عن الترجمة والترجمة اللسانيـة بالمغــــــــرب

تقديـــم :

تزايدت في العقود الأخيرة جهود العرب لتحقيق التطور مواكبــة للدول المتقدمــة ، وذلك بترجمــة علومهــا إلــى اللغة العربيــة . إلا أن الترجمــة ليست هدفا في ذاتها ، وإنمــا هي مرحلــة في سبيل التعريب .

ومن ينظــر إلــى تجربــة الترجمة اللسانيــة بالمغرب يقف على أعمال مترجمة أراد منهــا أصحابهــا نقل فكــر معيــن إلى المتلقيــن الذيــن لا يملكــون أداة تلقــي هذا الفكــر في لغتــه الأصليــة . فكيف تــم نقل النص الأجنبي إلى العربيــة ؟ وهل حققت الترجمــة اللسانيــة التواصــل بين حضارات وثقافات مختلفــة ؟ وهل يمكن القول إن صعوبــة الترجمــة تكمن في قضيــة المصطلــح أم ماذا ؟.

1 – مفهوم الترجمــة وشروطهــا

الترجمة نقل من لغة أجنبية إلى ما يقابل النص أو المصطلــح العلمي في اللغة العربيــة ، ونجاحهــا يعتمــد على مدى استيعاب المترجــم اللغتيــن وإجادتــه فن الترجمــة .

والترجمة فن وعلــم ، فهي فن لكونهـــا تستلزم شروط الإبداع وإن اعتبرهــا البعض إبداعــا من الدرجـــة الثانيــة ، وعلــم لضرورة توافــر شروط محددة في علميتهــا .

فقد أصبحت أحد فروع اللسانيات التطبيقية وما يتصل بهــا من علوم نحــو اللسانيــات النفسيــة والاجتماعيــة .. ولو أن ميشونيــك يرفض اعتبار نظرية الترجمة نوعا من اللسانيات التطبيقية .

فإعداد المترجم لا يقتصر على تمكينه لغويا بل على إعداده في ميادين المعرفة المختلفة وتمرسه بمفاهيم لسانية لكي يوضح لنفسه ما يقوم به من عمل ويحاول تنظيره .

وتتكون عملية الترجمة من شقين اثنين أولهما فهم اللغة المصدر أو ما يسمى اللغة الأولى ، وثانيهما التعبير في اللغة الهدف أي اللغة الثانية المترجم إليها . فلا بد للمترجم من أن يفهم معاني الكلمات والتعبيرات الاصطلاحية ” idiomes” في سياقاتها المختلفة لأن الكلمات تتلون معانيها ، كما هو معروف ، بتلون السياق الذي ترد فيه . ثم لا بد من معرفة القواعد الأسلوبية أو ما يسمى أحيانا القواعد البلاغية ، أي القواعد التي تتحكم في ما يسمى مناسبة المقال للمقام . ثم ، أيضا ، لا بد من معرفة بثقافة اللغة (ثقافة النص) . و لا مناص من أن يكون المترجم ملما بحقل التخصص والمصطلحات الواردة في ذلك الحقل . (1)

يقول الجاحظ :(2) “ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة ، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليهــا حتى يكون منهما سواء وغاية ” . ويرى أيضا أن المترجم لن يكون قادرا على أداء الأفكار الأجنبية وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها إلا إذا بلغ في العلم بمعانيها واستعمالات تصاريف ألفاظها وتأويلات مخارجها مبلغ المؤلف الأصلي في اللغة الأجنبية (3) . فالترجمة تفسير وهذا يعني أن المترجم يفهم ثم يحاول أن يشرح ما فهم . فإذا لم يفهم النص الأصلي لم يمكنه أن يترجم ترجمة صحيحة . وهي حسب جان كوهين (4) تعني إعطاء مضمون واحد تعبيرين مختلفين ، ويدخل المترجم في حلقة التواصل وفق الخطاطة التالية :

المرسل ـــ الرسالة الأولى ـــ المترجم ـــ الرسالة الثانية ـــ المرسل إليه

ولن يتأتى هذا إلا إذا نفذ المترجم إلى روح الكاتب وفهم شخصيته تمام الفهــم . وهذه مسألة تقتضي الدقة والأمانة ، وإلا ترتب عنها الأخطاء المترتبــة عن عدم فهــم وصفة الدواء فهمـا صحيحا من لدن الصيدلي .

2 – صعوبـــــــات الترجمــة

ما الذي يجعل الترجمة عملية صعبــة ؟.

صعوبة الترجمة كما يقول جورج مونان (5) ناتجة عن كـــــــون اللغات ليست مدونات كلمات nomenclature تقابـــــل حقائــق هي هي دائمــا ، وموجودة سلفـــــا . والصعوبــات كما يرى اندره رومان (6) آتية من كون الترجمة عملية متعددة الجوانب ، وهي في أساسها عملية لسانية تتلخص في قرن وإلصاقapplication لغة ما بلغة أخرى .

وبما أن كل لغة تشكل نسقا معينا من الأنسقة فإن أنسقة اللغة المصدر تختلف عن أنسقة اللغة الهدف (7) .

ومن هذه الصعوبات مسألة اللغــة ورؤية العالـــم . ففرضيـــة وورف – سابير تنطلق مما يلي : لا يستخلص جميع المراقبين للحقيقة الماديــة الواحدة صورة واحدة للكون إلا إذا كانت خلفية تفكيرهم اللغوية متطابقة أو يمكن مطابقتها بشكل أو بآخــر (8) . كما أن كل لغة تسمي العالم بطريقتها الخاصــة ويتضح هذا جليا في عدد ألوان قوس قزح الذي يختلف من لغة إلى أخرى . وكل لغة تشكل نسقا من البنى واسعا يختلف عن نسق باقي اللغات ، وتترتب فيه ثقافيا الأشكال والمقولات التي لا تساعد الفرد على التواصل فحسب وإنما على تحليل الطبيعة ورؤيــة أو إهمال هذا النمط أو ذاك من الظواهــر أو العلاقات التي يسبك ( coule) فيها هذا الفرد طريقة تفكيره والتي يشيد بواسطتها صرح معرفته للعالم .

وكيفما اتفق ، فإننا نحلل الطبيعة كما يقول جورج مونان (9)، ونشرحها طبق الأشكــال التي سبق للغاتنا الطبيعية أن خطتهــا . يضاف إلى ما سبق أن تصنيف المفاهيــم يختلف من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى ومن الصعب الحصول على لفظ مطابق ، في لغة ما ، للفظ آخــر في لغة أخرى وهذا ما ينتج عنــه عراقيــل أمام الترجمة الدقيقة . والترجمــة تقتضي تطويع اللغة مبنى (10) ومعنى لاحتضان مقابلات الصيغ والمفاهيـم .

ومن صعوبات الترجمــة ، أيضا ، تعدد الحضارات . يقول أوجين ندا(11) ” إننا لا نستطيع فهم الكلمات فهما صحيحا إذا ما فصلناها عن الظواهــر الثقافيــة المحليــة التي ترمــز اليهــا ” . ولننظر إلى البيت الذي أورده ابن جني في اللمع (12) :

أزيد أخــا ورقاء إن كنت ثائرا فقد عرضت أحناء حق فخاصم

فلو ترجمنـــــــــا كلمـــة “ثائــرا ” بـ révolutionnaire لوقعنــــــا فيمـــــــا يسميـــــه جوزيف ميشال شريم (13) خطأ سوسيولوجيا un contre sens sociologique ذلك أن مفهوم الثورة لم يكن من حمولات الكلمة الدلالية في زمن هذا البيت (14) .

ومن الصعوبات أيضــا بعض الأمور اللغويــة الدقيقة المرتبطــة بنسق لغة ما . وذلك نحــو ” كـان” في الآية ” كيف نكلم من كان في المهد صبيا ” (15) فالدلالة الزمنية للصيغة الصرفية (فعل) لا توافق زمن التلفظ . فكينونة الصبي في المهد واقعة أثنــاء التلفظ ، وعليه لا يمكن ترجمة الصيغــة الصرفيــة إلى ما يقابلهــا في زمن الصيغــة الصرفيــة الفرنسية ( était ) أو الإنجليزية ( has been, was ) مثلا . كمــا لايمكن تركها أثنــاء الترجمــة لأنهــا لم تقع في ذلك السياق القرآني عبثــا ، وإنمــا وقعت لتأكيــد شيء فينبغي للمترجــم أن يراعي هذه الخاصــة فيأتي بما يحصل به التأكيــد نحو :

Comment parlerions nous à un petit enfant qui est au berceau évidemment ? !

3 – علاقة الترجمة باللغتانيـــة ( bilinguisme )

هناك اعتقاد فاسد ، كما يرى جان دوليل ، (16) مفاده أن معرفة لغتين كافيــة لقيام عملية الترجمة . إلا أن إنشاء مدارس الترجمــة في العقود الأربعة الأخيرة دليـــل علــى فساد هذا الاعتقاد .فمن جهة نظر اللسانيات ، يعني امتلاك لغة أجنبيــة استبطـــان نسق من القواعد ومعجــم . في حين إن عملية الترجمة تقتضي قرن المفاهيــم في لغة ما بمفاهيــم مطابقــة في لغــة أخرى بحثــا عن تطابق تام بين المفاهيــم . وفي اكتساب لغة أجنبية نمتلك أداة تواصــل إضافيــة ، بينما نحقق فعل التواصــل عند ترجمــة نص مــا .

إن اللغتانيــة لا تعني صياغة الأفكــار في لغة ثانيــة . فاللغتاني لا يرجع إلى دال / مدلول لغته الأم ليصل إلى دال / مدلول مطابق في اللغة الثانيــة ، بل يستعمــل في كل لغة وسائلهــا الخاصــة . وأمــا في الترجمــة فالعمليــة تتم انطلاقــا من دال / مدلول اللغة المترجــم منها .

وتبين الخطاطتــان التاليتان الفرق بين اللغتاني والمترجم في الانتقال من مفهوم ما إلى أحــد الداليــن في اللغتيــن :

اللغتاني :

دال 1

مفهــوم

دال 2

المترجـم : المفاهـيـــــــــــــم

(للتعبير عنها مجددا)

إزالة طابع اللفظيــة(18) إضفاء طابع اللفظية(19)

دوال النص الأول دوال النص الهدف

ففي الترجمــة تصبح لغتانيــة المترجم واعيــة ومنظمــة مما يعوق عفوية التعبيــر ، ولهذا فعملية الترجمــة تستلزم من المترجــم الحق أن يمر بعملية تعلم الترجمة . وعليه يكون المترجــم ، كما يقرر دوليل ،(20) أذنــا ويدا في خدمــة رأس ليس رأســه . فمعرفــة اللغتاني اللغة الثانيــة معرفة إنجازية performative في حين إن معرفة المترجم إياها معرفة فهميــة . ذلك أن الترجمة كما يعرفهــاCristopher Thiery(21) ، هي أن تعبر كتابة ، تعبيرا حسنــا في لغة تعرفهــا معرفــة جيدة ، ما فهمته فهمــا جيدا في لغة تعرفهـــا معرفة حسنة .

4 – الترجمــة والمصطلح

من المسائل المرتبطـة بالترجمــة مسألة المصطلـح .غيــر أن إشكال الترجمة ليس إشكال المصطلح كما قد يخيل إلى البعض . ولكنه عنصر له دور في العملية كل ما في الأمــر أن نختار المصطلح الذي يعبــر به ، في اللغة الهدف ، عن المفهوم الذي عبــر عنه المصطلح الأجنبي في لغته . فاللازم أن نضع المصطلح حيث ينبغي له أن يكون .

ومن الملحوظ في الأدبيات اللسانيــة المترجمــة في مجال المصطلح جملة أمــور منهــا :

– استعمال المهمل وترك الشائع المألوف نحــو مصطلح hybrid الذي يترجــم ب المنغول المبغــول (من مادتي نغل – بغل) في حين إن اختيار مصطلح “هجين” ييســرالأمــر على القارىء (22) .

– أخطاء في مستوى التصور والمفهوم نحــو ترجمــة signe ب “دليل” . فإذا كانت الفرنسية تسمح باشتقاق signifiant و signifié و signification من أصل واحد فالأمــر مختلف في العربية ، ولسنــا ملزمين باتباع طريقة الاشتقاق نفسهــا في العربيــة . فالقارىء العربي يخيل إليــه ، عندمــا يقف أمــــــــام مصطلح “دليل” ، أن الأمــر يتعلق بالبرهنــة والاحتجاج بسبب ما ارتبط في مخيلته من دلالة هذا اللفظ . وكذا الأمــر بالنسبــة لترجمــة sémiologie ب “علم الأدلة” .

– أخطاء في اللغة أثنــاء صياغــة المصطلح العربي نحــو لفظ “معنم” الذي لم يراع فيه أصل المادة (ع،ن،ي) ، وكان بالإمكــان الاكتفاء بالتعريب إذا عجزنـــا عن إيجــاد اللفظ العربي الأنسب فنقول “سيم” أو “سيمة” .

5 – نماذج من الترجمة اللسانيــة بالمغرب

قبل قرنين ، تقريبــا ، عبر شليغل عن الترجمــة ومخاطرهـــا تعبيرا بليغا يكــــاد يصلح للحكم على المترجميــن في زمــن انحطاط معرفــة المترجميــن وعلمهــم بقواعــد الترجمــة الضابطـــة أو بميدانهــا . لقد قال ما معناه : (23) ” إن الترجمة مبارزة قاتلة يموت فيها ، لا محالة ، المترجم أو المترجــم له” . وكم قتل من مترجم صاحب النص الأصلي بسوء فهمــه وقلة درايته . ولنا في السجالات القائمــة حول الأعمــال المترجمــة خير دليل على القولــة .

إن هذه الأعمــال المترجمــة تقدم “حافية” دون أي تعليق . فإذا اعتبرنــا الترجمــة عملية تأويلية وتفسيريــة ، وإذا علمنــا استحالــة التطابق التام بين النص في لغته الأصل واللغة المترجم إليهــا ، أدركنــا أهميــة وضرورة أن يقوم المترجــم ببعض التعليقات على ما يرد في النص من أفكــار .

وسنقف عند نماذج ثلاثة لمترجــم واحد هي ، محاضرات في علم اللســان العام (24) والمرجع والدلالة في الفكــر اللساني الحديث واللسانيــات ومنطق اللغة الطبيعي .

أ – محاضرات في علم اللســان العام

إن هذا الكتاب ترجمـة لمؤلف دوسوسير الشهيــرcours de linguistique générale الذي جمعــه تلامذته بعد وفاته . وأول ما سيتوقفنــا العنوان ، فعلم اللســان ليس ترجمة سليمــة لمصطلحLinguistique المترجم عادة ب لسانيــات . إن مترجم هذا الكتــاب وقع في أخطـــاء ذات طبيعــة لغويــة أو مصطلحيــة .

فمن أمثلة الأخطــاء اللغويــة قوله (ص : 246) الوحدات والهويــات والحقائق ذوات التواتــر الدياكروني . حيث جاء ب “ذوات” وكان عليه أن يقول ذات لأن جموع المؤنث هاته جمـــوع لغيــر العاقل .

وفيما يخص المصطلح نجد صاحبنــا لا يلتزم وحدة الترجمــة . فنراه يترجــم Phonologie (ص : 55) ب علم وظائف الأصــوات ثم نجده يترجــم espèces Phonologiques (ص:63) ب ” أنواع صوتيــة ولو اختــار صواتــة لكان أفضل وأحســن . ومرة يترجــم grammaire بـ : “علم النحــو” ثم يعود ليترجــم (ص : 185) “بالنحــو التاريخــي” فأصبــح علم الشيء هو الشيء نفسه كما أنه يترجم appendices (ص:251 ) مرة ب ” تذييل” ومرة أخرى ب “ضميمة” .

وتكشف الأمثلة التالية عن عدم الدقة في الترجمة وضبط المصطلح الأنسب . وهكذا نجده يترجم Le phonéme dans la chaïne parlée (ص : 77) ب : الوحدة الصوتية في التركيب الملفوظ المتسلسل . وكان عليه أن يقول : الفونيــم في السلسة الكلاميــة .

ونجده يترجــم العلامــة اللسانيــة . signe ling (ص : 97) بــ الدلالة اللسانية فيوقع القارئ في حيرة ويخلط الأمــور عليه فلا يدري هل يحدثه سوسير عن العلامــة أم عما يرتبط بالمعنى . ويترجــم (ص : 211) عبارة انقطاع الرابط النحوي (أو العلاقة النحويــة) La rupture du lien grammatical ب القطيعة مع العلاقة النحويــة . ولم نجد في المعاجــم الثنائيــة ، قط ، ترجمــة de ب مع . فهذه الأداة تقــوم بدور ربط الاسمين في علاقـــة إضافة . وفي صفحة 261 نجده يترجم ling. géographique بـ علم اللسان والجغرافيــة اللغويــة والأطلــس اللغوي . فإذا كان القارىء لا يعرف لغة سوسير ظن أن هذا الأخيــر يتحدث عن اللسانيــات والجغرافيــة اللغويــة لا عن اللسانيات الجغرافيــة . وأخيــرا نجده في صفحة 313 يترجــم famille de langues et types linguistiques باللغات الأم وأنماط اللسان مع أن سوسير يتحدث عن الفصائل اللغويــة والأنمــاط اللسانيــة .

ب – المرجع والدلالة في الفكــر اللساني الحديث

يتناول هذا الكتيب مما يتناول مسألتي المرجع ( référence ) والعلامة ( signe) الواردتين في المعجم الموسوعي لعلوم اللغــة لمؤلفيه ديكرو وتودوروف . وهذه الترجمة شأنها شأن الترجمــة السابقــة خالية من كل تعليق أو تعريف ببعض القضايا والأعلام المذكورة في النص المترجــم . ففي صفحة 19 يرد ذكــر لمنظري الدلالة (أي العلامة) دون أن يكلف نفسه عنــاء تحديد بعض الرواد وفي صفحة 21 يذكــر بورس وبلومفيلد ويتركهمــا على ذمة القارئ .

وإذا نظرنــا إلى الترجمــة وجدنــا صاحبنــا يقول عكس ما يريده صاحب النص الأصلي . يقول تودوروف (26) متحدثــا عن صعوبة تعريف العلامة :

Cette difficulté augmente du fait qu’on essaie dans les théorie modernes du signe de tenir compte non plus des seules entités linguistiques mais également des signes non verbaux .

ويأتي المترجم فيقول (ص : 16) ” وتزداد هذه الصعوبة تعقيدا في النظريــات المعاصرة للدلالة ، لكوننـــا نحاول أن ننظر في الكيانات اللسانيــة وحدهـــا ، بل وأيضــا في الدلالات غيــر اللفظية ” فتودوروف لم يجعل تعريف العلامة يزداد صعوبة في النظريــات المعاصــرة وإنمــا جعله كذلك لأن النظريــات المعاصرة للعلامــة لا تعتبر الكيانات اللسانية وحدهــا بل ، أيــضا ، العلامات غيــر اللفظية .

ويتحدث ديكرو (27) عن المرجع فيقول :

La communication linguistique ayant souvent pour objet la réalité extra-linguistique les locuteurs doivent pouvoir désigner les objets qui la constituent

وتصبح الترجمــة كما يلي (ص : 24) ” إنه لما كان موضوع التواصل اللساني يتعلق أحيانا بالحقيقة اللسانيــة المفهومــة من عوامل السياق الخارجيــة ، كان من الواجب على المتكلمين أن يكونوا قادرين على تعيين الأشياء والأمــور التي تكونهــا تلك الحقيقة ” .ومن عيوبهـا ما يلي :

* لم يقل ديكرو إن التواصل اللساني يتعلق أحيانا بل غالبا ( souvent) .

* إن التواصل اللساني لا يتعلق غالبــا بالحقيقة اللسانيــة … وإنمــا يتعلق بالحقيقة الخالسانية (خارج – لسانية) فهي ليست لسانيــة كما جاء في الترجمــة .

* إن الحقيقة الخالسانيـــــة لا تكـــــــون الأشياء والأمــور ، فالمفرد لا يعبــر عنــه بالجمــــع (constituent ) .

* إن ديكرو يتحدث عن الأمــور أو الأشيــاء التي تكون التواصل اللساني ، ولعل المترجم لم ينتبه إلى ما يعود عليه الضميــر المفرد المؤنث المفعول به ( La) . وفي مكــان آخــر يقول ديكرو (28) Le logicien … Frege établira une distinction analogue entre le référent d’un signe et son sens ويترجــم صاحبنــا فيقول (ص: 27) ” أقــام … تمييزا مماثلا بين مرجع الدلالة ومعناه ” . فجعل ضمير الإضافة (ه) عائــدا على المرجع بينمــا هو في الحقيقة ، متعلق بالعلامــة .

ج – اللسانيات ومنطق اللغة الطبيعي :

أول ما يلاحظ على هذا الكتاب عنوانه . فلا يكوف يتحدث عن اللسانيات والمنطق الطبيعي ” Linguistique et logique naturelle ” . ثم إن المترجم حذف الملخص الذي وضعه لايكوف في البداية والذي تحدث فيه عن علاقة المنطق الطبيعي باللغة الطبيعية . فهو منطق للغة الطبيعية وليس منطقا طبيعيا للغة . يقول لايكوف (29) :

Ainsi, selon cette proposition , (1) serait représentée comme (2). Dans Lakoff (1965), il a été suggéré que des phrases comme (1) doivent être derivées transformationnellement de structures comme celles sous – jacentes à (3)

ويقول المترجــم (ص : 135) ” وهكذا وحسب هذه القضية فإن الجملة (1) تمثل تشجيرا على صورة (2) . ولقد ذكرت في غير هذا الموضع (1965) على أن جملا من نحو (1) ينبغي أن تشتق بضرب من التحويل والتأويــل بنيات كهذه البنية المتضمنــة في (3) . إن من يقارن النصين يجد تنافرا بينهمــا فلايكوف لم يقترح في (1965) أن تشتق جمل من نحو (1) بنيات كهذه البنية المتضمنة في (3) . وإنمــا قال : وقد اقترحت (في لايكوف 1965) أن تكون جمـــل من قبيل (1) مشتقة ، عن طريق التحويل ، من بنيات كتلك التحتية ل (3) .

وأمــا النحو العربي فلم يجعل الفعل (ذكر) متعديــا بحرف الجــر (على) كما جاء في الترجـمـة ولم يجعل الصرف العربي مادة (ص.و.غ) في المضارع ” (*) نصيغ ” كما جاء في صفحة 121 . كمـــا أن صاحبنــا لا يعرف أين ينتهي المعنى بانتهاء الجمل ، مما ينتج عنه إفســاد للمعنى المراد ، وذلك لعدم تمييزه بين طرفي الجملة (كبرى أو صغرى) والجملة الاعتراضية التي تصبح بقدرة قادر طرفــا رئيسا في الجملة . يقول لايكوف :(30)

Bien qu’une logique naturelle, si l’on pouvait en construire une, ne ferait aucune affirmation sur l’univers , elle en ferait sur la façon dont les êtres humains conçoivent l’univers.

وتأتي الترجمة كما يلي (ص : 166) “فمع أن كل منطق طبيعي ، لو استطعنــا أن نبني منه واحدا ، لا يقرر شيئا عن الوجود العالمي . وقد يصنع منه واحدا منطقا على الطريقة التي بها يتصور الناس وجودهــم العالمي ، … ” فتمسخ ما أراده لايكوف الذي قال : فمع أن منطقا طبيعيــا ما ، إن أمكن ” إقامة واحــد منه ، قد لا يثبت أي شيء] عن الكون ، فقد يثبت شيئا مــا] عن الطريقــة التي يتصور بهــا النــاس هــذا ] الكون .

خاتمـــة :

لقد كانت هذه نماذج من الترجمة التي لم يراع فيها صاحبهــا شروط الترجمـة ولا ظروف القارئ الذي قد لا يتمكن من الرجوع إلى النص الأصلي لمعرفة الحقيقة . إنهــا تعكس ، جليا ، غياب الأمـــانـــــــــة الواجب توافرهــا في المترجم حتى لا يقتل صاحب النص الأصلــي كما قال شليغل .

لقد تساءل مونان (1963) عن مكنة التواصل البيلساني inter-linguistique وتحدث إدمون كاري E. Cary عن كيفية الترجمــة . فعلى المترجــم أن يعي كل هذه الأمــور حتى تكون ترجمتــه وافيــة بالغرض ، ولا يظن أن معرفة اللغة الأجنبية وحدهــا كافية ليصبح مترجمــا .

——————————————

الهوامــــش

1) محمود اسماعيل صيني : الترجمة : معيناتها ووسائلهــا . الفيصل . ع . 121 مارس 1987 ، ص : 40 .

2) زكي خورشيد : الترجمــة ومفهومها ومذاهبها . الفيصل . ع 92 . نوفمبر 1984 . ص 56

3) المرجع السابق .

4) Jean Cohen : structure du langage poétique , page : 34

5) Géorges Mounin : linguistique et traduction , page : 61

6) اندره رومان Note liminaire à la traduction, p : 1 in

جوزيف ميشال شريم : منهجية الترجمة التطبيقية . ص : 44 – 45

7) يتجلى هذا في الاختلافات التركيبية والصرفية … وخاصة إذا كانت اللغتان من فصيلتين لغويتين متباعدتين ، ثم هنــاك خواص كل لغة . فإذا كانت رتبة الفاعل حرة في الفرنسية ، مثلا ، فالأمـــر مختلف في العربيــة . وهذا لا يعني غنى الاولى وفقر الثانيــة . كما أن تعبير “ثاني اثنين” (سورة 9 ، آية 40) البليغ في العربية ، لا معنى له في الفرنسية أثنـاء قولنــا La deuxième des deux عوض L’un des deux .

8) G. Mounin : Les problèmes théoriques de la traduction, p : 46.

9) المرجع نفسه ، ص : 47 . Idem

10) يبدو أن عدم قدرة المترجم على تطويع لغته مبني لسبب من أسباب صعوبة الترجمة ونقل المصطلح الإفرنجي إلى العربية . وهكذا أصبحنــا نجد في المترجمات صيغا صرفية لا قبل للصرف العربي بها نحو “مفعل” (معنم) و “مؤفعل” (مؤمثل) و “أفعلة” (أمثلة) وهكذا دواليك.

11) Eugène Nida : Linguistics and Ethnology, p : 207 in

G. Mounin. problémes . p. 237.

12) ص : 44 من الطبعة السويدية .

13) منهجية الترجمة التطبيقية ص : 108 .

14) وإنما يطالب الشاعر مخاطبه باسترداد حق . ولا شك في أن الثورة تقوم من أجل إحقاق حق ودفع باطل . وأمــا ترجمــة البيت فتكون على الشكل التالي :

O Zayd, frère de Waraqà si tu veux une réparation , le droid à plusieurs facettes, intente une querelle !

15) سورة 19 آية 28

16) Jean delisle, l’analyse de discoure comme méthode de traduction p.34.

17) فضلنا ترجمة point de vue ب”جهة نظر” بدل “وجهة نظر” الشائعة لاعتقادنــا بفساد الترجمة الشائعة . ذلك أن الوجهة تعني، فيما تعنيه ، الهدف والقصد ، في حين إن المقصود هو مصدر ونقطة انطلاق النظر .

18) ، 19) أي أنك تأخذ ، في عملية الترجمة اللفظ الأجنبي فلا تحتفظ إلا بالمفهوم الذي يعبر عنه هذا اللفظ ثم تنتقل إلى اللغة الهدف لتبحث عما يعبر به عن المفهوم نفسه . فالعملية الأولى يعبــر عنهــا بــ Déverbalisation والثانية verbalisation .انظر المــرجع السابق ص : 37 .

20) Op, Cit, p : 36

21) المرجع السابـــــق ، يقول : Ibid . Dire bien, par écrit , dans une langue qu’on sait très bien, ce qu’on a très bien compris dans une langue qu’on sait bien .

22) انظر هذه الترجمة في معجم اكسفورد : مــــــــادة : Hybrid The Oxford english – arabic dictionary of current usage.

23) La traduction est un duel à mort, où périt inévitablement celui qui traduit ou celui qui est traduit

بل قد يموت المتبارزان معا كما يقع في أفلام رعاة البقر .

24) ترجمة عبد القادر قنيني . والكتب الثلاثة صادرة كلها عن دار إفريقيا الشرق ، البيضاء .

25) يعلم المهتمون بالمصطلحيــة أ ن ترجمة المصطلح الأجنبي بأكثر من كلمة عملية غير محمودة وقد تكون معيبة إذا أمكنت الترجمة بكلمة واحدة .

26) O. Ducrot, T. Todorov : Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, p : 131

27) Ibid, p : 317 .

28) Ibid, p : 319

29) Lakoff : Linguistique et logique naturelle, p : 106

30) Ibid p m 134

31) E. Cary : comment faut-il traduire ?