اقتراحات بصدد شعرية الترجمة (*) هنري ميشونيك

ترجمة : عبد العلي اليزمي – جعفر عقيــل

إن ما نجمعه هنا على شكل اقتراحات مترابطة لايشكل مسلمات اعتباطية ، وإنما المبادئ النسقية لممارسة نظرية للترجمة ، التي هي بالضرورة رهن التشكل والتنظير . ويسمح هذا التوضيح بتحديد إطارها. وسنعرض في البداية مجموع هذه المواقف ثم سنقدم فيما بعد بعض الملاحظات النقدية حول العلاقات بين الترجمة والشعرية وحول تاريخية الترجمة .

I – اقتراحــــــــــات

1 – إن نظرية ترجمة النصوص ضرورية ، ليس باعتبارهانشاطا ذهنيا ، ولكن باعتبارها ممارســة نظرية نستهدف المعرفة التاريخية للسيرورة الاجتماعية للتنصيصيــة ، وباعتبارها عبر – لسانيات ، تتحدد دلالة كل وحدة داخل الوحدة الكبرى التي تحتويها : إن نظرية ترجمة النصوص متضمنة في الشعرية ، التي هي نظرية قيمة ودلالة النصوص .

2 – لاتستطيع التجريبية أن تنظر للتجربة التنصيصيـــة ، أو اللاتنصيصية ، للترجمات التي تشتغل باعتبارها أعمالا إبداعية وباعتبارهــا عوامـــل انزيـاح ثقافية كــــما هو الـشأن مـــع الفولكــــات la Vulgate أو La King James Version .

3 – إن ترجمة نص ماهي نشاط عبر – لساني ، إنها شبيهة بفعل كتابة النص نفسه ، ولا يمكن أن ينظر إليهـــا من خلال لسانيات الملفوظ ولا من خلال الشعرية الشكلية لياكوبسون ( Jakobson ) .

4 – لاتستطيع شعرية الترجمة أن تكون لسانيات تطبيقية من خلال نظرية النصوص التي تفترضها . إن شعرية الترجمة باعتبارها ممارسة نظرية تعد شعرية تجريبية .

5 – إن أهميتها الإبستيمولوجية تكمن في مساهمتها في التنظير لممارسة اجتماعية لم ينظر إليها بعد وفي نقد العناصر الايديولوجية للسانيات ثم في نقد نظرية الأدب وسوسيولوجية الأدب .

6 – تفترض نظرية اللغة نظرية الأدب . وتفترض نظرية الأدب نظرية اللغة . وتحتوي نظرية اللغة على نظرية الأدب ليس باعتبارها حدا أو استثناء ، ولكن باعتبارها ممارسة خاصة إلى جانب الممارسات الاجتماعية الأخرى ، لا هي مقدسة ثقافيا ولا هي متجاهلة في خصوصيتها .

7 – إن ممارسة نظرية لترجمة النصوص تقتضي تحليلا للتعارض بين الفن والعلم في ميدانها ، كما لو كانت تنطلق من نقل غير منظر لمفهوم العلم خارج خصوصيته ( وداخل ما هو لامرئي في الاختلاف الثقافي للمجال الدلالي لمفهوم العلم بين لسان وآخر ، ومن حقل فلسفي في لسان أول إلى حقل فلسفي في لسان ان ، (الفرنسية مثلا ) . تتموضع نظرية ترجمة النصوص ، وهذا أساسي بالنسبة للابيستيمولوجية ، في العمل على دراسة العلاقات بين الممارسة التجريبية والممارسة النظرية ، وبين الكتابة والايديولوجية ، وبين العلم والايديولوجية .

8 – تتموضع ترجمة نص ما في ممارسة وفي نظرية النصوص ، اللتين تتموضعان بدورهما في نظرية عبر – لسانية التلفظ .

9 – تكمن نظرية عبر – لسانية التلفظ في التفاعل ما بين لسانيات التلفظ ( غير مقيدة بأية مثولية بنيوية للخطاب ) ونظرية للايديولوجية . ويساهم في بلورة هذه النظرية كل من الممارسة النظرية للنصوص والممارسة النظرية لشعرية الترجمة .

10 – إذا كانت ترجمة نص ما مبنينة – متلقاة كنص ، فإنها تشتغل باعتبارها نصا . إنها كتابة لقراءة – كتابة ، مغامرة تاريخية لذات ما . إنها ليست شفافة بالنسبة للأصل .

11 – إن مفهوم الشفافية – مع لازمتها المهذبة ” تواضع ” المترجم الذي يتوارى – تدخل في نطاق ماهو سائد باعتبارها جهلا نظريا وتجاهلا خاصا بالايديولوجية التي لاتعرف نفسها . وتتعارض هاتـــه الفكرة مع الترجمة باعتبارها إعادة تلفظ خاص لذات تاريخية ، وتفاعل شعريتين ، ولاتمركز، وباطن – ظاهر لســــان ما ، ثم باعتبارها مجموع التنصيصات في هذا اللسان .

12 – اللاتمـــركز علاقـة نصية بيــــن نصيـــــن ينتميــان للسانين – ثقافتين إلى حدود البنية اللسانية للسان ، مادامت هذه البنية اللسانية قيمة في نسق النص . والالحاق هو محو هذه العلاقة ، إنه وهم البديهي والـ << كما – لو >> ، كما لو أن نصـا في لسان المصدر كتب بلسان الهدف ، بغض النظر عن اختلاف الثقافة ، واختلاف الحقبة ، واختلاف البنية اللسانية . يوجد النص على مسافة ما : فإما أن نظهرها أو نخفيها ، دون تقليص أو تمديد .

13 – إن الفكرة الشائعة التي تقول بأن ترجمة ما لا يجب أن تعطي الانطباع بأنها ترجمة ، لها معنيان : في الحالة الأولى ، نكون أمام وهم الشفافية ، الكتابة الايديولوجية << السلبية >> ، ثم الترجمة الثقافية المرفوقة بتجاهلها لذاتها ؛ أما في الحالة الثانية ، فننتج نصا أصليا بلسان الهدف متجانسا مع نص – لسان المصدر . ويمكن عموما إبراز وجود خلط بين هذين المعنيين . إذ عندما نحدد المعنى الثاني فإننا نمارس المعنى الأول في حقيقة الأمر . ويهيمن هذا الأخير لأنه ينقل الايديولوجية المسماة : المهيمنة في ممارسة الالحاق .

14 – ينتمي وهم الشفافية إلى نسق إيديولوجي موسوم بأفكار مترابطة هي التغاير بين الفكر واللغة ، عبقرية اللسان ولغز الفن ؛ وتنبني هاته المفاهيم على لسانيات الكلمة وليس النسق وعلى الألسن باعتبارها تعيينات خاصة لمدلول متعال ( إسقاط فلسفي لأولوية التمركز الاوروبي والتمركز الفكري ثم كولونيالية الفكر الغربي ) . تؤدي هاته المفاهيم إلى معارضة النص بالترجمة عبر تقديس الأدب . ويقوم هذا التقديس مقام التعويض بالنسبة لتحييده السياسي . هذا التقديس ، وهذا التعويض ، هما اللذان يحددان الدور الاجتماعي للجمالية . وينجم عن هذا التعارض الايديولوجي بين النص والترجمة ، مفهوم ميتافيزيقي غير تاريخي يقول باستحالة الترجمة .

15 – إن تفاعل الشعريات وإعادة إنتاج التلفظ التاريخي يمكن أن يتأخرا كما يمكن أن لا يتما قط بالنسبة لعمل إبداعي معطي في علاقة بيلسانية – بيثقافية معطاة سلفا . إن المتعذر ترجمته باعتباره نصا ، هو الأثر الثقافي الناتج عن هاته الأسباب التاريخية . إن المتعذر ترجمته هو اجتماعي وتاريخي وغير ميتافيزيقي ( ما لا يمكن إيصاله ، ما لا يمكن حكيه ، اللغز ، العبقرية (1) . مادام زمن الترجمة – نص لم يأت بعد ، فإن الأثر عبر – اللساني هو أثر للتعالي ، وهكـــــــذا يؤخذ المتعذر ترجمته كصفة وكمطلق (2) .

16 – إن الوضع السوسيولوجي المعاصـــر للأدب المبني على هذه الميتافيزيقا وعلى التعارض القائم بين النص والترجمة ، بين فعل الكتابة وفعل الترجمة ، يرجح كفة النص وفعل الكتابة . إن النظرية اللسانية للترجمة نفسها ، ومن خلال ثنائيتها ، لا تنظر لنفس العمل حول اللسان بالنسبة للنص وبالنسبة للترجمة . وهكذا ففي ظل هيمنة لسانيات – ثقافية ملزمة للتبعية يمكن للنص أن يقيم هيمنة مضادة وموازية ( هيمنغواي Hemingway ) ، في حين إن ترجمة – ترجمة لاتقدر ولا تتجرأ على ذلك . إنها تطبيق لنموذج ايديولوجي . إن غياب – الحظوة عندها هو نتاج لغياب – العمل ،الحظوة والعمل هما في علاقة دائرية .

17 – هناك أمبريالية ثقافية تجنح إلى نسيان تاريخها ، وبالتالي ، إلى تجاهل الدور التاريخي للترجمة والاقتباسات في ثقافتها . إن هذا النسيان هو لازمة لتقديسها أدبها .

18 – لكل مجال ثقافي ، ولكل ثقافة – لسان ، تاريخيته ، دون أن يكون معاصــرا ( بشكل تام ) للمجالات والثقافات الأخرى . فالروس لايترجمون الفرنسية بالطريقة نفسها التي يترجم بها الفرنسيون الروسية .

19 – لا يمكن فصل تعدد المعاني في اللسان والثقافة . يؤدي هذا الاقتراح إلى عدم الفصل بين التقرير والايحاء بين القيمة والدلالة ثم يؤدي إلى التصور التالي : إن الترجمة التي ترى نفسها أنها ترجمة لسانية ، هي ترجمة ثقافية تتجاهل بعدها الثقافي . إنها تؤدي إلى تفضيل اللاتمركز بناء على اعتبارات نظرية وتاريخية وضدا على الرأي المهيمن .

20 – إن تــاريخيـــة عــلاقــــة الترجمــة بـــين ميدانـــين لسانيين – ثقافيين ، تنتج في لسان الهدف أدوات دلالية وتركيبية محدودة أولا بالترجمات ثم تصير فيما بعد عاملا لتطور بعض خصائص اللسان ، إنها تشبه دورفولگات Vulgateفي اللاتينية ، ودور الترجمات اللاتينية في القرنين XIV و X V في الفرنسية . إن زمن الترجمة والخصوصية اللسانية -الثقافية للعلاقة القائمة لهما الاهمية نفسها . إن الترجمة باعتبارها تأسيسا لعلاقة جديدة ، لا يمكن أن تكون سوى حداثة وابتكار . في حين يرى التصور الثنائي أن ترجمة نص ما هي شكل وتقليد . إن شعرية الترجمة تعطي بعدا تاريخيا Historicise لتناقضات فعل الترجمة بين لسان المصدر ولسان الهدف . بين حقبة وأخرى ، بين ثقافة وأخرى . بين علاقة ذاتوية subjectale و << إعادة إنتاج >> .

21 – إن التعارض الثنائي بين الشكل ( أو التعبير) والمعنى( أو المضمون ) ، قد تم تجاوزه من خلال نظريــة النصوص باعتبارها بنية عبــــر – لسانية وباعتبارها تسجيلا عبر – << نرجسي >> لذات معممة . إن التعارض بين الشكل والمعنى عمل ولايزال على تفضيل المضمون الايديولوجي . إنه يتقدم باعتباره عنصرا طبيعيا ، في حين أنه نتاج ثقافي تاريخي . إنه يقحم في نظرية اللغة مفهوما منطقيا للحقيقة ، فينتج عنه الموقف الافلاطوني الذي يجد امتدادا له في الماركسية . ويفترض هذا الموقف علم الجمال . إنه لا هوتي لابنيوي ولا جدلي .

22 – يشير مفهوم الشكل إلى الصعوبة الاضافية لتفكيــك السنن بالنسبة لنفس المعنـى . وإذا كان الأمــر كذلك ، فإن شكــل التواصل << الفني >> سيكون قد اختفى منذ زمن ، باعتباره غير ذي أهمية سيميائيا . لقد أوضح لوتمان Lotoman أن مفهوم الشكل غير ذي جدوى نظريا .

( Struktura khudozestvennovoteksta, Moscou, izd, Isskustvo, 1970 ) .

23 – إن المفهوم السلوكي للمعنى باعتباره استجابة ، يدخل في إطار ايديولوجية ما هو طبيعي . إنه يطرح مسبقا استجابة المتلقي الأصلي . وهو يفضل التفسير والتأويل على حساب الابستيمولوجية. إن مفهومه النفعي للانجاز يجعل هدفه ايدولوجيا وليس علميا ، كل ذلك خلف مظهره العلمي الذي يصبح هو نفسه أداة في خدمة الايديولوجية . إنه يرتكز على التعارض بين الشكل والمعنى ثم يعود ليبرره . إنه يختزل الدلالات المتعددة في الدلالـة الواحــدة ويختزل الثقافة في اللسان .

24 – يتناول الرأي الثنائي بطريقة متناقضة النص باعتباره لغة ناقلة ( فهو لايبني سوى لسانيات الملفوظ والترجمة التي تتجاهل خصوصيتها ) وباعتباره تنافرا ، انتهاكا ، استثناء ، إضافة يعارض بها اللغة الناقلة المأخوذة كمعيار .

25 – إن ترجمة نص ما ، ليست هي ترجمة اللسان بل إنها ترجمة نص في لسانه . وهو نص بلسانه ، مادام اللسان لسانا بالنص.

26 – أن تترجم اللسان وحده معناه أن تنتقل من بنية إلى أخرى . ومادام باستطاعة نص ما أن يخلق قيمة لذاته من خلال بنية ما للسانه ، فإن ترجمة النص باعتباره نصا ، تؤدي بنا في ارتباطها مع احتمالات ، وتكرارات لسان الهدف إلى البقاء في حدود التناقض بين بنيتين لسانيتين عبر النص وداخله .

27 – ليست ترجمة << الشعر >> أكثر << صعوبة >> من <<النثر>> . إن مفهوم صعوبة الشعر الذي يطرح حاليا وكأنه قديم العهد ، له بداية يمكن تعيينها . إنه يحتوي على خلط بين البيت الشعري والشعر . وهو مرتبط بمفهوم الشعر باعتباره انتهاكا لمعايير اللغة . إن الخصوصية التطبيقية والنظرية للترجمة تختلف بحسب خصوصية ممارسة اللغة المترجمة . إن مجال الممارسة والنظرية بالنسبة لترجمة أي نص كان ، هو مجال ممارسته .

28 – إن الترجمــة ، حسب تاريخيــة فعل الترجمــة ، هـي ترجمة – مدخل ، قبل أن يتحقق زمن الترجمة -نص إذا أمكن ذلك .

29 – إن التعريفات التي ترى في النص مجموعة من التأليفات الشكلية لاتنظر إلى علاقة القراءة عبر – لسانية وعبر – نرجسية التي تفرض نظرية للذات .

30 – لم تعد الترجمة تعرف باعتبارها نقلا لنص المصدر إلى أدب الهدف أو عكسيا نقل قارئ الهدف إلى نص المصدر ( حركة مزدوجة ، تنبني على ثنائية المعنى والشكل التي تطبع تجريبيــا أغلــب التـرجمات )، ولكن باعتبارها اشتغالا في اللسان ، لا تمركزا ، علاقة بيشعرية بين القيمة والدلالة ، إنها بنينة ذات وتاريخ ( قد فرقتها المسلمات الشكلية ) وليست معنى .إن هذا الاقتراح يسلم بأن النص يشتغل باللسان باعتباره إبيستيمولوجية تشهد على معرفة متصلة بهذه الممارسة ، إذ إنه خارج هذه الممارسة ، لا تبقى معرفة وإنما مدلولا .

31 – لا تكون الترجمة متجانسة مع نـص مـا ، إلا إذا أنتجـت لغة – نسق ، هي اشتغال في سلسلات الدال ( ففي النص – نسق وعبره، توجد سلسلات تكون النسق بدءا من الوحدة الصغرى إلى الوحدة الكبرى ) باعتبارها ممارسة للتناقض بين النــص الأجنبـي وإعادة التلفظ ، بين منطق الدال ومنطق العلامة ، بين لسان – ثقافة – تاريخ ما ولسان – ثقافة – تاريخ آخر .

32 – يمكننا بناء علاقة عروضية تجمع بين بنيات الدال من النص المصدر إلى الترجمة -نص ، على خلاف الرأي الذي كان يعارض بين فونولوجية وأخرى على مستوى اللسان وعلى مستوى اللسان وعلى مستوى كل مفردة مفردة ، ليخلص إلى استحالة الترجمة . وبالفعل إننا لا نترجم الفونولوجية ولكننا أيضا لانترجم لسانا في نص ما . إننا نبني وننظرإلى علاقة تقابلية من نص إلى نص آخر ، وليس من لسان إلى آخر . إن العلاقة البيلسانية تأتي عبر العلاقة البينصيــة ، ولا تأتي العلاقة البينصية عبر العلاقة البيلسانيــة .

33 – إن التمييز القديم بين النص والترجمة ( إضفاء قيمة اجتماعية على النص ، مجانية الترجمة ووضعها المنحط ) لا يظهر ملائما إلا بالنسبة للممارسة الشائعة ، التي هي تصفيح لممارسة مجردة وغير منظر لها على أساس ممارسة إنسانية ملموسة تتضمن مسبقا ودائما تنظيرها . هذا التمييز ( النظري ، الاجتماعي ) لم يعد ملائما بالنسبة لترجمة – نص لنص ما . وقد أكدت بعض الترجمات ذلك تجريبيا .

34 – تفترض العلاقة الشعرية بين النص والترجمة عملا ايديولوجيا ملموسا ضد الهيمنة التجميلية ( << الأناقة >> الأدبية ) التي تتسم بالممارسة الذاتية للحذف ( حذف التكرارات مثلا ) ، الإضافات ، التغييرات والتحويلات وكلها مقرونة بفكرة مسكوكة عن اللسان والأدب. إن هذه التجميلية تميز إنتاج المترجمين باعتباره إنتاجا ايديولوجيا ، في حين إن الإنتاج النصي هو دائما مضاد للايديولوجيا ولو جزئيا على الأقل . وباعتبار الشعرنة ( أو إضفاء الأدبية ) اختيارا لعناصر تزيينية انطلاقا من كتابة جامعية لمجتمع معين في لحظة معينة، فهي من الممارسات الأكثر شيوعا لهاته الهيمنة التجميلية . والحال نفسه ينطبق على إعادة الكتابة : ترجمة أولى << ترجمة حرفية >> من خلال شخص يعرف لسان المصدر ولكن لا يتكلم النص . لتليها بعد ذلك إضافة مسحة << شعرية >> على يد شخص يتكلم النص ولكن يفتقرإلى اللسان . إنها تجسيد للثنائية ، فحتى لجان ترجمة التوارة تتوفر على أسلوبييها .

35 – تفترض العلاقة الشعرية بين النص والترجمة إقامة تصور دقيق ومنسجم يتميز بتناغمه الخاص ( يتحدد التناغم بالخاصة التركيبية للمعجم ) وبعلاقة الموسوم بالموسوم واللاموسوم بمثيله ، صورة بأخرى ثم اللاصورة بنظيرتها . ويعوض هذا التطابق المنظر له المفهوم الذاتي << للوفاء >> القابل للتغيير والتمدد ، وهذا ما يميز الايديولوجية التجميلية التي أتينا على تحديدها . إن كل ما هو خارج عن هذا التطابق ، يرتبط بطرق مختلفة بالشعرنة ويدخل في نطاق الايديولوجية التجميلية .

36 – إن تحديد معايير << إمكانية الترجمة >> ونمذجة الترجمات ، لا يمكن أن يتم من خلال الحل الآتي للمشاكل الفيلولوجية ، ولكن من خلال استخلاص نظرية ( حول اللغة والأدب ) ، غير منظرلها ومتجاهلة لذاتها ، من كل ممارسة في الترجمة .

ملحق بالاقتراحات .

انطولوجيا صغرى للمثالية في ميدان الترجمة

بعض المقتطفات من تقديم المترجم لترجمة الإخوان كرامزوف مارك شبيغو Marc chapiro منشورات Lausanne , Rencontre ، 1968 .

إنه يبرر جملة دوستو يفسكي Dostoîevski << المديدة والكثيفة الملئ بالتكرارات ، المحشوة بالمعترضات …] التي لاتتوفر علــى أدنــى انسجـام >> ، << ذاك النهر الجارف المعكر >> ب << صخب عالمه الداخلي >> هذا هو التناقض الأول . وعندما يشير ( المترجم مارك شبيغو ) إلى مسألة الديمومة عند برغسون Bergson يقول : << إن اختراق البلبلة الباطنية للفكر المتيقظ هي بالتأكيد إحدى العناصر المميزة للعبقرية المعتلة لدوستويفسكي >> لكنه يرجعـه إلــى << الحالات النفسية الطبيعية >> التي نجدها عند كل إنسان ، وهذا هو التناقض الثاني .

فعوض أن يكون التحليل مدخلا إلى ترجمته ، يؤدي وبشكل متناقض إلى الإقرار باستحالة الترجمة ، وذلك بانتصار الايديولوجيا على الكتابة : << إن الكثافة المميزة لأسلوب دوستويفسكي تضع المترجم أمام مشكل يكاد يتعذر حله . وكان سيكون من المستحيل إعادة إنتـاج جمله المشعثة رغــم غنــى مضمونهـا . ومــن جهـة أخرى فإن نقل فكـــره “بالواضح ” قصد تقديمه في نسخة فرنسية صحيحة ومقروءة ، يكتنفه عيب كبير ألا وهو اغفال العناصر الأكثر غنى . لقد كان من اللائق الاحتراس من التبسيط المبالغ فيه حتى نتجنب تعميق الضرر . وهذا ماسعينا للعمل به في ترجمتنا دون أن نكون متيقنين من تفوقنا >> . هكذا فالكتابة في خصوصيتها متجاهلة ، المعايير ذاتية لاتكشف عن قواعدها والتواضع ليس إلا قناعا ايديولوجيا لهذه اللعبة .

ويظهر هنا الرابط الحتمي بين هذه النظرية للأسلوب ونظريتها بخصوص اللسان . إنه تركيز للأوهام وللتجاهل : << هناك صعوبة أخرى للترجمة ، وهي مرتبطة بعبقرية اللسان الروسي ، الذي هو كباقي الالسن الناشئة موحي بالأساس . إذ هناك أشياء كثيرة متضمنة في الجملة الروسية دون أن يكون معبرا عنها صراحة . على خلاف اللغة الفرنسية التي هي قائمة أساسا على الوضوح كحال أي لسان راق . ولكي نكشف عن الجوانب الموحية في الجملة الروسية ، ينبغي غالبا القيام بإضافات . وقد قمنا بهذا عندما بدا لنا ذلك ضروريا . لكن بحذر شديد : لقد كان همنا الأساسي دائما هو أن نبقى أوفياء قدر المستطاع لنص دوستويفسكي . >>وتنضاف المسكوكات إلى الجهل لكي تعطي تمثيلا وهميا ومهيمنا ، يرى بأن الروسية تبدأ مع بوشكين Pouchkine وينظر إلى الفرنسية من منظور متدرج للكلاسية ( إنها أطروحة بالي Bally في اللسانيات العامة واللسانيات الفرنسية) فتحتجب التوهمية المضادة للتاريخ وراء الوهم الأخلاقي للوفاء .

وخلاصة القول ، إن هاته المجموعة من الأفكار الجاهزة التي تعلن عن بعدها الميتافيزيقي ، تؤدي إلى مايلي : << يقال : إننا لانتوهم بأننا قد تجاوزنا اللعنة الاصلية التي يقوم عليها كل مشروع للترجمة . لكننا على الأقل قمنا بمجهود يذكر >> . لقد عملنا على تبين الرابط الابيستيمولوجي الذي يجمع بين كل العناصر المكونة لهاته الايديولوجية للترجمة ؛ لأنه مامن أحد يقدرعلى أن ينفلت من قبضتها وأن يبرر ذلك لوحده . وحتى التواضع نفسه لايمكنه ذلك . إن الممارسة النظرية لاتبرر أخلاقيا أي شيء كان ، إنها تتموقع باعتبارها صراعا ايديولوجيا .

2 – ملاحظات حول الترجمة في الشعرية

لقد أصبح من الضروري الاعتماد على نظرية لسانية حتى تكف الترجمة عن الاستمرار باعتبارها حرفة تجريبية تتجاهل عملها ووضعها . إن المطالبة بوضع المترجم في مقام << الكاتب >> في غياب العمل النظري والتطبيقي الذي سيجعل من المترجم مماثلا للكاتب في الكتابة ، يدخل في إطار سوسيولوجية الجماعات . إن تحليلا أوليا لما يقوم به نص ما ضروري قبل ترجمته ، وهذا يموضع الشعرية باعتبارها مدخلا أولا ويظهر التفاعل الحتمي بين الشعرية ونظرية الترجمة .

إذا كانت الترجمة – نص هي اللاتمركز ، فهي ( والعمل النظري الذي يموضعها ويهيؤها ) التي تخلق جمهورها . وبشكل معاكس فإن الجمهور هو الذي يخلق من الترجمة اللانص نصا ، لكونها ايديولوجية الشفافية عبر المترجم . إن الترجمة – نص لايمكن التنظير لها إلا باعتبارها استعارة أو تحويلا للأصل . إن وظيفة الترجمة هي أن تكون ذلك التحول الشعري والثقافي . ويصوغها هيدغر Heidegger بخصوص النصوص الفلسفية على الشكل التالي : << يخضع اشتغال الفكر لتحول حتمي بعد أن يتم نقله عبر الترجمة إلى روح لسان ثان . وقد يصير هذا التحول مثمرا بحيث يبرز من جديد الموضع الأساسي للسؤال .>> (3) لكن الفلسفة المثالية للمعنى وحدهــا وعلى خلاف عبر لسانيات القيمة والدلالة ، يمكن أن ترى في هذا التحول دليلا على استحالة الترجمة الوفية . لأنها تؤمن أولا بالمعنى بمفهومه ماقبل السوسيري ، وبالمعنى باعتباره موضوعية وباعتباره حقيقة . وهذه حالة جيلسون Gilson الذي يستشهد بهذا المقطع لهيدغر ويجعله يقول : << بأن الترجمة الوفية من لسان إلى لسان آخر غير ممكنة ( بدون تحريف المعنى ) (4) . إن هذا المفهوم للترجمة باعتبارها تحولا ، يحول التعارض التجريبي والميتافيزيقي والتجميلي بين << الكاتب >> و << المترجم >> . إنه يؤدي إلى إضفاء طابع تاريخي على الأسئلة : من الذي يترجم أو يعيد ترجمة نص ما ، ولماذا؟.

سؤال لماذا مشروط دائما بسؤال لمن ( المترجم ) . لايتعلق الأمر بأي كان ، بأي شيء كان أو بأي زمن كان . إن لمن ( القارئ ) مثبتة بنيويافي النص وفي الترجمة – نص ، كما هو الحال بالنسبة لعبر – من . إن لمن يكتب في عبر – من . فما هي إذن مكانة الترجمة داخل ممارسة متموضعة للكتابة ؟ رغم أن التجريبية تعارض المبدعين بالمترجمين فهي تقول : <<إن أجود المترجمين كانواهم الكتاب الذين أنتجوا أعمالا من نفس قيمة الكتب التي ترجموها >> (5) . إن المشكل طرح بشكل مغلوط لأنه كان يعتمد على معطيات لم تخضع للتحليل الدقيق مثل : الشعراء الكبار ليسوا بالضرورة مترجمين كبارا ، وأغلب المترجمين ليسوا بمبدعين . إن التجريبية تبين أن الترجمات نصوص تصنع الكتابة ، وهي نتيجة لهـا : مــن القـديس جيــروم (Jerome ) إلــى لوتــر ( Luther ) ، من روبير كرافس ( Robert Graves ) إلى إيزرا باوند ( Ezra Pound) ، من باسترناك ( Pasternak) إلــى بول سيــلان ( Paul celan ) من أميو ( Amyot ) إلى بودلير ( Baudelaire ) ، جان كروجان ( Jean Grosjean ) وميشال دوغي ( Michel Deguy ) . إن نزع صفة القدسية على الأدب تجعل في المستوى نفسه وبشكل مغاير الجابرووكي ( Jabberwocky ) للويس كارول ( Lewis Carroll ) وهنري باريسو ( Henri Parisot ) ، ويبقى أن نميز سوسيولوجيا بين الترجمة – مدخل والترجمة – نص .

3 – ملاحظات حول الترجمة عبر التاريــــــــخ

إن مفهوم الترجمة هو مفهوم تاريخي . والترجمة باعتبارها ممارسة إيديولوجية شائعة ( غير منظر لها ، فيلولوجية ، مجملة ) ، التي سميناها بحسب المظاهر السياقية المبرزة ترجمة -مدخل أو ترجمة – ترجمة أو ترجمة – لا نص ، تتعدد بما هو ممكن في حقبة ما وفي تعارض مع الترجمة – نص . والممكن في حقبة ما هو حصيلة الأفكارالمهيمنة في هاته الحقبة . إن هذا الممكن يحول النص واللا نص إلى ملفوظ ليس هو النص عينه ، ولعل هذا ما يفسر إعادة الترجمة في كل حقبة . إن الترجمة لا – نص تشيخ وتزول بزوال الايديولوجية التي أنتجتها سلبيا . إننا لم نعد نقرأ الجحيم لريفارول ( L’Enfer de Rivarol ) أودون كيشوت لفلوريان ( Le Don Quichotte de Florian ) . هذا في حين أن النص لايشيخ : إنه يتحول – فالممكـــن في حقبة مـــا ليس مفهوما ذاتيا ( قدحيا فقط ، إنه مفهـــوم ذاتـــي – موضوعــــي ، فردي – جماعي ، إن حصيلة الأفكار المهيمنة تعين مجموع ما يمكن القبول به ( مقروء : مكتوب ) وما لا يمكن القبول به . (6) وبذلك يتجاوز مفهوم الممكن قائمة المسكوكات . إنه يتضمنها بل يتعداها إلى مجموع الايديولوجيا .

إن قوة أوضعف تقاليد الترجمة في أدب الهدف خلال فترة معينة ، ترســم حـــدود مـا هــو ممكن فــي عمليـة الترجمـــة ، ولكــن داخل الوحدة ثقافة – لسان – زمن .

إن التاريخ الأوروبي لفعل الترجمة قد مرمن الوحدة – كلمة إلى الوحدة – مجموعة ثم إلى الوحدة – مجموعة ثم إلى الوحدة – نص : من الأدبية اللاهوتية إلى الجملة الموازية ثقافيا ثم إلى التدقيق المعرفي ، فالمواقف النظرية والتطبيقات محددة تاريخيا . إن هذه الوضعية لعبت دورا حاسما في تقنية الترجمة وبنينة الكتابة عبر الذات ومعرفة اللسان : كثيرون هم الذين يجيدون الانجليزية أكثر من بودلير ، بل هناك متخصصون فيها نادرا ما يترجمون الترجمة – نص لشيكسبيــر ( Shakespeare ) ، لدون ( Donne ) . إن الازدراء الثقافي للترجمة لازال يميز فرنسا << الأدبية >> رغم الاعتبار العالمي لنظرية الترجمة من خلال اللسانيات التي كادت أن تخلق نظرية لترجمة النصوص . وقد سجل ازراباوند الإزدراء نفسه في كتب الأدب الانجليزي ، لكنه كان ينظر لها من خلال التجريبية التقديسية ، الافلاطونية والعزائم الخاصة به . ورغم ذلك لا يزال رائدا لم يكتشف بعد .

إن نظرية وبيداغوجية النصوص التي أزيلت عنها صفتا التجميلية والتقديسية ، والتي تهدف إلى بلورة علم الدلالة النظري للغة الشعرية والعلاقات بين الكتابة والايديولوحية ، قادرة على تحويل وضع الترجمة النظري وكذلك ممارستها ووضعها السوسيولوجي .

ترجمة : عبد العلي اليزمي

جعفر عقيــل

———————————————————

الهوامش

ü النص المترجم مقتطف من : Meschonnic (Henri)

Pour la poétique II . Epistémologie de l’écriture poétique de la traduction ,

Paris , ed : Gallimard, collection (le chemin), 1973 , pp. 305 – 323

1 ) إن استحالة ترجمة الألسن والذهنيات ، مؤشر علي تغاير المجتمعات ومجموعات الشعوب ومجالات وطبقات الحضارة ، إن المقولات تحيا وتموت مع الشعوب ومع مختلف إسهاماتها >> ( M. Mauss, Oeuvres, II, p. 150, éd. Minuit, 1969 )

2) هكذا وفي إطار شعرية بنائية وشكلية تفتقد لنظرية الذات ، يقول ياكوبسون : << إن المعادلات الكلامية في الشعر تحتل موقع الصدارة في الترتيب البنائي للنص …] يهيمن الجناس على الفن الشعري : وأن تكون هذه الهيمنة مطلقة أو محدودة ، فإن الشعر مبدئيا غير قابل للترجمة ، وكل ما يمكن القيام به هو النقل الخلاق >>. ( Essais de linguistique générale, éd. Minuit, p. 86 ) ويبقى هذا النقل من اختصاص أسطورة الخلق الذاتي . وهي بالضبط ما ينبغي تنظيره ، مع مسألة هذا التحديد للترجمة الذي يدع جانبا كل ما هو << شعر >>.

3) M. Heidegger, Questions I, éd, Gallimard, 1968, p. 10

4) B.Gilson,Linguistique et philosophie,Vrin,1969, p191

5) Woodhouselee,Essay on the principales of translation,1792,cité par Th S avory, the art of translation , Londres , J.Copie,1968, p.138

6) يقول ماتوري (Matoré) في تاريخ المعاجم الفرنسية ، لاروس ، 1968 ; ص 26 : << كان سيكون من المستحيل اقتراح شيء آخر غيـــر << المنحرفات الجميلات >> <<belles infidèles>> ] لهواة المؤلفات القديمة أو العجيبة في القرنين السابع عشر والثامن عشر : اننا لا نتصور أن غالان (Galland) كان سينشر ترجمة كاملة لألف ليلة وليلة ، ولانتصور كذلك أن الماركيز دي فوك (de Vogue) كان سيقدم لقراءة الفرنسيين ، حوالي 1890 ، نسخة كاملة ودقيقة لرويات دوستيوفسكي ( Dostoievski) . إن الجمهور ، الذي لم يكن معدا لمثل هذه القراءات ، كان سيظلمتجاهلا لأهميتها ، وكانت هاته المؤلفات ، هذا إذا قبلنا باحتمال نشرها ، لن تجد سوى عدد محدود من القراء . والأمر على خلاف ذلك الآن ، حيث إن مواطنينا الذين يعرفون جيدا العالم الروسي ، أو أنهم يتصرون أنهم يعرفونه جيدا ، قادرون على قراءة الإخوة كارامازوف في ترجمة مقبولة . والحال كذلك بالنسبة للمعاجم …>>.