilé) (4) باستحضار قصة حكيم بن هشام الملقب بالمقنع الذي ادعى النبوة خلال القرن الثامن الميلادي. وهي تعتمد في ذلك على مرجعيتين أساسيتين : مرجعية تاريخية تجسدها المصادر العربية والإيرانية، وكتابات المؤرخين المسلمين حول هذا الرجل، ومرجعية فلسفية تتمثل في بعض الأفكار التي بلورها بورخيس.

ثمة مسألتان مثيرتان في هذا النص : أولهما الموضوع الممسرح نفسه، وهو ظاهرة ” ادعاء النبوة” التي عرفها تاريخ الشرق العربي الإسلامي ، والثانية هي بنية المسرحية القائمة على البعد المزدوج أو الثنائي. فهي تتكون من جزءين وتحيل على لونين هما الأبيض والأسود وتتشكل شخصوها من مجموعتين إحداهما تابعة للمقنع والثانية تابعة للخليفة، كما يسري بين ثنايا حواراتها خطابان هما : خطاب الدين وخطاب السلطة، أو بعبارة أخرى خطاب ميتافيزيقي وخطاب سياسي.

وسواء انطلقنا من الموضوع الممسرح أو من الكيفية التي بُني بها، فإن سؤالا أساسيا يقفز إلى الذهن : أية علاقة يقيمها متخيل هذه المسرحية مع المشروع الفكري لعبد الكبير الخطيبي والقائم على ما سماه بـ”النقد المزدوج” ؟

للإجابة عن هذا السؤال ، يتعين استحضار بعض المعطيات الدالة من أبرزها استفادة الخطيبي، كما يشير إلى ذلك هو نفسه في البرولوج، من فلسفة بورخيس حول الزمن واالمرايا والأبوة، واستقطابه للعديد من الشذرات الفلسفية داخل حوار المسرحية على الطريقة النتشوية ومنها : الحياة هي اللذة المتكررة، الخمرة لذة متناقضة، الحلم خرافة قاسية، الفضاء وهم شأنه شأن الزمان، اليد هي الوعي اتخذ صورة مشهد. علاوة على هذا تشير الإرشادات المسرحية إلى وجود مرآة ضخمة الهدف منها أن يرى الجمهور صورة المنظر منعكسة فيها. يتعلق الأمر إذن بنوع من المضاعفة المسرحية القائمة على” المرآوية” ولا يخفى ما لهذه الخاصية من بعد فلسفي.

كل هذه العناصر تؤكد أن الحدث التاريخي الذي تقوم عليه المسرحية ليس سوى ذريعة لكشف أشياء عميقة جدا تتصل بالخطابين السياسي والميتافيزيقي في الثقافة العربية الإسلامية، وبالتالي، بالعقل الذي أفرزهما. لذا، فإن الطاهر بن جلون كان محقا عندما قال عن مسرحية الخطيبي “النبي المقنع” نشيد ” معطر” حول المعرفة والفن وحول الكذب واللعب والمضاعفة وسخرية القدر . فاختيار موضوعة ” ادعاء النبوة ” يعكس رغبة الخطيبي في تسليط الضوء على زاوية أساسية من نقده المزدوج هي زاوية الذات بكل ما تحمله من أكاذيب سياسية ومغالطات ميتافيزيقية تقلص مساحة العقل لصالح اللاعقل.

ولعل ما يجعلنا نقرأ المسرحية في ارتباطها بالمشروع النقدي للخطيبي هو ما يعكسه النص الموازي لها المعنون ” المسرح لم يمت أبدا” حيث يقول فيه > فأنا أضحك، وأدور وأوجه فكرة المسرح نحو الشرق المنسي الذي مازالت مشاهده المذهلة تجري أمام أعيننا ولكن أشد عناصره سرية وعنفا لا يفهمها إلا العالمون بالأسرار< (5).

إن المسرح إذن يصبح تشخيصا للمنسي والمسكوت عنه وذلك في ضوء استراتيجية تقويضية تنصب على المكونات السياسية والميتافيزيقية في ثقافتنا. وبما أن الخطيبي مقتنع بأنه يكتب المسرح، فإنه يحاول ترجمة استراتيجيته الفكرية عبر رؤية جمالية تؤمن بأن “المسرح شعر” لكن ليس الشعر الذي يقوم على اللغة وحدها، وإنما يقوم على الحركة والنشيد والموسيقى والرقص أيضا، وينبثق بالتالي، من “ماقبل-اللغة “. إن استعمال الخطيبي لهذه الصيغة يحيلنا على ما قاله أنطونان أرطو في ” المسرح وقرينه”. ولا غرابة في ذلك ما دام التوجه المسرحي الجذري لأرطو قد استأثر باهتمام أحد أقطاب فلسفة الاختلاف هو جاك دريدا صاحب “الكتابة والاختلاف” الذي يستحضر الخطيبي بعض ملامح فلسفته التقويضية في نقده المزدوج.

يستخلص من هذا التحليل أن مسرحية ” النبي المقنع ” تجسيد جمالي لموقف فلسفي ينصب على الميتافيزيقا الشرقية التي رسخت قيم المطلق والمعجز واللازمني والوثوقي والمتطابق. ويستند هذا الموقف النقدي إلى جمالية مسرحية جذرية تحاول تحرير المسرح من سطوة اللغة وتعيدالاعتبار للأنساق ما قبل-لغوية.

2 – أوفيليا لم تمت : السخرية من واقع ساخن

مغامرة إبداعية تلك التي أقدم عليها نبيل لحلو عندما كتب مسرحية عبثية ” أوفيليا لم تمت ” في مغرب نهاية الستينات وبداية السبعينات. فمن الصعب التكهن بشروط تلقي مسرحية ساخرة مكتوبة بالفرنسية داخل واقع يمور بالتناقضات السياسية والاجتماعية ويفرز أسئلة ساخنة ومنظورات فكرية غير مألوفة تتبوأ فيها الماركسية مكانة خاصة. ويبدو أن نبيل لحلو لم يكن يكتب من خارج هذا المعمعان السياسي والثقافي. لذا فهو لم يراهن في مسرحيته على اللامعقول وحسب، وإنما راهن أيضا على السخرية السياسية مما جعله يشحن خطاب مسرحيته بأحلام الثورة المنشودة وبانتقادات سياسية مباشرة للواقع .

ولأن الأمر يتعلق برجل مهنة متشبع بثقافة مسرحية عالمية، فإن مسرحية ” أوفيليا لم تمت” تقوم على بنية إحالية واضحة المعالم تشيد عناصرها شخوص شكسبيرية هي هاملت وماكبث وأوفيليا، ويتم تشخيصها عبر نص محاكاتي ساخر يعيش فيه البطلان الشكسبيريان إعاقة اختيارية على المستوى الجسدي وذلك حتى يريحا وعيهما وينتظرا الثورة التي تأتي ولا تأتي : > هاملت : أشل جسدي حتى لا يسبب لي وعيي أي ألم < (6)،

وفي غمرة هذه الإعاقة تصبح أوفيليا رمزا للخلاص، ويتم بالتالي استحضارها عبر أحلام واستيهامات وأجواء عبثية ساخرة.

فعبر حوار يقوم على التداعي الحر واللعب بالكلمات والأصوات المحاكية والببغاوية تقوم مسرحية ” أوفيليا لم تمت ” برصد قضايا مسرحية وسياسية يتداخل فيها البعد الوطني بالبعد الإفريقي حيث تطرح وضعية المسرح والمسرحيين في مغرب فجر الاستقلال بموازاة مع قضية الإفريقي الأسود الذي يرزح تحت وطأة الاستبداد السياسي والعنصري. إن المسرحية تمزج قضايا المسرح بقضايا الواقع بكيفية مثيرة. ولعل هذا ما جعل رشيد بوجدرة يقول في حقها : > بعد ” أوفيليا لم تمت ” لم يعد من حق بعض المسرحيين الأفارقة الشماليين أن يقدموا لنا مسرحيات قديمة من ريبيرتوار رديء. فالأمر يتعلق، فعلا، بمنعطف ما دامت كل خيوط الدراما العربية التقليدية قد كُشفت ليس عبر درس تعليمي وممل، وإنما عبر متاهة مدوخة حيث يضيع المتفرج – الذي يُزج ويزعزع ويسحق حتى التخوم الأكثر غباء في وعيه السليم- معنى اللاواقع ويستعيد مسرحيا واقعه الخاص، ناقلا بكيفية مترنحة حقيقة مطالبه واستيهاماته وأحلامه <. وبالفعل، في “أوفيليا لم تمت” لا مكان للتعليمية رغم وجود خطاب سياسي مباشر، كل ما هنالك متاهة كلامية تتأرجح بين الوعي واللاوعي وتسخر، بمرارة، من واقع مسرحي واجتماعي غير ملائم، وتجعل الجمهور بالتالي يتطلع ويحلم بالثورة التي يتغنى بها هاملت في بداية المسرحية :

> هاملت : عندما تأتي هذه لثورة الملعونة

سنغادر المدينة

لنرحل للقمر

ونمارس الحب ، الحب

الحب ، الحب الحب < (7)

3- ” حفلة عشاء ” نوستالجيا الذاكرة المسرحية المغربية

تقوم مسرحية ” حفلة عشاء ” ( le diner de gala) على استعادة حدث مثير ترك أثره البليغ في ذاكرة المسرح المغربي، هو حدث هدم المسرح البلدي بمدينة الدار البيضاء بتاريخ 31 ماي 1984. فمن خلال استرجاع لحظات احتضار هذا المسرح وما قدم فيه من أعمال مسرحية ارتبطت برموز وطنية وعالمية، يقوم الصديقي بجولة نوستالجية في الذاكرة المسرحية السائدة في المغرب. فالصديقي بلور من خلال هذه المسرحية مجموعة من الهواجس والأفكار المتعلقة بالمسرح كفن له متعته وطرائفه، كما له معوقاته ومثبطاته. ولعل الخطاب الذي تكرسه المسرحية هو خطاب التمرد والتحدي لمواجهة المواقف الصادرة عن السلطات العليا التي هدفها هو تدمير المسرح وإقصاء المسرحيين. لذا، فشاطر باعتباره شخصية محورية، يحرض على التمسك بالإبداع والخيال ويؤكد أن المسرح لا يمكن أن يقوم دون هؤلاء المتمردين الذين يرفضون القوانين والقيم الزائفة. وبالمقابل فالصديقي يقوم بتسييس مسرحيته حيث يشير إلى موقف الصحافة من هدم المسرح البلدي. كما يقدم نموذجا لخطاب التماطل والتسويف الذي تنتجه السلطة من خلال شخصية موظف وزارة الثقافة وكذا المستشارالجماعي.

بموازاة ذلك تنتج المسرحية رؤية حنينية لماض مسرحي مشرق عرف بدعاباته وطرائفه حيث يخلط البعض بين ” هاملت” و” أومليت omelette ” (8)، كما عرف بمقاومة أصحابه لأنواع العراقيل المادية والمعنوية.

ولعل ما يستأثر بالاهتمام في هذه المسرحية هو أن السخرية الحادة المميزة للطيب الصديقي يعرف كيف يشخصها لغويا عبراللعب بالكلمات. فهو يتحدث مثلا عن شكسبير الذي تحول لدى البعض إلى ” sketch- pire”، والصديقي لا يسخر فقط بالفرنسية في هذه المسرحية ولكنه يقول شعرا أيضا. لذا نجد بعض المقاطع التي تقوم على المناجاة تفيض شاعرية ومنها مثلا المقطع الذي يناجي فيه علي شاطر الذي يقوم بدور المخرج والممثل في المسرحية – المرآة.

كل هذه العناصر جعلت من نص ” حفلة عشاء ” نصا يحمل قيمة تاريخية هامة بالنظر إلى نوعية الحدث الذي أقام عليه متخيله، كما يحمل قيمة جمالية هامة لاسيما وأن الصديقي كتبه بذاكرة المخرج التي تمور بمختلف الجزئيات وتستحضر ريبيرتوار مؤسسة مسرحية آلت إلى الهدم، وهي ذاكرة تسكنها الدعابة والسخرية ويعرف صاحبها كيف يشخصها بكل اللغات. ولا عجب أن يكون هذا الجانب هوالأكثر إثارة لاهتمام عبد الله الستوكي الذي كتب تقديما للمسرحية يؤكد فيه أن الطيب الصديقي حاول ” التعزيم ” على نظرية العوائق التي شكلت نسيج تاريخ المسرح و> هو يفعل ذلك بطريقته اللعبية المتميزة، ابتسامات ومرح وسخرية وتهريج. فموهبة الطيب الصديقي تحول، في هذا الاتجاه أو ذاك، الضحكة إلى تكشيرة، والتكشيرة إلى سخرية لطيفة < (9).

4 – ” تمارين في التسامح ” : التسامح لغة جسدية وكلامية

تشكل الكتابة المسرحية بالنسبة لعبد اللطيف اللعبي الشاعر والروائي ضربا من ” عودة المكبوت” في تجربته الإبداعية، ذلك أنه سبق له أن عاش تجربة مسرحية تعرضت للإحباط والمنع، وهي تجربة المسرح الجامعي المغربي التي أسسها إلى جانب أسماء أخرى سنة 1964. لذا، فهو يعتبر عودته إلى المسرح نوعا من ” الهجوم الوحشي ” على عالم يضاهي في شراسته ونفاذه واستفزازيته قوة المنع التي ووجهت بها رغبته المسرحية الأولى.

ولعل المثير في تجربة اللعبي المسرحية التي تعكسها مسرحيتان مثيرتان له هما ” التعميد الثعلبي ” (10) ، ثم ” تمارين في التسامح ” ( Exercices de tolérance) هو استنادهما إلى وعي جمالي يرى أن الممارسة الشعرية هي ” الأخت السييامية للمسرح ” (11) . مع أن هذا الأخير يبدو أكثر شمولية لأنه يقوم على شعرية الجسد والكلمة في آن واحد. لذا، فإن ممارسة التسامح في المسرحية تتم بلغتي الجسد والكلام في آن واحد وذلك رغبة في تحويل الخطاب اليوتوبي حول هذه القيمة الإنسانية إلى خطاب واقعي، بل ويومي.

فمن خلال عشرة مشاهد، تقوم المسرحية بتركيب مجموعة من الحكايات الصغرى تشخص التسامح باعتباره قيمة حضارية بين الشرق والغرب، وذلك من خلال اللقاء بين شهرزاد ورامبو الشاعر، وقيمة اجتماعية تندرج في سياق اليومي من خلال العلاقة بين الرجل وزوجته، وبين السجان ومسجونه وبين الشطاب والناس الذين يمرون به كل يوم. ثم قيمة لغوية وثقافية تتجلى في الحوار بين الناس رغم اختلاف لغاتهم ( كارمن الاسبانية، فرانسواز الفرنسية، وفاطمة العربية). علاوة على هذا، فالتسامح يصبح قيمة روحية تجعل الآلهة نفسها تغفر للسارق سرقته ( السارق الذي يسرق الهدايا المقدمة للتمثال).

كل هذه الأبعاد التي يتخذها التسامح في مسرحية اللعبي تمت ترجمتها- حسب سلفي كايو عبر > كتابة مباشرة تبحث عن المعنى التام للكلمات، لكنها تعرف كيف تلعب أيضا بالشعر والغنائية وتستعمل، بحدة، الفكاهة والسخرية والرقة والإثارة <. لذا، فإن رهان اللغة رهان أساس في هذه المسرحية التي تجعل حوارها يتأرجح بين الكثافة والاقتصاد اللغوي، وبين الجدية والسخرية التي تصل إلى حد الإثارة في بعض الأحيان.

*****

مما لا شك فيه أن هذه القراءة الأولية في نماذج مسرحية مغربية مكتوبة بالفرنسية قد جعلتنا نكتشف متخيلا خصبا يلامس موضوعات مختلفة ويضفي عليها أبعادا إنسانية عميقة، كما أن طرق التشخيص المسرحي لهذه الموضوعات قد جعلتنا نقف على كتابة متميزة تستثمر إمكانات متنوعة من أهمها السخرية اللغوية والشاعرية، دون أن تسيج نفسها بمفهوم النوع الدرامي. ونظرا لأهمية الريبيرتوار المسرحي المغربي المكتوب بالفرنسية، فإننا نتمنى أن نتمكن مستقبلا من إنجاز دراسة شاملة عنه تحيط بمختلف مظاهره الإبداعية.

——————————————

الهوامش

1- انظر فصل ” المغامرة الكبرى للمسرح وتكوين الفرق ” ضمن كتاب : أبحاث في المسرح المغربي ، للدكتور حسن المنيعي، ص 37 وما بعدها.

2- Rabah Noureddine Saadi : La nationnalité littéraire en question (S) : exercices à propos de la littérature Algerienne de langue Française , in Nouveaux enjeux culturels au Maghreb , éd du C N R S 1986 , p 231

3- انظر عناوين بعض المسرحيات ضمن الكتاب الذي أشرف على جمع مواده الدكتور عبد الرحمن بن زيدان بعنوان : ” محمد تيمد : الغائب الحاضر ” ،منشورات جامعة مولاي اسماعيل – مكناس، 1994، ص 159 وما بعدها .

4- قام بترجمة هذا النص إلى العربية الدكتور محمد الكغاط ونشر ضمن سلسلة ” من المسرح العالمي ” الكويتية، العدد 261، أول فبراير 1993.

5- عبد الكبير الخطيبي : المسرح لم يمت أبدا في : ” النبي المقنع ” ترجمة محمد الكغاط ص 147

6 – Nabyl Lahlou : Ophilie n’est pas morte , éd Le Fennec , 1987 , p 34

7 – نفسه ص 5

8- Tayeb Saddiki : Le dîner de gala, éd EDDif , 1990 , p 42

9- Abdallah Stouki , Avant -lire , in Le diner de gala , p p 7 , 8

10- انظر دراستنا عن هذ المسرحية : حسن يوسفي : “عندما يتحول المتخيل إلى يوتوبيا جميلة ” العلم الثقافي ، السبت 18 مارس 1995.

11- Abdellatif Laabi – Apendice , in Le baptême chacaliste , éd L’Harmatan , 1987 , p 60