دفاعا عن التأويل المضاعف

adminBengrad2021
2021-06-04T11:45:33+00:00
العدد الحادي عشر
17 أغسطس 2020205 مشاهدة

جوناتان كالر

ترجمة سعيد بنكراد

تقديم

نقدم للقارئ العربي فيما يلي ترجمة لمقال هام يتعلق بما يسميه المؤلف “التأويل المضاعف” . وهو في الأصل نص المداخلة التي شارك بها جونتان كالر ، أستاذ الأدب المقارن ومدير: Society for the Humanities بجامعة كورنيل بالولايات المتحدة الأمريكية، في مناظرة كان إيكو قد دعي للمشاركة فيها وألقى خلالها ثلاث محاضرات حول التأويل والتأويل المضاعف. الأولى بعنوان : “التأويل والتاريخ” ، أما الثانية فعنوانها : “التأويل والتأويل المضاعف” ، وأما الثالثة فكان عنوانها : “بين المؤلف والنص “. ولقد أنيط بجوناتان كالر مهمة الدفاع عن “التأويل المضاعف” وإبراز أهميته في قراءة النصوص والكشف عن دلالاتها. وما كان لهذا الدفاع أن يتم دون فحص وتمحيص الآراء الواردة في محاضرات إيكو وكذا بعض آراء رورتي. وبحضورالمؤلفين وأمامهما ( إيكو ورورتي ) لم يتردد كالر في توجيه سلسلة من الانتقادات اللاذعة لتصورات إيكو ورورتي. ولن نتحدث في هذا التقديم المقتضب عن مضمون المقال – فالنص بين يدي القارئ – بل نكتفي فقط بتسجيل ملاحظة واحدة تتعلق بالجو الصحي الذي يسود المناظرات والندوات هناك حيث لا أحد يملك الحقيقة المطلقة ولا أحد في منأى عن النقد ولا أحد في يده مفاتيح المعرفة. وإن ما نقدمه لنموذج لحوار صحي وجدي وعلمي بين باحثين يهدفون، كل من موقعه، إلى الإسهام في تطويرالمعرفة وإغنائها.

النص مأخوذ من كتاب :de la p 101 à la p 114 Interprétation et surinterprétation , ed P U F , 1996

التــرمجـة

إن دراسة رورتي الواردة في هذا الكتاب(1) ليست ردا على أومبيرتو إيكو، بقدر ما هي تعليق على عرض قديم موسوم بـ >قصدية النص<(intentio operis ) كان إيكو قد بلور فيه تصورا مختلفا شيئا ما عما يشكل موضوع هذه المحاضرات. وسأحاول في هذه الدراسة تقديم سلسلة من الملاحظات الخاصة بالمحاضرات التي ألقاها أومبيرتو إيكو تحت عنوان >التأويل والتأويل المضاعف<، لأعود بعد ذلك إلى مناقشة بعض الآراء الواردة في عرض رورتي.

إن القناعة التداولية القائلة بإمكانية التخلص من كل المشاكل القديمة، وكل التمييزات القديمة للوصول إلى حالة نقاء سعيد حيث إن >الشيء الوحيد الذي يمكن أن نفعله هو أن نستعمل هذا الشيء< كما يقول رورتي، هي قناعة تتميز بالبساطة. ومع ذلك، فإنها تغفل المشاكل التي واجهت أومبيرتو إيكو وغيره، بدءا من معرفة الكيفية التي من خلالها يستطيع نص ما تجاوز الإطار المفهومي الذي يؤول من خلاله. إنها مشاكل لن تختفي – في اعتقادي – من خلال توجيهات تداولية تقول بعدم الاكتراث بالتأويل والاكتفاء بالتلذذ.

عندما دعيت للمشاركة في هذه المحاضرات، وعلمت أن عنوانها هو : “التأويل والتأويل المضاعف”، خمنت أن دوري يجب أن يكون هو الدفاع عن التأويل المضاعف. ولقد أدركت أن مهمتي لن تكون سهلة، فقد سمعت مرات عديدة أومبيرتو إيكو يتحدث، كما أعرف موهبته في القص، وكذا روحه المتقدة وحيويته. ومع ذلك فأنا سعيد بقبول هذا الدور والدفاع عن مبدأ التأويل المضاعف.

إن التأويل في ذاته ليس في حاجة إلى من يدافع عنه، فهو معنا في كل لحظة، إلا أنه لا يثير اهتمامنا إلا حين يبلغ حدوده القصوى، شأنه في ذلك شأن كل الأنشطة الثقافية الأخرى. فلا جدوى من التأويل المعتدل – ذاك الذي يعبر عن نوع من الإجماع – رغم أهميته في بعض السياقات. ولقد قدم لنا شيستيرتون G . F Chestertonصياغة جيدة لهذه المسألة قائلا >إما أن النقد لا يصلح لأي شيء (إنه موقف يمكن الدفاع عنه)، وإما أنه يعني إمكانية قول أشياء عن المؤلف تجعله يتحرك في قبره<.

إن الإتيان بتأويلات تخص الأعمال الأدبية لا يجب – كما سأوضح ذلك لاحقا – أن ينظر إليها باعتبارها الهدف الأسمى، كما لا يمكن النظر إليها باعتبارها هدف الدراسات الأدبية. ومع ذلك، إذا كانت مهمة النقاد هي بلورة واقتراح تأويلات، فعليهم في هذه الحالة أن يمارسوا ضغطا تأويليا لا هوادة فيه، وأن يطلقوا العنان لأفكارهم لتجوب كل الآفاق.

إن التأويلات >المتطرفة< كثيرة، وكثيرة أيضا التأويلات المعتدلة، إلا أنها في الحالتين لم تخلف أي أثر يذكر، فهي غير مقنعة وحشوية وغير ملائمة ومملة. أما إذا كانت هذه التأويلات قصوى، فإنها ستحظى بالكثير من الاهتمام، وستكون لها القدرة على الكشف عن العلاقات والترابطات التي لم يُكشف عنها من قبل، أو التي لم يُفكر فيها من قبل. إنها علاقات وترابطات ما كان من الممكن الحصول عليها لو بقي التأويل في حدوده الدنيا أو المعتدلة.

وأود أن أضيف هنا أن كل ما يمكن أن يقوله أومبيرتو إيكو وما قاله في محاضراته الثلاث، وكذا كل ما كتبه في رواياته وأعماله المتعلقة بالنظرية السميائية كفيل بأن يقنعني بأنه – في داخله وفي حميمية روحه الهرمنطيقية التي تقوده نحو أولئك الذين يطلق عليهم >مريدي القناع< – من الذين يؤمنون بأن التأويل المضاعف أكثر أهمية من غيره، ويعد الأصلح، من الناحية الثقافية، من التأويل الأدنى أو المعتدل. فلا يمكن لإنسان لم يعش بعمق جاذبية >التأويل المضاعف< أن يكون قادرا على خلق شخصيات، وخلق ذلك الهوس التأويلي الذي يسكن رواياته. فأومبيرتو إيكو لا يتوقف في محاضراته كثيرا عند التأويل الأدنى أوالملائم أوالمعتدل لأعمال دانتي، إنه على العكس من ذلك يحاول إحياء وبعث الروح في تأويل مبالغ فيه يعود إلى ما ينسب لوردة الصليب (rosicrucienne) (2) وهو تقليد يعود إلى القرن التاسع عشر. إنه تأويل لم يكن له، كما يؤكد ذلك إيكو، أي أثر على النقد الأدبي وتم تجاهله حتى اكتشفه هو وحث طلبته للاشتغال بهذا النوع من الممارسة السميائية الهامة.

وإذا كان في إمكاننا أن نحقق تقدما من خلال التأويل والتأويل المضاعف، علينا أن نهتم أولا بالتعارض القائم بينهما في ذاته، وهو أمر لا يخلو من مجازفة.

إن فكرة التأويل المضاعف لا تستند فقط إلى معارضة مبدئية مرتبطة بأفضلية أحدما على الآخر، بل تهمل أيضا، فيما يبدو، ما يود الأستاذ إيكو نفسه أن يحدثنا عنه. إن التأويل المضاعف شبيه بالتغذية المفرطة. فهناك طريقة رزينة في الأكل أو التأويل، ولكن هناك أناس لا يتوقفون حيث يجب عليهم أن يتوقفوا، إنهم يواصلون الأكل والتأويل بإفراط مما يؤدي إلى نتائج وخيمة.

ولنأخذ، مع ذلك، الحالتين الرئيستين اللتين تحدث عنهما إيكو في محاضرته الثانية. فما كتبه روسيتي عن دانتي لا يمكن أن يدرج ضمن التأويل العادي واللائق. إن هذا التأويل يذهب بعيدا، ويؤول كثيرا أو يغالي في التأويل. إلا أن ما يسيء، في تصوري على الأقل، إلى التأويل الذي يعطيه روسيتي لدانتي هو أنه يعتمد على قضيتين التأليف بينهما قاتل، ولم يتم التنبه له إلا بعد أن أثار الأستاذ إيكو وجوده. لقد كانت محاولة روسيتي، في البداية، تكمن في تحديد ثيمة تحيل على >وردة الصليب< انطلاقا من عناصر يضمها موتيف غير ثابت الوجود في واقع الأمر في أعمال دانتي، – ومن ذلك طائرالبجع الذي لا يظهر كثيرا في القصيدة رغم أن غياب هذا الظهور لا يشكل حجة مقنعة -.

وراح يبحث، في المقام الثاني، عن تفسير للأهمية التي تكتسيها هذه الموتيفات (دون أن يستطيع البرهنة على ذلك) باعتبارها تشير إلى التأثير المفترض الذي قد يكون تقليد سابق قد مارسه على دانتي، دون أن تكون هناك أي شهادة مستقلة حول ذلك. ومن الصعب جدا أن نتحدث هنا عن تأويل مضاعف. وإذا كان من الضروري أن نجد تسمية لهذا النوع من التأويل فمن الممكن أن نطلق عليه : >التأويل الناقص<: إن التأويل يفشل في استيعاب عدد كاف من عناصر القصيدة، كما أنه لم يستطع استحضار النصوص السابقة فعليا ليقف فيها على أثر خفي لمذهب “وردة الصليب “، ويحدد علاقات التأثير الممكنة.

أما المثال الثاني الذي يقدمه الأستاذ إيكو في محاضرته الثانية فيتعلق بعينة من تأويل عادي قدمه هارتمان لقصيدة ووردزورث : A slumber did my spirit seal وهو تأويل صاغه من منظورالفنون الجميلة. إن علاقة هارتمان بالتفكيكية علاقة ضعيفة جدا، مردها وجوده في يال Yale، موطن أشخاص أمثال بول دومان وباربارا جونسون و ج. هليليس ميلر وجاك دريدا وكلهم يمارسون القراءة التفكيكية.

ويكشف أسلوب هارتمان في هذا المثال، بطريقة تقليدية نوعا ما، عما اعتدنا اعتباره علامة على الحساسية الأدبية، ويتعلق الأمر بوجود صدى لأبيات شعرية أخرى أو كلمات أخرى أو صور أخرى في البيت الشعري. ففي diurne ( diurnal)مثلا- وهي كلمة لاتنية تتمتع، في سياق الإلقاء الشعري، بنوع من الأهمية، يعثر على إشارات إلى موتيف يحيل على >الحزن<، أي لعب ممكن بالكلمات : ” die-urn” ( die-urn-al). أما كلمة tears (الدموع) فيقول إنها موحى بها من خلال السلسلة الإيقاعية : fears,hears, years . (3)

إن هذا المقطع التأويلي البسيط يمكن أن يصبح ما يشبه التأويل المضاعف إن كانت لهارتمان طموحات كبيرة في هذا الاتجاه. مثال ذلك القول بأن trees (الأشجار) لا تنتمي إلي آخر بيت من القصيدة : Rolled round in earth’s diurnal course,/ With rocks and sto nes and trees لأن الأشجار تتدحرج كما تتدحرج الصخور أو الأحجار أو الدموع. وكان بإمكانه القول أيضا أن نظاما طبيعيا للبيت السابق : she neither hears nor sees ( فهي لا تسمع ولا ترى) كان من الممكن أن يكون she neither sees nor hears ( فهي لا ترى ولا تسمع). وفي هذه الحالة كان من الممكن أن يحيل، باعتباره آخر قافية في البيت، على ما يشبه tears عوض trees.

وفي هذه الحالة، كان من الممكن أن يخلص (كما يفعل ذلك مريد جيد من >مريدي القناع<) إلى أن الدلالة السرية لهذه القصيدة الصغيرة هي ذلك الإرغام الذي تحدثه tears (الدموع) التي عوضت بـ tree (الشجرة) (الأشجار تخفي الغابة). وفي هذه الحالة نكون أمام تأويل مضاعف. وكان من الممكن إذن (حتى وإن لم نقبل بهذا التأويل) أن يصبح للقصيدة أهمية كبرى وتكتسب مزيدا من الإيضاحات تفوق تلك التي يقدمها هارتمان، رغم أننا نرى فيها فقط ممارسة رائعة لما يمكن أن يعبر عن الحساسية الأدبية التي تقود إلى الكشف عن >الإحالات< المختفية في لغة الشاعر أو في ثناياها.

إن المثال الأكثر وضوحا للتأويل المضاعف الذي يقدمه إيكو، كما هو الحال في تأويل believe me،( صدقوني) يمكن أن يكون تأملا في الطابع الدلالي العام أو تأملا في الجمل الاصطلاحية التي لها دلالة اجتماعية منتظمة. فإذا حييت أحد معارفي قائلا >هيه، إنه يوم جميل، أليس كذلك !< فإني لا أتوقع أن يتمتم قائلا : >إني أتساءل ماذا يعني بهذه الجملة ؟ هل يعني أنه ليس متأكدا من أن الجو جميل أو هو ليس كذلك، فلهذا يريد مني تأكيد ما قال ؟ وفي هذه الحالة، لماذا لم ينتظر جوابي، أو أنه يعتقد أني لا أستطيع تحديد طبيعة هذا اليوم، ولهذا فهو يعتقد أنه مضطر لإخباري بذلك ؟ أم أنه يوحي إلي، وهو يجتازني، بأننا نعيش يوما جميلا على عكس الأمس، حيث كان بيننا حديث طويل ؟< هذا ما يسميه إيكو بـ >الذهان التأويلي<. وإذا كنتم لا تهتمون إلا بالإرساليات المبثوثة، فإن التأويل الذهاني سيكون بلا جدوى. ولكن ألا يمكن القول، في الوسط الأكاديمي على الأقل، بما أن الأشياء هي كما هي، أفلا تكون جرعة بسيطة من البرانويا أمرا ضروريا من أجل تقويم صحيح للأشياء.

وبالإضافة إلي ذلك، إذا كان اهتمامك لا ينحصر في الإرساليات الموجهة إليك، بل يتعداه إلى فهم ميكانيزمات التفاعل اللساني والاجتماعي، فسيصبح مجديا التوقف من حين لآخر للتساؤل : لماذا يتفوه شخص مثلا بشيء بالغ الوضوح والمباشرة : >إنه ليوم جميل أليس كذلك<؟ ماذا يعني أن تكون هناك طريقة عادية للتحية؟ ما هي طبيعة هذا داخل ثقافة ما في تقابلها مع ثقافات قد تمتلك أشكالا أو عادات لغوية مختلفة؟

إن ما يسميه إيكو >تأويلا مضاعفا< يمكن أن يكون في الواقع ممارسة تضع أسئلة ليست ضرورية في التواصل العادي، ولكنها تمكننا من التفكير في طرق اشتغالها.

وأعتقد أن هذه المسألة في عموميتها، وكذا المسائل التي يريد إيكو أن يحدثنا عنها، تتمتع في الواقع بفهم أفضل عندما نتناولها في ضوء التقابل الذي صاغه واين بوث منذ سنوات في كتاب بعنوان: Critical understanding . فعوض أن يقابل بين التأويل والتأويل المضاعف، فإنه يقابل بين undestanding (الفهم ) وبين overstanding ( التقويم المضاعف) (*). إنه ينظر إلى الفهم كما يفعل ذلك إيكو انطلاقا من نموذج شبيه بالقارئ النموذجي. إن الفهم ( undestand ) هو وضع أسئلة والبحث عن أجوبة يشيرإليها النص بإلحاح. إن جملة مثل >يحكى أنه كان هناك ثلاثة خنازير< تستدعي التساؤل التالي >ماذا جرى< ؟ وليس >لماذا ثلاثة<؟ أو >ما هوالسياق التاريخي الملموس مثلا<؟ أما الفهم المضاعف ( overstanding) فعلى العكس من ذلك، فإنه يقوم بإثارة مجموعة من الأسئلة لا يطرحها النص على قارئه النموذجي.

إن مزايا التقابل الذي يقدمه بوث، وهي مزايا أفضل من تلك التي نعثر عليها في نموذج إيكو، تكمن في أنها تقيم تحديدا سريعا لدور وأهمية الفهم المضاعف. إنه تحديد أفضل بكثير من تلك الممارسة التي تسمى -بدون حق- تأويلا مضاعفا. وكما يعترف بوث بذلك، فقد يكون الأمر هاما ومجديا أن نضع أسئلة على النص لا يدفعنا هو إلى وضعها. ومن أجل توضيح ماهية الفهم المضاعف، فإن بوث يضع الأسئلة التالية :

>عما ستحدثيننا، أنت يا حكاية من حكايات الأطفال، البسيطة ظاهريا، أنت التي تحكين لنا قصة الخنازير الثلاثة والذئب، وماذا تقولين عن الثقافة التي تحافظ عليك وتقدرك ؟ ماذا تقولين عن الأحلام اللاواعية للمؤلف أو الشعب الذي أبدعك؟ وماذا تقولين عن العقدة السردية؟ وعن علاقات الأجناس البينة منها والغامضة؟ ماذا تقولين عن الكبار وعن الصغار وعن الأشعر والأصلع، عن النحيفة والسمينة؟ وماذا تقولين عن النماذج الثلاثية في التاريخ؟ وماذا تقولين عن الثالوث؟ ماذا تقولين عن الكسل والصناعة وعن البنية العائلية، وعن المعمارالمحلي وعن ممارسة الحمية وعن معاييرالعدالة والانتقام؟ ماذا تقولين عن قصة التحكم في الرؤية السردية من أجل إشاعة جو من اللطف؟ أيستحسن أن يقرأك الأطفال أو يستحسن أن يسمعوك كل ليلة ؟ وهل سيُسمح بتداول قصص من نفس النوع عندما نبني دولتنا الاشتراكية؟ ما هي التداعيات الجنسية لهذه المدخنة أو هذا العالم الذكوري المحض حيث يتم التكتم عن ذكر الجنس؟ ماذا يمكن قوله عن كل هذا الإخراج؟

وفي اعتقادي، يمكن النظر إلى هذا الفهم المضاعف باعتباره تأويلا مضاعفا. فإذا كان التأويل يكمن في إعادة بناء قصدية النص، فإن الأسئلة السابقة لا تستقيم داخل هذا التصور. إنها تساؤل عما يمكن أن يصنعه النص وكيفية فعل ذلك : كيف يصبح هذا النص تقليدا لنصوص وممارسات أخرى. إنها تساؤل حول ما ينصح به النص وما ينهى عنه، حول ما يوصي به أو ما يتواطؤ معه. هناك ممارسات نقدية عديدة لا تطرح على نفسها أسئلة تخص ما يدور في خلد النص، بل تتجه نحو ما ينساه، إنها لا تسائل ما يقول بل ما يبدو وكأنه شيء بديهي.

ولقد نعت فراي في كتابه >تشريح النقد< الممارسة التي تجعل من الكشف عن نوايا النص هدفا للدراسات الأدبية بالتصور النقدي الجدير بـ الليتل جاك هورنر (Little Jack Horner) . إن الفكرة التي تجعل من العمل الأدبي كعكة يحشوها المؤلف >بعدد خاص من الجماليات والتأثيرات، ويقوم الناقد كما يفعل جاك هورنر، باستخراجها، بمتعة، واحدة واحدة قائلا : ” ما أحسنني من ولد “. إن فراي يعلق على هذه الفكرة بدعابة نادرة قائلا : ” إنها إحدى سمات الجهل البذيء الناتج عن النقد السيء”<.

إن البديل عند فراي، هو بطبيعة الحال، إقامة شعرية تقوم بجرد المواصفات والاستراتيجيات التي يعتمدها النص في إنتاج وقعه. فهناك أعمال نقدية شامخة تعد تأويلا من حيث إنها انصبت على أعمال خاصة، ولكن هدفها لم يكن بالأحرى إعادة بناء دلالة هذه الأعمال، بقدر ما كان استكشافا للميكانيزمات أو البنيات التي من خلالها تشتغل هذه الأعمال. وبهذا فإنها تلقي أضواء على القضايا العامة المتعلقة بالأدب والحكي واللغة التصويرية والثيمات إلخ .

وإذا كانت اللسانيات لا تروم تأويل ملفوظات لغة ما، بل تسعى إلى بناء نسق القواعد المكونة لها التي تسمح لها بالاشتغال، فهذا أيضا حال مجموعة كبيرة من الأشياء التي يمكن اعتبارها – خطأ- تدخل ضمن ما يسمى بالتأويل المضاعف، أو أكثر من ذلك ضمن الفهم المضاعف. إنها في واقع الأمر لا تشكل سوى محاولة لربط النص بالميكانيزمات العامة للحكي والصور والإيديولوجيا. إن السميائيات، علم العلامات، الذي يعد إيكو من أبرز ممثليها، تقوم، بالضبط، بالتعرف على الأسنن والميكانيزمات المنتجة للدلالة داخل مناطق متعددة من الحياة الاجتماعية.

وعلى هذا الأساس، فإن القضية المركزية في رد رورتي على الأستاذ إيكو (4)، لا تقود إلى القول بانعدام الفرق بين استعمال نص ( لغاياتنا الخاصة) وبين تأويله (5)- وفي الحالتين نحن أمام استعمال النص – بل تكمن في التخلي عن البحث عن أسنن، أو الكشف عن الميكانيزمات البنيوية، لنكتفي فقط بالتلذذ بـ>الدينصورات وبالصيد والرضع والاستعارات< دون فحصها ومحاولة دراستها. ويعود رورتي في نهاية رده إلى هذه الفكرة ليؤكد أننا لسنا في حاجة لكي نتعب أنفسنا في البحث عن كيفية اشتغال النصوص. فهذا لا يختلف عن فك رموز البرامج الفرعية لمعالجة النصوص المكتوبة باللغة البازيكية ( en basic). علينا استعمال النصوص، تماما كما نستعمل معالجة النصوص، جاهدين، من خلال ذلك، قول أشياء ذات أهمية.

ولكن هذا التأكيد يحتوي على تمييز بين استعمال برنامج لمعالجة النصوص وبين تحليلها وفهمها، وربما من أجل اختبارها وملاءمتها مع غايات لا تجيب عنها إلا بشكل عرضي. إن دعوة رورتي إلى هذا التمييز يمكن النظر إليها باعتبارها تفنيدا لما يؤكده عندما يقول ” إن الشيء الوحيد الذي يمكن لأي كان أن يفعله بالنص هواستعماله”، أو اعتباره إشارة إلى وجود اختلافات دالة ناتجة عن استعمالات مختلفة للنص.

ويمكننا في الواقع أن نوسع من دائرة ما يقوله رورتي لنقول بأنه إذا لم يكن الكشف – من زاوية دراسة أكاديمية – عن طرق اشتغال الحواسيب واللغات الطبيعية والخطابات الأدبية في الإعلاميات واللسانيات والنقد ونظرية الأدب، فإن القضية هي بالضبط الوصول إلى تحديد طرق اشتغال هذه اللغات ودراسة ما يجعلها قادرة على الاشتغال، وشروط تنوع اشتغالها. فإذا كنا نتحدث الانجليزية بطلاقة دون أن نهتم ببنياتها، فإن هذا لايعني أن محاولة وصف هذه البنيات سيكون أمرا عبثيا. إن الأمر يعود فقط إلى أن الهدف من اللسانيات ليس هو جعل الناس يتكلمون الانجليزية بطلاقة.

إن المضلل في الدراسات الأدبية هو أن الكثيرين ممن يحاولون تحليل المظاهر اللغوية والنسق والبرامج الفرعية للأدب، إذا جاز التعبير، يعتقدون أن ما يقومون به هو تأويل للعمل الأدبي. وإلى هذا يعود الانطباع، كما يلاحظ ذلك رورتي، بأن هؤلاء لا يقومون إلا باستعمال الأعمال الأدبية لقص حكايات عن العدد الذي لا يحصى من قضايا الوجود الإنساني.

وقد لا يكون لهذه الاستعمالات سوى علاقة واهية مع الطريقة التي تشتغل بها الأعمال الأدبية، أو مع الأبحاث المرتبطة بها. ومع ذلك، فعادة ما يلعب بحث من هذا النوع دورا هاما في هذا المشروع حتى ولو لم يكن ذلك باديا في الحكاية التأويلية.

إن الأهم من ذلك كله هو أن المجهود الذي يبذل من أجل فهم كيفية اشتغال الأدب هو هدف عقلي سليم حتى ولو لم تكن أهمية ذلك بنفس أهمية المجهود المبذول من أجل فهم اشتغال اللغات الطبيعية أو فهم خصائص برامج الحاسوب. والحال أن تكون الدراسة الأدبية تخصصا هو بالضبط المحاولة الرامية إلى تنمية فهم منهجي للميكانيزمات السميائية للأدب، وكذا مختلف استراتيجيات أشكاله.

إن الشيء الغائب في رد رورتي هو الوعي بأن الدراسات الأدبية يمكن أن تكون شيئا أكثر من مجرد محبة شخصيات أو استجابة لها، أوالبحث عن الثيمات في الأعمال الأدبية. إن رورتي يتصور أناسا يستعملون الأدب ليعرفوا أشياء خاصة بهم -وهو ما يشكل بالتأكيد استعمالا هاما – ولكنه لا يتصور أنهم سيكونون قادرين على معرفة شيء ما عن الأدب. ومن الغريب أن تتجاهل حركة فلسفية تطلق على نفسها اسم >التداولية< هذا النشاط العملي الذي يمكن من خلاله اكتساب معرفة خاصة بطريقة اشتغال إبداعات إنسانية كالأدب. فكيفما كانت المشاكل الإبستمولوجية التي تثيرها فكرة >معرفة< الأدب، فمن الواضح، من الناحية العملية، أن الذين يدرسون الأدب لا يكتفون ببلورة تأويلات (استعمالات) تتعلق بأعمال خاصة، بل يكتسبون أيضا فهما عاما لفحوى وكنه الأدب وأبعاده وممكناته وبنياته المميزة.

بيد أن ما أثار حفيظتي على نحو خاص في التداولية الأمريكية المعاصرة (كما هو الشأن مع رورتي وفيش مثلا) هو أن أشخاصا وهم يتبوؤون مكانة مهنية رفيعة من خلال مشاركتهم في نقاشات صاخبة مع أعضاء آخرين ينتمون إلى حقل أكاديمي معين كالفلسفة أوالدراسات الأدبية، ومن خلال تمييزهم بين المصاعب التي تطرحها تصورات سابقيهم وكذا هشاشتها، وباقتراحهم لإجراءات أخرى وغايات أخرى، إن هؤلاء الأشخاص بمجرد ما يحققون شهرة مهنية يغيرون فجأة مسلكهم ويرفضون فكرة وجود نظام من الإجراءات وكذا وجود نظام معرفي تكون عملية البرهنة داخله ممكنة. وتبعا لذلك فإنهم يقدمون الحقل الأكاديمي باعتباره مجرد مجموعة من الأشخاص يقرؤون الكتب ويحاولون أن يقولوا بصددها أشياء مهمة. إنهم بذلك يسعون إلى تدمير البنية التي أوصلتهم إلى هذه المكانة، وهو ما كان سيسمح لآخرين الوصول إلى نفس الموقع ومعارضة آرائهم.

وذاك هو موقف ستانلي فيش مثلا. فقد بلور مجموعة من الحجج النظرية حول طبيعة الدلالة الأدبية ودور سيرورة القراءة، مدعيا أن الذين عالجوا هذه القضايا قبله كانوا على ضلال. وما أن استقر به الحال في هذا الموقف، حتى انقلب عليه قائلا : >لا وجود لأي شيء في الواقع يسمح بالقول أننا على خطإ أو على صواب. ولا وجود لأي شيء من هذا في طبيعة الأدب أو القراءة. هناك فقط قراء ونقاد لهم بعض المعتقدات ولا يقومون إلا بما قاموا به. ولا وسيلة في أيدي قراء آخرين تسمح لهم بالطعن فيما أفعل، ذلك أنه لا وجود لموقف خارج المعتقد الذي قد نحكم من خلاله على سلامة مجموعة من المعتقدات<. وما يقوله رورتي في رده لا يشكل سوى نسخة أقل ابتهاجا فيما يسميه بـ>مسير التداولي<.

إن كتاب رورتي ” L’homme spéculaire” كتاب دقيق من حيث التحليل الفلسفي وذلك لأنه يقارب الجهاز الفلسفي باعتباره نسقا يتمتع ببنية، ويكشف عن علاقات التناقض الموجودة بين مختلف أجزاء هذه البنية، تلك التي تعيد النظر في الطابع الأساس لهذا الجهاز. فأن تدعو الناس إلى التخلي عن أية محاولة للكشف عن البنيات والأنساق التي تسندها، والاكتفاء باستعمال النصوص للغايات الخاصة، معناه حرمان الآخرين من القيام بدورهم بما يسمح لهم باكتساب معرفة. وبنفس المعنى، سيكون من المجدي لطلبة الأدب ألا يتعبوا أنفسهم في محاولة فهم كيف يشتغل الأدب، وأن يكتفوا فقط بالاستمتاع به أو أن يقرؤوا أشياء حول الأدب أملا في العثور على كتاب قد يغير حياتهم.

إن هذه الرؤية الخاصة بالدراسات الأدبية تساهم، من خلال نفيها للبنية العامة للحجاج التي تمكن الشباب أو المهمشين من الاعتراض على تصورات هؤلاء الذين لهم باع طويل في ميدان الدراسات الأدبية، في جعل هذه المواقع بعيدة عن أي انتقاد وتقيم بالفعل بنية من خلال نفيها لعدم وجود بنية.

وهكذا يبدو أن النقطة المركزية في رد رورتي لا تعود إلى التمييز ( أو غياب التمييز ) بين التأويل والاستعمال، بل يتعلق بالتأكيد الذي وفقه يجب ألا نتعب أنفسنا في فهم طرق اشتغال النصوص، تماما كما لا تجدي معرفة الطريقة التي تشتغل الحواسيب وفقها، ذلك أنه بالإمكان استعمالها دون معرفتها. إن الدراسات الأدبية، وألح على ذلك، هي بالتأكيد محاولة لاكتساب معرفة من هذا النوع.

وأود أن أقدم بعض الملاحظات الخاصة بنقطة حاسمة تتعلق بالاتفاق الحاصل في وجهتي نظر رورتي وإيكو، وهي وجهة نظر لا أشاطرهما فيها. إنهما يتفقان على شيء واحد هو رغبتهما في إقصاء التفكيكية. وهذه الرغبة المشتركة تؤكد، رغم كل ما قيل، أن التفكيكية حية وهي كذلك بقوة. ومن الغريب أن كلا منهما يقدم وصفا لها يكاد يتناقض مع وصف صاحبه. فإيكو يرى فيها الشكل الأقصى للنقد المرتكز على القارئ، كما لو أن النص يدل على ما يود القارئ من النص أن يدل عليه(6). في حين يتهم رشار رورتي التفكيكية، وبول دو مان ( Paul de Man) بالتحديد، بأنه يرفض التخلي عن فكرة الوجود الفعلي للبنيات النصية، مع كل الإرغامات التي تفرضها هذه البنيات على القارئ الذي تقتصر قراءته على التعرف على ما هو موجود بشكل سابق داخل النص. إن رورتي يتهم التفكيكية بالتمسك بوجود مفترض للبنيات أو الميكانيزمات النصية الأساسية، ومواصلة الاعتقاد بإمكانية اكتشاف كيفية اشتغال النص. وفي تصوره، فإن التفكيكية على ضلال، ومرد ضلالها رفضها قبول أن القراء لا يملكون سوى طرق مختلفة في استعمال النصوص ولا أحد بينهم يمكن أن يقول شيئا أعمق من ذلك.

فهل حقا أن التفكيكية داخل هذا الاختلاف تقول إن النص يدل على ما يود القارئ أن يدل عليه، وأن النص لا يحتوي على بنيات يجب الكشف عنها ؟ إن رورتي أقرب إلى الحقيقة من إيكو. فعرضه يسمح على الأقل بشرح كيف أن التفكيكية يمكن أن تمنح النص القدرة على تدمير مقولات وتكسير انتظارات. وأعتقد أن إيكو ضلله هيامه بالحدود والتخوم. فهو يود القول إن النصوص تفتح أمام القارئ آفاقا واسعة ولكن ضمن حدود بعينها.

وعلى النقيض من ذلك، فإن التفكيكية تبرز أن الدلالة مرتبطة بالسياق- فهي نتاج علاقات داخل النص أو بين النصوص- إلا أن السياق نفسه غير محدود. فهناك دائما إمكانات سياقية جديدة يمكن إضافتها، بحيث إن الشيء الوحيد الذي لا نستطيع القيام به هو رسم حدود ما. لقد تساءل فيتغنشتاين : ” هل بإمكاني أن أقول “بيبيبي” bububu وأنا أود القول إنه إذا لم يكن الجو ماطرا، فإنني سأخرج للنزهة “. ويجيب : ” داخل اللغة وحدها نستطيع التعبير عن شيء من خلال شيء آخر”.

قد يتبادر إلى الذهن أن الأمر يتعلق بإقامة حدود من خلال الإصرار على أن “بيبيبي” لا يمكنها أن تدل على ذلك إلا إذا كانت اللغة مختلفة. إلا أن طريقة اشتغال اللغة، وخاصة اللغة الأدبية، لا تقبل أي محاولة لإقامة تخوم أو حدود قارة. فلو أن فيتغنشتاين استطاع إنجاز فعل يقود إلى إقامة حدود، فلكان من الممكن، في بعض السياقات ( خاصة في حضور أولئك الذين ألِفوا كتابات فيتغنشتاين) قول “بيبيبي” للإيحاء، على الأقل، بإمكانية الخروج للنزهة إذا لم يكن الجو ماطرا.

ولكن غياب حدود مفروضة على السميوزيس لا يعني، على عكس ما يخشاه إيكو، أن الدلالة هي إبداع حر للقارئ. إنها تبرز أن الميكانيزمات السميائية الممكن وصفها تشتغل بطريقة متواترة، ومن ثم لا يمكن التعرف على الحدود بشكل سابق.

ويشير رورتي، في معرض انتقاده للتفكيكية باعتبار عدم قدرتها على التحول إلى تداولية سعيدة، إلى أن الفلسفة عند دومان توفر خطاطات موجهة للتأويل الأدبي. والأمر يتعلق بتصور مغلوط يجب تصحيحه. إن تعلق دومان ببعض النصوص الفلسفية كان دائما تعلقا نقديا وفي أفق أدبي وبارتباط مع استراتيجياتها البلاغية. ونادرا ما كان ذلك من أجل بلورة منهج للتأويل الأدبي. ومع ذلك، فإن دومان لم يكن بالتأكيد يؤمن، كما يعتقد ذلك رورتي، أن الفلسفة والنصوص الفلسفية يجب أن لا يلقى لها بالا.

إن القراءات التفكيكية تبين بوضوح كيف أن القضايا التي تثيرها التمييزات المنتمية إلى التقليد الفلسفي حاضرة باستمرار، ولها وجود حتى في النصوص الأدبية المحض. إن ما يمنح التفكيكية بعدا أساسيا ودورا نقديا هو هذا الانخراط الدائم في كل التناقضات الهرمية التي تبنين الفكر الغربي، وهي تقابلات يتوهم البعض أنها انتهت إلى الأبد. إن هذه التقابلات الهرمية هي المؤسسة لمفاهيم الهوية وتشكل لحمة الحياة السياسية والاجتماعية. إن الاعتقاد بأننا قد تجاوزنا هذه التقابلات، سيقودنا إلى التخلي بلباقة عن الممارسة النقدية بدءا بالنقد الإيديولوجي.

لقد أشار بارث، الذي كان دائم التردد بين التأويل والشعرية، إلى أن الذين لا يعيدون القراءة سيحكم عليهم دائما بقراءة نفس القصة. إنهم لا يتعرفون إلا على ما سبق أن قرؤوه أو عرفوه. لقد كانت أطروحة بارث ترتكز أساسا على أن هناك طريقة للتأويل المضاعف – مثال ذلك الإجراء الاعتباطي القاضي بتقسيم النص إلى مقاطع، ومقاربة كل مقطع على حدة بحثا عن أشكال وقعه، حتى ولو كان المقطع عاديا ولايستدعي أي تأويل (7)-. إن هذا الإجراء يشكل وسيلة من أجل الوصول إلى اكتشافات تخص النص والأسنن وكل الممارسات التي تمكننا من تقمص دور القارئ.

إن طريقة لا تكتفي بأن تفرض على الناس، ليس فقط محاولة فهم العناصر التي تبدي مقاومة للطابع الكلي للدلالة، بل تسائل أيضا تلك التي لا تثير حولها أي نقاش، لها من الحظوظ في الوصول إلى اكتشافات (حتى وإنا كنا لا نتوفر،كما هو الأمر في الحياة ذاتها، على ضمانات على ذلك ) تفوق بكثير تلك التي تجعل البحث عن أجوبة يطرحها النص على قارئه النموذجي هدفا لها.

لقد ربط إيكو في بداية محاضرته الثانية التأويل المضاعف بما سماه ” الاندهاش المبالغ فيه “، أو بالنزوع الشديد إلى التعامل مع بعض العناصر باعتبارها دالة حتى ولو كان وجودها وجودا عرضيا. إن هذا “التشوه المهني” ، كما يصفه، الذي يفرض على الناقد أن يجهد نفسه لتأويل عناصر شتى من النص سيتضح، عكس ما يعتقد إيكو، أنه هو المصدر المفضل للعناصرالتي نبحث عنها في اللغة والأدب، والأمر يتعلق بميزة يجب أن ننميها لا أن نتحاشاها.

وسيكون الأمر محزنا حقا إذا اضطررنا، خوفا من التأويل المضاعف، إلى تجنب أو كبت حالة الاندهاش المرافقة لكل لعب قائم على النص وتأويله، وهي أمور أصبحت نادرة في أيامنا هذه، وإن كان إيكو مايزال يقدم لنا هذه الأشياء بشكل رائع في رواياته واكتشافاته السميائية.

هوامش المترجم

1 – يتعلق الأمر ب : Interprétation et surinterprétation ed P U F , 1996. ويشتمل الكتاب على مجموعة من المحاضرات كان أمبيرتو إيكو قد ألقاها في أمريكا حول التأويل والتأويل المضاعف. وستثير هذه المحاضرات ردودا متنوعة من جملتها المقال الذي نترجم .

2- rosicrucienne التي نترجمها تقريبيا ب ” وردة الصليب ” ، تشير إلى ثيمة رمزية موغلة في القدم . فبالإضافة إلى رمزية الوردة في الفكر الغربي، فإنها تسند، في السياق الذي يتحدث عنه إيكو وكالر، إلى الصليب . فهي ” في الإقونوغرافيا المسيحية تشير إما إلى : الكأس الذي سيوضع فيه دم المسيح، وإما إلى تجلي قطرات هذا الدم، وإما إلى جروح السيد المسيح ” انظر J Chevalier – A Gheerbrant : Dictionnaire des symboles . إن هذه الرمزية هي أساس التأويل الذي يقوم به روسيتي لأعمال دانتي . فوجودrosa candida في الكوميديا الإلهية سيدفع روسيتي إلي البحث عن مجموعة من الموتيفات التي يمكن أن تؤكد تأثر دانتي بتقاليد ماسونية أو غيرها.

3-انظر أمبيرتو إيكو” التأويل والتأويل المضاعف” من نفس الكتاب من ص 41 إلى ص 60، ويقدم أيكو في هذا المقال مجموعة من الأمثلة الخاصة بنوعية خاصة من التأويل ( التأويل المضاعف ) يرى فيها شذوذا وخروجا عن قواعد التأويل العلمية * ( هامش يقدمه المترجم من الأنجليزية إلى الفرنسية ) : لعب بالكلمات غير قابل للترجمة يقابل بين under و over ضمن الكلمة undestanding = فهم وoverstanding = تقدير مبالغ فيه، مثل التاجر الذي يعطي لبضاعته تقويما مضاعفا. 4- يتعلق الأمر بمقال يضمه الكتاب السالف الذكر وهو بعنوان : Le parcours du pragmatiste لرشار رورتي . وفيه يناقش مجموعة من آراء إيكو . فرورتي لا يؤمن بوجود بنيات ولا أسنن ولا أية قاعدة داخل النص، فكل قارئ يستعمل النص لغاياته الخاصة : هناك استعمالات وليس تأويلات .

5- انظر كتاب إيكو Lector in fabula ص 76 وما يليها، ونعثر في هذا الكتاب على تمييز دقيق بين الاستعمال حيث” يشكل النص مجرد مثير للخيال ” وبين التأويل الذي يقود إلى إعادة بناء قصدية النص وفق قواعد خاصة للتأويل .

6- للوقوف على الوصف الذي يعطيه إيكو للتفكيكية وتصورها للتأويل وآلياته يمكن العودة إلى كتاب إيكو Les limites de l’interprétationكما يمكن العودة إلى المقال الذي تقدمه “علامات” في هذا العدد والمعنون : “التأويل بين بورس ودريدا

7- يشير جاناتان كالر إلى كتاب بارث S/Z الذي يصف فيه النص القصصي انطلاقا من تقطيعه إلى ” وحدات للقراءة ” lexie ، وهذه الوحدات هي نتاج تقطيع نصي قائم على وجود وحدة معنوية قابلة للعزل، وباعتبارها كذلك فهي ” تقطيع اعتباطي لا تحكمه أية قواعد ” . فكل وحدة تشتمل على مجموعة من الأسنن يقوم المحلل بالكشف عن موقعها من الدلالة أو الدلالت العامة للنص.