بين سوسيولوجيا وسيميولوجيا النص الأدبي ملاحظات حول السياق

adminBengrad2021
2021-06-04T11:23:46+00:00
العدد الثالث عشر
17 أغسطس 202068 مشاهدة

محمد إنفي – كلية الآداب -مكناس

تمهيد

تندرج هذه الملاحظات ضمن مشروع للبحث يحاول، قدر المستطاع، أن يستفيد من بعض العلوم الإجتماعية ومن بعض المدارس النقدية للإسهام في بناء منهج نقدي يتوفر على قدر من العلمية والتفكير النظري مع المحافظة على وظيفة النقد بمفهومه التقليدي ( التقييمي). وقد استعرنا لهذا المنهج اسم Sémiocritique (1) أي النقد السميائي أو النقد السميولوجي، وذلك على غرار النقد الاجتماعي (Sociocritique) والنقد النفسي (psychocritique) .

وتجدر الإشارة إلى أن ما يجمع بين هذه المناهج الثلاثة هو اعتماد كل واحد منها على علم من العلوم الاجتماعية، فالنقد الاجتماعي يرتكز على السوسولوجيا والنقد النفسي يرتكز على علم النفس والنقد السميائي يعتمد على علم العلامات. وتوجد بين هذه العلوم وبين المناهج المرتبطة بها علاقة تكاملية، ذلك أن علم الاجتماع وعلم النفس وعلم اللغة هي في الأصل علوم متقاربة من بعضها البعض بحيث نجد أن سوسير يربط بينها في التحديد الذي يعطيه للسميولوجيا، فيقول : يمكن أن نتصور علما يدرس حياة العلامات في حضن الحياة الاجتماعية والعلم المقصود هنا هو بالطبع السميولوجيا التي يقدمها مؤسس اللسانيات الحديثة على أنها قادرة على أن تتناول بالدرس كل نظام للعلامات.

وبما أن الأعمال الفنية يمكن اعتبارها علامات أو بالأحرى أنظمة علامات، فإنها تكون بالتالي مادة للبحث السميائي، غير أن هذه العلامات (أو أنظمة العلامات) تعيش وتتطور في حضن الحياة الاجتماعية؛ وقد تم انتاجها لتستهلك باعتبارها أعمالا فنية، وبهذه الصفة تستجيب لمتطلبات ذات طابع شخصي أو اجتماعي وتخضع لها.

وهكذا يصبح على السميولوجيا أن تلجأ إلى علم مثل السوسيولوجيا للإستفادة منه، كما أن السوسيولوجيا نفسها لا يمكن لها، اليوم أن تتجاهل السميولوجيا إذا ما أرادت أن تتطور وتحافظ على كيانها كعلم؛ ونفس الشيء ينطبق على المناهج النقدية المرتبطة بهذين العلمين. وفي هذا الإطار، يمكن القول بأن تطبيق المنظور السميائي على الأدب والفنون يعطي دقة منهجية جديدة (2) ويفتح آفاقا واسعة أمام النقد الأدبي. وللتدليل على ذلك نكتفي بالإشارة إلى أن بيير زيما استفاد كثيرا من النموذج السردي ”الكريماصي لبناء نظريته في سوسيولوجيا النص الأدبي. (3)

وهكذا أصبح النقد السوسيولوجي يستعمل في تحليلاته مقولات سميائية كالنموذج العاملي مثلا، وبهذا عوض النقص الذي كانت تعاني منه البنيوية التكوينية (4)، ذلك أن هذه الأخيرة كانت لا تهتم ، في تحليلاتها للنص الأدبي، إلا بالمضمون وتتجاهل كل ما يرتبط بالمستوى اللساني، سواء كان دلاليا أو تركيبيا أو سرديا.

لقد كان لظهور كتاب علم الدلالة البنيوي، لـ ”كريماص” وشيوع نظريات جوليا كريستيفا وأمبيرطو إكو وغيرهما أثر كبير في هذا التحول، حيث أتاحوا استعمال مفاهيم الايديولوجيا التي تسمح بوصف العلاقة بين الأدب والمجتمع وبتحديد الإديولوجيا على مستوى الخطاب (5).

إن الربط بين البنيويتين، التكوينية والشكلانية (السميائية) أدى إلى ميلاد علم جديد يسمى بالسوسيولوجيا السميائية (6) (Sociosémiotique)، علما أن جذور هذه الأخيرة توجد في كتابات ممثلي الاتجاهين النقديين معا. ويكفينا للتدليل على ذلك أن نسرد مثالين : المثال الأول مأخوذ من عند كلود ليفي سطراوس حيث يقول في كتاب الأنطروبولوجية البنيوية : ”إن موضوع الأسطورة لا يوجد في الأسلوب أو صيغة الحكي ولا يوجد في التركيب، بل يوجد في القصة المروية (7)؛ أما المثال الثاني، فقد أخذناه عن ”لوسيان گولدمان” الذي يعترف بالأهمية القصوى للجوانب الشكلية في العمل الروائي رغم أنه قصر كتابه “من أجل سوسيولوجية الرواية” (8) على مشاكل المضمون فقط.

وعلى كل حال، فإن البنيويتين قد تأثرتا ببعضهما البعض وأغنت كل واحدة منهما الأخرى، بحيث نجد أن تحليل البنيات السردية والخطابية قد فتح آفاقا جديدة أمام النقد السوسيولوجي، كما أن هذا الأخير مكن البنيوية الشكلانية من الخروج من ”الميكانيكية” التي وقعت فيها بعد القيام بمجموعة من الأعمال التطبيقية للنماذج البنيوية .

والواقع أن تكاملية المناهج النقدية لا تحتاج إلى برهنة، ذلك أن تداخل هذه المناهج أصبح اليوم متعدد الجوانب لدرجة يمكن معها استعمال عبارات سوسيولوجيا النص وسميولوجيا النص دون تمييز.

وسواء تحدثنا عن سوسيولوجيا أو سميولوجيا النص الأدبي، فإن أهمية هذا الأخير تكمن في كونه موضوعا جماليا يربط بين المؤلف والقارئ في مقام تواصلي معين. وبمعنى آخر، فإن السوسيولوجيا والسميولوجيا الأدبيتين لا بد وأن تهتما بتداولية النص الأدبي، وبالتالي بمسألة التلقي. إن هذا المفهوم للتداولية لا يمكن إلا أن يعين كل مهتم بالتواصل الأدبي على فهم أحسن للعلاقات التي تربط بين المؤلف كمرسل والقارئ كمتلقي والعمل الأدبي كإرسالية والمقام التواصلي الذي تتحقق فيه هذه العلاقات. ويلعب هذا الأخير، أي المقام التواصلي، دورا رئيسيا في تحديد دلالة النص الأدبي.

والتداولية، بهذا المعنى، تهمنا كثيرا لكونها “تجمع، على وجه التقريب، كل ما يتعلق بخارج النص التقليدي، من السياق المرجعي في المعطيات الاجتماعية والثقافية” (9)، أي أنها تسمح بتجاوز النموذج التواصلي اللساني وذلك بجعل معرفة الشروط التاريخية والاجتماعية للتواصل ضرورية لإدراك الدلالة (10). وبمعنى آخر، فإن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي يمكننا من فهم أحسن للنص ويجنبنا كثيرا من المنزلقات.

إن التداولية تجعل من السياق مكونا لفعل التواصل، سواء اعتبرنا السياق في بعده المرجعي أو باعتباره مقاما يتموضع فيه فعل الكلام التواصلي (11). وفي التواصل الأدبي فإن هذا السياق لن يكون، في المقام الأول، سوى سياق العمل الأدبي نفسه، أي سياق المؤلف.

السياق التارخي والاجتماعي والثقافي للمؤلف/المرسل

إذا اعتبرنا أن العمل الأدبي هو ابن بيئته، فإن دراسة المناخ الاجتماعي والثقافي ضرورية لفهم بعض جوانب هذا العمل، ذلك أن البيئة الاجتماعية والثقافية جزء لا يتجزأ من الظاهرة التواصلية؛ كما أن المعنى النهائي مرتبط بمقام الأداء، وبالتالي فإنه يجب وضع كل كاتب في السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي ينتمي إليه حتى يمكن أن نفهمه بشكل ملائم، لأن كل كاتب ينتمي إلى زمانه، و”كل مؤلف، كيفما كان نوعه، لا بد وأن يعكس روح العصر الذي ينتمي إليه(12)”.

ونود أن نشير هنا إلى أننا لا نبحث عن مبرر للرجوع إلى نظرية الانعكاس المرتبطة بالمفهوم الوضعي البورجوازي الخاص بالقرن التاسع عشر الأوربي. غير أن اهتمامنا بعصر الأنوار جعلنا ندرك أن كتابا ينتمون إلى القرن الثامن عشر الفرنسي،أمثال ديدرو وميرسي، كانوا يقولون قبل طين (13) بقرن من الزمن بـ الحتمية التاريخية” التي تترك بصماتها في إنتاجات الروائيين دون أن يكون لهؤلاء وعي بهذه الحتمية التي تحدد إنتاجاهم. إن نظرية الإنعكاس أو الحتمية التاريخية لا تهمنا إلا باعتبارها من مكونات السياق التواصلي، خصوصا وأن النص كفعل لغوي يرتبط بسياقه التاريخي والاجتماعي الذي يعطي له معناه (أو معانيه). وهكذا صار من الضروري موقعة الكاتب في سياقه التاريخي والاجتماعي والثقافي حتى يمكن قراءة نصوصه قراءة ملائمة، وذلك لأن علاقة النص بالمؤلف وعلاقة المؤلف بالواقع التاريخي والاجتماعي تكونان معطى أساسيا في تداولية النص الأدبي،أي في النظرية السياقية للدلالة” (14). إن السياق الخارجي للنص هو الذي يعنينا هنا، وبالتالي فإن إسهام تاريخ الأدب وعلم اجتماع الأدب، لا يمكن إلا أن يكونا مهمين في هذا النوع من الدراسة.

وبما أن التواصل مع المؤلف، أي فهم أعماله أو تأويلها، يقتضي البدء بموقعة عمله في السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي، فإن إسهام البوطيقا -بالمعنى الذي يعطيه جاك بروست لهذه الكلمة- أساسي، لأنها، كما يقول، ” تعنى بصنع النص، أو لنقل بطريقة صنع النص. فهي لا تهتم بالشكل الذي هو مجرد غلاف ولا بالبنية التي ليست سوى هيكل عظمي، بل تهتم بالإجراء الديناميكي الذي يجعل الشكل والمضمون يتولدان داخل عملية الكتابة” (15). إن هذه البويطيقا تعتمد على التاريخ ويجب أن تكون هي نفسها تاريخا، ذلك أن ”دراسة طريقة صنع النص- على عكس التصور البنيوي أو الشكلاني- لا يمكن أن تلغي من حسابها الظروف المحيطة بالنص، بل إنها، على العكس من ذلك، تفترض أن جميع العلاقات التي تربط هذا الإنتاج بالتاريخ كالعلاقة بالمجتمع والوسط الذي عاش فيه المؤلف والعلاقة بالخلفية الإديولوجية المنتجة لهذا العمل والعلاقة باللغة التي كتب بها، إلى غير ذلك لا بد وأن تكون معروفة (16)، ومن ثم يمكن الحديث عن بوطيقا سوسيولوجية، وهذه البوطيقا السوسيولوجية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتاريخ كما أسلفنا.

وهكذا، يتعين علينا، إذا أردنا، مثلا أن نموقع الإنتاج الروائي لكاتب ما، أن نقوم بتقديم الحقبة التي رأى فيها هذا الإنتاج النور، ويجب أن نشير في هذا الصدد إلى أن كل الحقب التاريخية تتميز في الغالب بنوع من التنوع هو من خصائص كل ثقافة، لأن الثقافة ليست جسما متجانسا و”متراصا.” فإذا اكتفينا بما يتعلق بالأدب فقط، يمكن أن نشير مثلا إلى أن القرن السابع عشر الفرنسي، المعروف في الثقافة الفرنسية وتاريخ الأدب بكونه قرن الفن الكلاسيكي، قد عرف نقيض هذا الأخير، ألا وهو الفن ”الباروكي”، وفي عصرنا الحاضر، الذي هو عصر الحداثة وما بعد الحداثة يمكن أن نلاحظ استمرار وجود الاتجاهات الأدبية التقليدية إلى جانب الاتجاهات الحديثة. فالكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة، والرومانسية والواقعية والرمزية والسريالية وغيرها ما زالت تؤثر بشكل أو بآخر، في مجال الإنتاج الأدبي المعاصر، سواء تعايشت هذه الاتجاهات فيما بينها أو تنافرت.

وإذا انطلقنا من أن كل عصر له أشكاله التواصلية (التعبيرية) الخاصة، أدركنا مدى أهمية السياق التاريخي والإجتماعي والثقافي في الدراسات الأدبية. فالمعروف أن الرواية مثلا مرت بمراحل مختلفة واستعملت سلسلة من الأشكال الانتقالية قبل أن تصبح نوعا أدبيا مستقلا، هذا فضلا عن أنها لم تكن دائما مقبولة ومعترفا بها رسميا كنوع أدبي ذي قيمة فنية وفكرية وأخلاقية، فلو أخذنا القرن الثامن عشر الفرنسي مثالا لذلك، لوجدنا أن الرواية كانت، في هذا العصر، محتقرة من طرف الفلاسفة، كما أنها كانت تهاجم بحدة من طرف النقاد، لكن ذلك لم يوقف مسيرتها، بل بالعكس، لقد عرف القرن الثامن عشر إنتاجا روائيا مهما، سواء من الناحية الكمية أو الناحية الكيفية. ولمعرفة أسباب هذا التناقض، يتعين على الناقد أو الدارس أن يلجأ إلى التاريخ الاجتماعي وتاريخ الأفكار، كما أن عليه أن يعتبر الظواهر الأدبية أحداثا اجتماعية.

ولكي نفهم لماذا كانت الرواية تهاجم باسم التفكير الجمالي وباسم الأخلاق، وفي الوقت نفسه لم تفتأ تتقدم وتأخذ مكانا متميزا بين الأنواع الأدبية، لا بد أن نعرف أن هذا التقدم لم يكن يرجع فقط إلى موهبة الكتاب واقتدارهم، ولكن أيضا إلى صعود الطبقة البورجوازية (17) التي كانت تبحث عن وسائل تعبيرية جديدة قادرة على أن تعكس ملامح هذه الطبقة الجديدة وأن تعبر عن ذوقها. وهكذا جعلت البورجوازية من الرواية مطية في صراعها ضد الطبقة الأرسطقراطية. ومن هذه الزاوية نفهم جيدا أسباب قساوة سلطات ذلك العصر تجاه الرواية، تلك السلطات ”التي كانت تشعر بأنها تهاجم ليس فقط نوعا أدبيا غير أخلاقي (…) ولكن أيضا وسيلة تعبيرية في خدمة الأفكار الجديدة. إن ازدهار الرواية -التي نجحت في التغلب على الأفكار المسبقة لتفرض نفسها في القرن التاسع عشر- يرمز إلى تقدم أولائك الذين سيأخذون زمام الحكم في نفس الحقبة” (18).

إننا نجد هنا واحدا من الأسباب العميقة التي جعلت الرواية تغزو الأدب خلال القرن التاسع عشر لدرجة أنها طغت على الأنواع الأخرى، وأصبحت الشكل الفني الوحيد الذي يلائم الجمهور العريض؛ كما أن الأدب، بالنسبة لعدد كبير من الناس، يساوي الرواية”. إن هذا الصعود المبهر للرواية وهذا التضخم الذي عرفته لا يمكن إلا أن يكون ”مرتبطا بظروف اجتماعية عميقة، أي بتقدم البورجوازية، على الرغم من أن للرواية غايات أخرى وأن وظيفتها المشرقة لن تنتهي بالضرورة مع أفول نجم الرأسمالية”.

وعلى العموم، فإن الأدب جزء لا يتجزأ من الثقافة، والنص الأدبي لا يمكن فهمه فهما جيدا إلا في السياق الثقافي الذي ينتمي إليه، وبعبارة أخرى، فإن الميدان الأدبي يشكل سياقا ضروريا للعمل الفني، وخارج هذا السياق لا يمكن أن نفهم لا العمل الأدبي ولا مقاصد المؤلف التي يعكسها هذا العمل.

إلا أن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي يشكل عند قارئ عمل دورا حاسما كذلك في هذا الفهم. وتجدر الإشارة إلى أن سياق القارئ ليس بالضرورة هو نفس سياق المؤلف. والواقع أن معنى النص يتغير تبعا للسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للذي يتلقى هذا النص. ولعامل الزمن أهمية كبرى في هذا التطور الذي يعرفه المعنى لدرجة يمكن معها القول بأن معنى النص لا يمكن أبدا أن يكون نهائيا، بل هو محكوم عليه أن يكون نسبيا وقابلا للتغير.

السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للقارئ/المتلقي

إن النص الأدبي هو بالأساس عمل فني، والفن أداة سامية للتواصل ولكي يتم هذا التواصل، لا بد من سبر أغوار عالم المؤلف الفكري والخيالي، وذلك بالتعمق أكثر ما يمكن في معرفة الروائع الأدبية والعقل الفذ المنتج لها.

إلا أن هذه المعرفة تتطلب كفاية جمالية وأدبية، وهذه الكفاية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياق (19). لذلك فإن القراءات تختلف حسب المتلقين وحسب العصور، وبالتالي، فإن معرفة الروائع الأدبية لا يمكن أن تكون إلا نسبية؛ وهذه النسبية يمكن اعتبارها من الخصوصيات الأدبية. إنها عامل حاسم في تحديد ما يسمى ”بالأدبية”. وفي الحقيقة، فإن الروائع الأدبية هي نبع لا ينضب ومصدر دائم للتجارب الفردية التي تسلط مزيدا من الأضواء على النص وتستخرج منه جوانب جديدة تسهم في إغناء القراءة، وبالتالي في إغناء النص نفسه.

وعند تناول هذه الروائع بالدرس، لا بد من مراعاة قيم العصر الذي أنتجت فيه وقيم الأحقاب اللاحقة، لأن هذه الروائع لا يمكن أن تكون جامدة أو ثابتة، بل هي في تغير مستمر. إن الروائع الأدبية هي، في الواقع، خالدة” لكونها، من جهة تحافظ على شخصيتها وهويتها، ومن جهة أخرى، تبقى قابلة للتطور والتغير.

لكن ما تفسير هذا الخلود؟ ماهي الأسباب التي تجعل الإنتاج الأدبي يبقى حيا رغم مرور السنين؟ يصف لانسون” (Lanson)- الذي يتفق مع ”طين” والماركسيين في اعتبار الظاهرة الأدبية حدثا اجتماعيا بامتياز -بقاء العمل الأدبي حيا قائلا : ”إن الكتاب ظاهرة اجتماعية، وهو في تطور مستمر. فالكتاب بمجرد ما ينشر، يخرج من ملكية المؤلف، ولم يعد يعبر عن فكره، بل يعبر عن فكر الجمهور المتعاقب عليه بحيث تتأسس علاقات مختلفة عن تلك التي وجدت أثناء الإبداع، فإذا كانت العلاقة الأولى، تربط بين الكتاب والمؤلف، فإن العلاقة الجديدة تنحصر بين العمل الأدبي والجمهور الذي ينقح هذا العمل ويعيد عجنه ويغنيه أو يفقره بصفة مستمرة، وهكذا فإن المضمون الحقيقي للكتاب لم يعد يشكل إلا جزءا من المعنى، وقد يختلفي كليا في بعض الأحيان.

وفي واقع الأمر، فإن العمل الفني يستجيب لأفق انتظار الجمهور الذي صيغ من أجله هذا العمل، ولكنه يستجيب أيضا لآفاق انتظار مختلفة وغير متوقعة تلائم جمهور قراء المستقبل. يقول فاليري” : إن إنجاز عمل فني يأخذ بعين الإعتبار حدوث تغييرات مستقبلية في الذوق وفي الحاجيات لا يمكن التنبؤ بها؛ وهذا من شأنه أن يجعل العمل قابلا لتأويل مغاير للتأويل الذي يعطى له في عصره ولأن يأخذ معنى غير متوقع من الكاتب، لكنه يستجيب نوعا ما لرغبات العصر الجديد، بل ويثيرها فيه”.

إن التعريف الذي يعطيه ”فاليري” و ”لنسون” للإنتاج الأدبي يتفق بشكل واضح مع تحليلات منظري جماليات التلقي الألمان، وخاصة ”ياوس” الذي يرى أن بنية النص يجب أن تتحقق بواسطة المتلقين لكي يصل إلى مرتبة العمل الفني، ويعني ياوس بالتحقق -انسجاما مع النظرية الجمالية لمجموعة براغ”- المعنى الجديد الذي تأخذه، كل مرة، بنية الإنتاج الأدبي باعتباره موضوعا جماليا، وذلك تبعا لتغير الشروط التاريخية والاجتماعية (20)

إن التحقق بمفهوم ”ياوس” مرتبط بزمان المتلقي ومكانه. وعندما يتعلق الأمر بعمل فني، فإن هذا التحقق لا يمكن أن يكون نهائيا، ذلك أن هذا العمل-الذي لا يمكن فصله عن التلقي- هو عبارة عن صيرورة تاريخية، وتبقى إمكانية تدني مستواه مع مرور الزمن مسألة واردة، وبالتالي فإنه لا يجب تصور الإنتاج الأدبي كشيء ثابت، ذلك أن معنى هذا النتاج ليس أبديا، بل هو قابل للتطور، أي خاضع لحكم التاريخ. ويمكن تفسير تاريخية تحققات (تأويلات) الأعمال الفنية” من منظور تاريخ المجتمع أو من منظور نقد الإديولوجيات، وذلك بالرجوع إلى وضع القراء ومصالحهم في مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية (21).

وهكذا، نرى أن جمالية التلقي قد حددت تاريخ الأدب وأغنته، وذلك بنقل مركز الاهتمام إلى المتلقي وإعطائه المشروعية باعتباره طرفا ذا عضوية كاملة في إعادة صياغة النظرية الأدبية على أسس متكافئة، أي في علاقته التفاعلية مع النص ومع المؤلف.

ولكون النص الفني يتضمن ليس فقط أفق انتظار أدبي مرتبطا بالأثر الذي يحدثه في القارئ، ولكن يتضمن أيضا أفق انتظار ثانويا مرتبطا بالسنن الجمالي للمتلقي، لأن هذا الأخير، حتى وإن بدأ في فهم النص انطلاقا من الأفق الأول، فإنه لا يتأخر في إدخال فهمه الخاص للعالم ضمن تحليلاته (تحققاته)؛ وفهم القارئ للعالم يحدده بدوره المجتمع والطبقة الاجتماعية ونمط العيش وغيرها لدرجة يمكن معها الحديث عن ”انصهار الأفاق”.

إن القارئ غالبا ما يبحث في الأعمال الأدبية التي يقرؤها -سواء كانت معاصرة له أو موغلة في القدم- عن أجوبة لأسئلة معينة؛ وهذا لا يعني أن تلك الأعمال الفنية تحتوي بالضرورة على الأجوبة المرغوب فيها وبأن الكاتب عمل على أن يتضمنها مؤلفه بصراحة . إن الأجوبة المحصل عليها في هذه الحالة لا تلزم سوى القارئ الذي يقول النص (الكاتب) ما يريده هو (22)، أي ما ينسجم مع ظروفه التاريخية والاجتماعية والثقافية. وبعبارة أخرى، فإنه، كما يقول ”جاك بروست” في حالة انبعاث انتاج أدبي، فإن ذلك يتم في تاريخنا بحيث نقارن المعطيات مع تجربتنا الخاصة، كما أن جمله تحرك فينا ”سياق” مشاعرنا وأفكارنا، وذلك لأن الصور التي تثيرها في ذهننا الكلمات هي مأخوذة من مخزوننا وليس من مخزون المؤول” (23) ويؤكد ”ياوس” في مقالة كتبها عن Neveu de Rameau de Diderot Le أن قراءة هذا النص من لدن ”هيجل” تلك القراءة التي ضمنها كتابه ظاهراتية العقل (Phénoménologie de l’Esprit) هي قراءة فلسفية تنسجم تماما مع السياق التارخي لعلم الأفكار بألمانيا سنة 1805؛ وهذه القراءة لا يمكن أن تقاس إطلاقا بالتأويل الذي كان من الممكن أن يعطى لهذا النص في سياقه التاريخي الأول، ألا وهو سياق فرنسا في سنوات السبعينات من القرن الثامن عشر .

إن القراءات المختلفة لعمل أدبي ما أو لإنتاجات أديب ما، يمكن أن تجمع وتصنف في كتاب يراعى فيه، إلى جانب التسلسل التاريخي لهذه القراءات، الخلفيات الثقافية والنظرية والفلسفية وغيرها التي تتحكم فيها (وهو تقليد معمول به في الغرب). وهذا يعني بالضرورة أن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي يلعب دورا حاسما في نوع القراءة التي يخضع لها النص الأدبي؛ وبعبارة أخرى، فإن قراءة (تلقي) نص ما ترتبط ارتباطا وثيقا بزمان القارئ وبنوع المعرفة التي توفرت له. وهكذا تعاد قراءة بعض الأعمال الأدبية في ضوء الكفاية الأدبية الخاصة بعصر القارئ؛ وفي هذه الحالة، فإن القارئ يشارك في إنتاج النص، وذلك باستخراج خباياه: ”إن هذه المساهمة قد تكون محتشمة في حياة المؤلف لدرجة لا تدرك، لكنها تصبح، بعد موت هذا الأخير، شرطا أساسيا لبقاء النتاج الأدبي ” (24) .

يتبين من خلال ما سبق مدى أهمية السياق التاريخي والإجتماعي والثقافي المحيط بالنص الأدبي، إنتاجا وتلقيا. فالسياق، بمفهومه الواسع، لا ينحصر فقط في الظروف التاريخية والإجتماعية والثقافية التي أنتج فيها النص، بل يعني أيضا الظروف المحيطة بتلقي هذا النص. فالبحث في هذه الظروف لا يمكن إلا أن يعين على فهم أحسن للعلاقات التي تربط بين المؤلف والقارئ، وبالتالي يمكننا من فهم أحسن للنص اعتمادا على المقام التواصلي الذي تتحقق فيه هذه العلاقات .

——————————–

الهوامش

1- لقد أطلق ”بارث” هذا الإسم سنة 1966 للربط بين الأدب واللسانيات، إلا أن هذا اللفظ لم يفرض نفسه في حقل الدراسات الأدبية، فطواه النسيان. ونعتبر اسم Sémiocritique تحيينا للفظ الذي استعمله ”بارث” وإغناء لمعانيه. وخلافا لما فعله ”بارث” الذي كتبه في كلمتين باستعمال خط الربط (-)، فإننا نكتبها كلمة واحدة، ونعتبر النقد السيميائي منهجا نقديا قائم الذات في مجال الدراسات الأدبية مثله مثل النقد الاجتماعي والنقد النفسي.

2- راجع : J.P Brodeur et Thomas Pavel “Les discours sémiotiques au Canada” , Le champ sémiologique, Perspectives internationales, com plexe, Bruxelles; 1979, p. 14

3- راجع L’ambivalence romanesque, Proust, Kafka , Musil : Paris Le Sycomore , 1980

Manuel de sociocritique , Picard Editeur , 1985 .

5- نفس المرجع، ص 120

6- نفس المرجع، ص 120 انظر كذلك :

une sémiotique sociocritique 1-1986 R.X.H n 201 “Pour

7- Plon, 1958 , p 232

8- Gallimard / Idées , 304

9- J M Adam : Linguistique et discours Littéraire , Larousse , 1976 p 267

10- راجع إميل بنفينست :

Problèmes de linguistique généraleII , 1974 , p 82

11-دونيس ديدرو Entretiens sur le Fils naturel ( O. E) , Classiques Garnier , 1981 p 129

12-راجع Le mirage linguistique لـ ”طوماس بافل”، منشورات “Minuit” ص 68

13-ناقد وفيلسوف ومؤرخ فرنسي عاش في القرن التاسع عشر واشتهر بنظرته المبنية على الحتمية في تفسير الإنتاج الأدبي والفني، فقد كان يعتقد أن العرق والوسط والتطور التاريخي عوامل قادرة على تفسير هذا الإنتاج وتفسير الوقائع التاريخية وتطور الوظائف الذهنية.

14- ”جاك بروست” Lobjet et le texte, Drov , 1980 ص 11

16- ”جاك بروست”، المرجع السابق ، ص 12

17- راجع ” مارت روبيرت ” Romans des origines et origines du roman, Grasset , 1972 pp 11 – 12

18- ”فرانسواز بارغيي” Le roman au XVIII Siècle P.U.F 1981 ص 36

19- في ”بحث ابن رشد” (الألف، 1967Gallimard, )، بين ”بورخيص” كيف أن الفيلسوف العربي يحاول عبثا، لأنه حبيس ثقافته، فهم فكر ”أرسطو” وبالخصوص التمييز بين ”التراجيديا” و ”الكوميديا” (ابن رشد يجهل المسرح). إن عمل ”بورخيص” يحكي فشل ابن رشد في فهم ”أرسطو” لكن هذا العملهو إشارة إلى فشل الراوي في فهم العلامة العربي الذي تفصله عنه عدة قرون بالإضافة إلى اختلاف ثقافتهما.

20-Pour une esthétique de la réception Gallimard 1978 ص 213

21- نفس المرجع والصفحة

22- إن هذا القارئ لا يختلف كثيرا عن القارئ الذي تصوره ”بروست” الذي يرى أن ”كل قارئ”، ، حين يقرأ فهو قارئ نفسه”، ذلك أن نرجسية الكتابة تقابلها نرجسية القراءة .

23- Entretiens sur le Neveu de Rameau Nizet 1967 ص 249

24- ”جاك بروست”،المرجع السابق ص 247