السيرة الذاتية في السينما الذاتية في مواجهة العدســة(*) إليزابيث . و . بروس

ترجمة : عمر حلي

من الطبيعي جدا أن يتناول أهم ما كتب حول السيرة الذاتية “ظهــور ” هذه الأخيــرة : متى وكيف نشأت ؟ تطور شكلها والعصور القوية من تاريخها ، وقابليتها المدهشة والمفارقــة ؛ قدرتهـا على الإمســاك بما يتفرد به كل كاتب على حدة ، مع الاحتفاظ على أمــر تقديــم نفسهــا لدى كل الكتاب باعتبارهــا فاعليــة واحدة . غير أنــه لا يجب التقليل ، ربما في وقتنا الراهن على الخصوص ، من أهميــة التساؤل حول “اختفائهــا” كيف يختفي نوع مثل السيرة الذاتيــة ، النوع الذي تميزه ديمومته وتكيفيته ؟ ولن أسمح لنفسي بالإيحاء بأن ذلك قد يتــم دفعــة واحــدة أو بسبب حريق يأتي على النوع برمتــه . ليس نتيجة انفجار ميلودرامي ، وليس (بالضرورة)بطريقة مهموسة ؛ ولا من خلال تقديــم أعراض جلية لعجــز داخلــي ، ولا باعتبــار النــوع مهددا بأن يقابل بالنفور أو محاطا بالريبــة . إن اختفاء نوع أدبي أمــر بالغ الدقــة ويخضــع للتدرج في الوقت نفســه ؛ لا يعني ذلك تحوله بمفرده ، بل تحول محيط كامل ، خاصة ما يتعلق منه بالقوة النسبية لصيغ التعبير الجديدة . ولا زالت فاعليـة هذا النوع التي كانت إلى عهــد قريــب مركزية وكونيــة تمارس ، وتحافظ على جمهورهـــا ، غيــر أن عدد هؤلاء الممارسيــن وذلك الجمهور قد أصبـــح قليلا ، ومكونا من ذوي الاهتمام الأكثـــر تخصصا . ومن غيــر المستبعــد أن تحولا من هذا المستوى قد بدأ يحدث بالنسبة للسيرة الذاتيـة من حيث كونها عنصرا من عناصر تحول أشمــل – تغيير في أنظمــة التواصل المهيمنــة -يخص ثقافتنا في مجموعها . فإذا كانت السينما والفيديو قد استطاعا بجديــة تعويــض المكتوب باعتباره صيغتنا الأساسية للتسجيل والإعلام والترفيـه ، وإذا كان من الصحيــح ، كما أقترح أن أوضح ذلك هنــا ، أنــه لا يوجد مقابل فيلمي حقيقي للسيرة الذاتيــة . فيمكن بالتالي للفاعليـة الاوتوبيوغرافيــة كما عرفناها منذ أربعــة قرون أن تندثر أكثــر فأكثر، إلى أن تندثر في الأخيــر.

غير أن الرهان لا يتعلق باختفاء نوع ما فحسب . فهناك أولا ما يستتبعه ذلك “المتعذر نقله” في السيرة الذاتية إلى اللغـة والسينمــا باعتبارهـمــا مؤسستيــن سيميوطيقيتين . ويبدو أن كل محاولات السينما الاوتوبيوغرافية الموجودة تخفق حول نفس المسألة ، فتنتهي إلى العجز عن التميز ، سواء عن السير الذاتية ، أو عن السينما التعبيريـة . كما يبدو أن وحدة كل من الذاتيـة والذات المتناولة – ذلك التطابق الضمني بين المؤلف والسارد والبطل الذي ترتكزعليه السيرة الذاتيــة الكلاسيكيــة – تتفجر في السينما ؛ إذ تتحلل الإنية في السيرة الذاتية ، وتنقسم إلى عنصرين غير قابلين عمليا للالتئام هما الشخصية المصورة (المرئيــة كلية ، المسجلة والمعروضة على الشاشة) والشخصية المصورة (المختفية تماما خلف العدسة) . ومن المؤكدأن هذا الانشطار يمكن أن يأتي خطأ ، كالإخفاق الفردي لعدد معين من المخرجين الذين كانوا قد جربوا هذه المغامرة . لكن عندما نأخذ بعين الاعتبار إلى أي حد يختلف هؤلاء السينمائيون الأوتوبيوغرافيون المفترضون فيما بينهم – من كوكتـو حتى وودي آلـن ، من الفيلم الوثائقي “جويس في الأربعة والثلاثيــن” حتى “هلوسات شاباكــا” – ، وعندما نلاحظ الإصرار الذي تعود به نفس المشاكل ، رغم هذه الاختلافات ، يبدو التفسير بالصدفة غير مقنع تماما . ويجب إذن أن نبحث عن شيء ما في الوسيط نفسه ؛ شيء ملازم لهذه المجموعة المنظمة من الممارسات التي يشكل مجموعها المؤسسة التي نطلق عليها السينما . ويصبح المشكل عندئذ هو معرفة الافتراضات والانتظارات المسجلة في بنية المشاركة اللصيقــة بالسينما ، المرتبطة بتقنيتها نفسها ، مكيفة بذلك إنتاج وتلقي الأفلام ، والتي تجعل نقل السيرة الذاتيــة من وسيط إلى آخــر أمرا إشكاليا . وبطريقة غير مباشرة ، ما يوضح في اللغة تلاؤمها الخاص مع التعبير الأوتوبيوغرافي . هكذا تكشف المشاكل التي تطرحها السيرة الذاتيــة بأن الاختلافات الموجودة بين الوسيطين ليست شكلية فقط ، وأن الفارق الأهـــم ليــس هو الموجــود بين الصورة والجملــة ، بل بين “ممارسـات دالة” (1) . ما هو الهدف الذي نظمت هذه الأشكال من أجله ولماذا نظمت على هذه الطريقــة ، وما هي النتائـج (الاجتماعية ، الابستيمولوجية ، والجمالية ) المفترضة لتلك الاختلافات .

فالسينما على ما يبدو ، لا تمتلك تلك القدرة على المراقبة الذاتيــة وعلى التحليل الذاتي اللذين نقرنهما باللغة وبالأدب . وقد غدا هذا النمط من الممارسة الاستنباطيــة مألوفا إلى درجة أصبح من العسير معها تحديد هشاشته ، وتوضيح التجميع الخاص من الافتراضات و من الفرضيات الذي يرتكز عليه . وما هي ، بالتالي ، الانعكاسات بالنسبة لمفهومها للأنــا وللذاتيــة الإنسانيــة إذا كان ضمير المتكلم الأوتوبيوغرافي لا يصمد بالانتقال من النص إلى الفيلم ، وإذا كانت الذاتيــة تغيب أمام العدسة ؟ سنميل بطريقة إرادية ، مهما كانت التفريعات المحلية للشكل ومضمراته ، إلى النظــر إلى السيــرة الذاتيــة باعتبارها ، على الأقل ، تعبيرا عن واقع تحتي مشترك – هو واقع “أنـــا” سيكون وجودها مستقلا عن كل أسلوب خاص للتعبير ، وسيكـــون منطقيا سابقا لكل الأنــواع الأدبيــة وحتى للغة نفسها . هنــاك أولا الذات، صيغة الوجود التي لها ضرورتها الميتافيزيقية الخاصة ؛ ثم هناك، بعد ذلك فقط ، السيرة الذاتية ، الخطاب الصادر عن صيغة الوجود هذه التي تمنحها صوتا . تلك حالة المنهج الاستدلالي المتبع من طرف ديكارت في البرهنة الأوتوبيوغرافية الشهيرة التي قدمهــا عن وجوده الخاص . فكلما كانت الشكوك المعبــرعنها في كتاب التأمــلات جازمة ، كلما كان وجود الذات التي تشكك مؤكدا . فديكارت لا يطرح أبدا مسألة معرفة ما إذا كان من الممكن قلب النظام الظاهــر للعلة والنتيجــة ، وما إذا كان من الممكن أن تكون ذات الشك نتيجة للشك بدل أن تكون مصدرا له . وربما أن الذاتيـة تتحقق في اللغة ومن خلالها أكثر مما تستخدم اللغة “وسيلة” للتعبير عن وجودها المتعالي الخــــاص (2) . وهنا يكمن ، دون شك ، ما يبدو أن القانون الإشكالي للفيلم الاوتوبيوغرافي يوحي إليه . لأنه إذا كــان من المستحيل تجسيد وتوضيــح الأنـــا في السينما ، ستصبح الأولية الظاهرة للذات – أي وجودها ذاته – محط نقاش . لأن الخطاب الذي كان من الممكن أن يظهر باعتباره مجرد انعكاس أو أداة للأنــا يصبح هو أساسها وشرط وجودهــا نفســه .

لقد قيل بأن “العالم المرئي من خلال السينما” هـــو “العالم المرئي دون أنــا “.(3) سابحث في الصفحات الآتيــة لماذا وكيف أن الأمــر كذلك. وسأحاول بالإضافة إلى ذلك أن أحدد الدلالة العميقة لاختفاء الأنــا هذا . ففي الواقع لا يتعلق الأمــر بالضرورة باختفاء ، بل بالأحرى ببداية مشروع جديد مدعو إلى تغيير السيرة الذاتية الكلاسيكية إلى شيء آخــر ، وأيضــا إلى تغيير تنظيــم التجربــة الذي تفترضه السيرة الذاتيــة وتستخدم من أجل صيانته في الوقت نفسه . إن السينما باعتبارها ممارسة دالة جديدة تستطيع ، بالقوة على الأقل ، أن تطلق العنان من جديد لرغباتنا ، وأن تغني تجربتنا بأن تشق لها طرقا جديدة، وأن تغير أفكارنــا القديمـة حول طبيعـة الشخصية والهويـة الفرديـة . ولاشيء يضمــن بالطبع أن هذه الإمكانات ستستغل ؛ ففي الواقع ، يبدو أن السينما التجارية تستخدم في جزء كبيــر منها في المحافظة على الأفكار المألوفـة ، وفي إقناعنــا بأن هذه الأخيــرة ما تزال موافقة لكيفية حياتنا المعاصرة . ولا يعني ذلك أيضا أن النتائج المتوقعة لإعــادة التنظيــم هذه لتجربتنــــا ستكون كلها مرضيــة . فبدل تذليل التنافرات القديمة بين الأنــا والآخــر ، بين الفكــر والمادة ، يمكن للسينما أن تفاقمهــا ، أو تشجع الميل إلــى الاستهلاك السلبي ، وإلــى ذلك الإحسساس بعجــز الفرد الذي يهددنــا منذ الآن . غيــر أنه من السابق جدا لأوانـــه الحديــث عن النتائـــج الممكنـــة ما لم نمتلـــك رؤيــة أكثــر شموليــة للأسبــاب .

إن السينمــا الأوتوبيوغرافيــة تطرح بدورها مشاكل عديدة . ونعثــر فيهــا علـى خليط من الأسئلـــة المتعددة التي لاتجمعها علاقة منطقيــة فيما بينها – تصوراتنا للمؤلف ، الإختلاف بين السرد من جهــة والإدراك أو “التبئيــر” من جهة ثانيــة ، وشروط التمثل الواقعي – وهي أسئلــة يجب توضيحهــا قبل الخوض في فهــم مختلف الأشكــال التي يمكن أن يتخذهــا إخفــاق السيرة الذاتيــة المصورة . لا أحــد يستطيــع أن ينكــر ما للسينما من قدرة على تصويــر أهــم مظاهــر الشخصيــة ، كما نلاحــظ جيدا كيف أنهــا تستطيع أن تعيــد مقطعــا سرديا مثل اللغة تماما . ومن تم فليست السيرة الذاتيــة هي مصدر الصعوبــات ، بل الظروف التي تروى فيــها هذه السيرة الذاتيــة . إن “قــوة” السيــرة الذاتيــة من حيث هي نوع أدبـــي] والسمـات البارزة التي ميزتها طيلــة تاريخهــا عن باقـــي أنمـــاط الخطـــاب سياقـيـة أكثر مما هي شكليـــة . لا يوجد مقطع سردي ، أو طول مشتــرك ، أو بنيــة عروضيــة ، أو أسلـــوب ينتمــي بوجــه خاص للسيــرة الذاتيــة أو يكفــي لتمييزهــا عن السيرة ، بل حتى عن التخييل . فلكي يعتبــر نص ما سيرة ذاتيـة ، عليــه أن يقدم وضعيــة ضمنيـة معنية ، علاقــة خاصة مع نصوص أخــرى ومع المكــان الذي يتحقق فيــه . وهنـاك ثلاثــة ثوابــت تحدد هذه الوضعيــة وتضفــي على السيرة الكلاسيكيــة قيمتهـــا الخاصـــة باعتبارهــــا نوعــــا :

قيمـــة الحقيـقــة : إذ تزعــم السيرة الذاتيــة أنهـــا تطابـــق شهـــادات أخـــرى ؛ ونحــن مدعــوون عادة إلــى مقارنتهــا مع وثائــق أخــرى تصف نفــس الأحــداث (لنحــدد صدقهـــا) ومع كل ما قال المؤلــف أو كتبـــه في مناسبــات أخــرى (لنحدد إخلاصهــا) .

قيمـــــة الفعـــــل : إذ السيرة الذاتيــة مسعــى شخصــي ، فعــل يجســد خاصيــة الفاعــل المسؤول عن هــذا الفعــل وعلــى الطريـقـة التي تحقق بهـــا .

قيمـــــة التطابــق : إذ تمتزج في السيــرة الذاتيـة الأدوار المميــزة منطقيــا والتي هي أدوار المؤلــف والســارد والبطــل ، لأن نفــس الفرد يشغــل في نفــس الوقــت موقعــا فـي السيــاق ، وفي “لحظة الكتابـة” التـي ترتبــط بــه ، وداخــل النـــص نفســه . (4)

إن الارتبــاط بين النص ووضعيـــته يبدو ، بالتأكيــد ، بدهيــا ، غيــر أنــه كان سيبدو ، دون شــك ، متكلفــا جــدا إذا لم نكــن قد ألفنــا المضمرات السياقيــة التــي تصاحــب بانتظــام كل استعمالاتنــا للغـــة(5). ولأننــا مدربــون علــى اللغــة من حيــث هي مؤسســة ، فقــد ألفنـــا قبــلا قدرة الكلمــات على التعبيــر عن الافتراضات ، وتأكيــد الحقائــق ، وتضميـــن الاعتقادات ، وترميــز تغيــرات دقيقــة ترتبــط بالسيــاق المحيط بإنتــاج وسماع الجمــل . ويبدو لنــا ، خاصة ، أنــه من الطبيعي أن نفترض بالضرورة وجــود ذات تتكلــم بالنسبــة لكل قول منطوق ، أي وجــود أصـل وحيد ومؤلف مفرد مسؤول عما يقال وما يفعــل . إن السيرة الذاتيــة تقتصــر على استخدام اتفاقات أكثــر عموميــة تنطبــق على اللغــة في كليتها ، خاصة البنية الاتفاقيــة للمشاركــة التــي تحدد الأدوار المتبادلــة لمستعملي اللغــة ، عازلــة بعض المواقـع الرئيسيـة (مثل :المتكلــم ، السامع) وموضحــة القدرات التي هي قدراتهم نظريــا . وهو معطى مهــم جــدا من وجهــة نظــر السيــرة الذاتيــة لأن الممارســة اللغوية الأكثــر تداولا تسمــح لنفــس الفــرد أن يلعب دور المتكلــم وأن يكـــون في الوقــت نفســه مرجعـــا لذاتــه . وضميــر المتكلــم هو أقصــى مثال لهذه الممارســة ، مادام يشيــر في الوقت نفســه إلى ذات فعـل القول ويحدد ذات الجملــة المنطوقــة . وبهذه الطريقــة ، يصبح ضميــر المتكلـم في الوقت نفسه هو المسند إليـه المفترض وفاعل الأعمــال التي تتجاوز الفعـل المباشر للقول ، جاعلا بذلك من ذات الخطاب قوة حقيقية بدل أن تكون صورة طيفية غير مميزة بما فيــه الكفايــة . (6)

هكذا إذن ، فإن بنية السيرة الذاتيــة التي هي حكايــة مكتوبــة من طرف نفس الفـــرد الذي تتناولــه في الوقــت نفســه ، تعكــس وتعضد بنيــة ضمنيــة سلفــا في اللغــة ، بنيــة ، فضلا عن ذلك ، تشبــه كثيرا (وليس هذا من قبيل الصدفـة) ما نعتقد عموما أنــه بنية الوعي بالذات نفسهــا : القدرة المتزامنــة على المعرفــة وعلى أن نكــون ما نعرفــه . فالذات الابستيميــة الكلاسيكيــة هي ، كذات الخطاب ، في الوقــت نفســه مكان وأصــل الوعــي ، وموضوع تأملاتهــا الخاصــة . ومع ذلــك ، يبدو أن كون الانســـان ذاتا يفرض أن يؤكــد قدرتــه على الإدراك ، وعلى فهــم أفعالــه الخاصــة ومستنداتـــه، وهنـــا بالذات يكمــن ما تتمكن اللغــة مـــن تأكيـــده . وإذن يرتكــــز المشــروع الأوتوبيوغرافــي علــى هذا التطابــق (أو الخلــط) الجوهري بين ذاتيــن – ذات الخطاب وذات الجملــة – على وحــدة الملاحــظ والملاحظ ، والاستمراريــة المزعومــة بين الماضي والحاضر ، الحياة والكتابة (7) .

وتصبح العرضية القصوى لهذا التوازن جلية عندما ننتقل من اللغة إلى السنمــا التـي لها معطيــات فرضية قاعديـة مغايـرة . فالسينمـا تقلب كل الثوابــت – “قيمــة الحقيقة ” ؛ “قيمة الفعل” ، “قيمة التطابق” – التي نماثلهــا عادة مع الفعــــل الأوتوبيوغرافي إلــى درجــة أن محاولات مقصودة لإعــادة خلق النــوع بالمعني السينمائي تجد نفسها أيــضا مهدمـــة بشكــل ماكـــر. وبناء عليــه يصبــح الأنـــا الأوتوبيوغرافي أقل مشابهــــة لوجـــود مستقل وأكثــر تشابهـــا مع “موقف” مجرد يظهــر عندما يتجمع عدد معين من الاتفاقات ، ويختفي عندمـــا يتـــم إسقـــاط الاتفاقـــات التي يرتبــط بهـــا .

فحتى بالنسبة “لقيمة الحقيقة” التي قد يبــدو أنهــا لا تطرح مشاكـــل كثيرة في السينمــا ، لا تبقى تماما كما هي إلا في اللغة . فالصور ليست منفصلـــة ، وليست من تم انتقائيــة مثل الجمل ؛ فهي لا تميز بين الموضوع والمحمول بطريقــة تسمح لنا بالتفريــق بين ما هو جوهري وما هو عرضي . فهل يفترض فينــا أن نصب اهتمامنا على السلاح الذي يحملــه الخائــن ، أم على الخائــن الذي يحمل السلاح ؟ ويعني ذلك بالنسبة للسير الذاتيــة المحتملة أنــه قد ينظر إلــى الأشيــاء المهمــة بعيــن الانتقاض . كما قد لا تفهـــم المقصديــات على وجهها الصائــب . ثم هل يوجــد تشابــه مادي بيــن الشخصيــة المقدمــة على الشاشــة والفنان الشاب ، أم هنـــاك مجــرد شبــه في سلوكيهما ؟ من الأكيــد أن اختيــار تسلسل الصـــور والمونطاج في السينما يتيــح ممارســة فحص أكبــر ، غيــر أنـه من المغري الخضوع لحلم الامساك بالعالم بكل كثافته واحتماله في الفيلم . ويمكــن أمـــام إمكانيــة استعمــال اللغـــة – مع صوت مصاحب من أجــل إثارة الاهتمــام حــول مظهــر معيــن من مشهد مـــا ، أن نفضل إمكانيــة تسجيل أصوات بشريــة أكثــر غموضـــا ، مثلمــا هو الحال بالنسبـــة للضوضــاء المبهمـــة أو الأصوات المتعددة في الشريــط الصوتــي لأفــلام أولتمان . ويمكــن لإعـادة إنتــاج الحقيقــة الأكثــر انتقائيــة في النص الأوتوبيوغرافي أن تبدو عندئــد باعتبارهــا تقلل من أثــــر الحقيقة الخاص بالسينمــا .

لقد توصلــت السينمــا ، خــلال سنوات ، إلــى إقــامة تمييز بين التخييل والواقــع خاص بها من حيث هي نوع . غير أن الوضعيــة تتعقــد لكون الأفــلام التي “تروي حكايـــة حقيقيـة” تتفرع بدورها إلــى أفلام] “وثائقيــة” تسجــل أحــداثا واقعيـــة في حالتها الطبيعية ، وإلــى عروض معدة بطريقــة مفتوحــة للأحداث الواقعيــة (إعــداد لا يشمــل السيناريــو وخداعات الإخــراج فقط ، بل يشمل أيضــا الآثار البصريـــة المضافــة بعديــا) . ففي الحالة الأولــى ، نقرأ الفيلــم باعتباره بصمـــة ميكانيكيـــة ، لأن حقيقتـــه مرتبطــة بأمانـــة ووضوح وصفـاء هذه البصمـة ، بالإضافــة إلــى غيــاب كل علامــة على التلويـث أو التدخــل البشري . أما في الحالــة الثانيــة ، فنحكم على الفيلــم باعتبــاره وصفــا أكثــر مما هو شهادة ، ونقوم حقيقته على ضوء معاييـرالمشابهــة . تضيف السينما إذن متغيرة جديدة لم تعرفهــا السيرة الذاتيـة حتى الآن أخـــذا بعين الاعتبــار – الاختيــار بين حقيقــة تخضـع للإخراج وحقيقة مسجلة مباشرة . ولا تمنح اللغة طبعــا أيــة وسيلــة للتسجيـل دون أن تقوم في الوقـت نفسـه بالإخراج – فليست اليوميات الخاصة ، بهذا المعنـى ، نقلا أكثــر مباشرة من المذكرات المكتوبــة من طرف من بلغ السبعيــن . وهكذا إذن ليست ضرورة الاختيــار مختلفــة هنــا رغــم أن حقيقـة الأفــلام الوثائقيــة وحقيقة إعدادات الدرجــة الثانيــة ترتكـــز على مبادى اتفاقيــة (قائمــة على تقنيات الصورة أو علـــى المشابهــة) . ويبــدو من المحتـــوم تقريبــا أن اختيــار الإعــداد في مقابل التسجيـل المباشــر سيدفع إلــى الاعتقــاد بأن الحاجــة كانت تدعــو أكثــر إلــى التدخــل ، أو حتى إلــى الاشتبــاه بأن للسيرة الذاتيــة “شيئــا ما تخفيـه” .

وعلاوة على ذلـك ، ليست الصحــة سوى عنصــر من “قيمة الحقيقة” التي نربطهــا بالسيرة الذاتيــة ، مادام العنصــر الثاني هــو “صدقهــا” المزعــوم . لكـن ما هي الشروط التي يمكننا أن نقول فيها بأن فيلما ما فيلم صادق ، أو أنــه يعبــر عن معتقد والتزام في الصور التي يعرضهـــا؟. فالمصطلحــات نفسهــا تبدو غامضــة . إذ هنــاك ، بالتأكيــد حالات يمكن فيها لصوت “أوف” المصاحب لصورة ما أن يدفــع إلــى سيطرة الارتيــاب حول وضــع هذه الأخيــرة ، غيــر أنــه في غياب مثل هذه المصاحبــة ، لايمكـــن لأي شيء في المشهــد نفســه – ولو تعلق الأمــر بانحرافــات كبرى أو بغيــاب مفاجىءللتبئيــر- أن يتيـح لنـــا أن نلمـس فيـه دون غمــوض تعبيــرا عن ارتياب ما . يمكــن أن تختلــف المشاهــد في إيقاعـهـــا وفي تركيبهـــا ، وإنارتهـــا وتبئيرهـــــا وهكـــذا دواليـك ، غيـر أن هذه الاختلافات ليست لها أيـة دلالة ثابتـة ، كما توضـح ذلك الطريقـة التي يمكن أن يغيربهــا التصويــر البطيء دلالتـه من فيلم إلــى آخــر حسب السيـاق الذي يوظــف فيه. لا توجد أيــة طريقـة تصويــر تعتبـر هي التعبيــر الاتفاقي عن الرغبــة أو عن الألــم بالمعنى الذي نجــد فيه أن طرقــا في الكلام هي التعبيــر المعتــاد عن الألــم أو عن معتقد أو حاجــة . وهــذا عائـق آخــر للتعبيـر عن الذات من طرف الذات الذي يطالــب به التقليــد الأوتوبيوغرافي .

إذا كنــا نقرأ في نص نثري مواقف وأحكاما ما ، فلأننــا نتقبـل اللغـة من حيـث كونهــا صيغــة للفعــل ، مادامــت اللغــة هي تحديدا محاولــة لبلــوغ غايـة ما ، ومادامت تفرض بناء عليـه (تحديدا كما هو الحال دائمــا) فاعلا ممتلكا لعدد معيـن من المقدرات ومن الكليــات السيكولوجيــة . غيــر أننا نجــد صعوبــة في تصور السينمــا باعتبارهــا صيغـة للفعــل ؛ فنحــن لا نتوفــر إلا على بعض المبادىء الفضفاضة عما “تقوم ” به الأفلام إذا تجاوزنــا المقولات الغامضــة مثل “الاخبــار” و “الترفيـه” و “القيــام بالدعايــة” . وفي الواقع ، هنــاك كثير من المنظريــن للسينمــا الذين يؤكدون على الفكرة التي ترى بأن ما يميـز السينما أكثــر هو بالذات قدرتها على حصر تدخــل الانسان ، وتحديد إمكانات الاختيار، والسيطرة على الرغبــة ، وتقويــض السلطــة. ولنعـد الكلمــات المشهــورة لأندريـه بازان . “إنها المرة الأولــى التي لا يتدخل فيها بين الشيء الأولي وعرضه أي عنصر غير شيء آخــر. إنهــا المرة الأولى التي تتكون فيهـا صورة للعالم الخارجي أتوماتيكيـا دون تدخـــل إبداعــي للإنســـان ” (9) ، نحن هنــا أمام “أسطورة السينما الشاملــة” للحريــة الخارقــة لشيء يتم دون أي تدخــل خارجي . غير أن النزعــة الاليــة هي نفي للسيــرة الذاتيـــة ؛ لم نعد في حاجــة إلــى إدخــال حضـــور فاعــل إنساني ؛ أمــا بالنسبــة للمخرجيــن ، فهم عاجــزون عن المراقبـــة التامــة لما سيتــم تصويره . ومن تم يجب التخلي عن الأمــل في إذاعــة أو توضيــح إمكانيـــة تعبيـــر ذاتــي في السينمـــا.

كما تعمـل السينما أيضا بطرق أخرى من أجــل هدم “قيمة الفعل”الضروريــة للسيرة الذاتية . فالجانب الذي تحدد فيه قوانيـن اللغة مصدرا واحــدا ، تقدم السينما مكانه مجموعة متباينة من الأدوار ومستويــات من الانتـــاج معزولـــة بوضـــوح . ولو افترضنـا أن فردا واحدا توصل إلــى أن يكون في الوقــت نفســه كاتب سيناريو ومخرجــا وضابطا للصورة والديكور ، ومسؤولا عن الصوت والصورة ومنجزا للمونطاج فضلا عن ذلك (وكم من المخرجيـن – المؤلفين” يتوصلون إلى القيام بكل هذه الأدوار ؟ ) ، فإن النتيجــة ستنهض على التغلب على عقبــة أكثــر مما ستقوم على الكمال التقليدي الأبدي لذات الخطاب . لايمكن أبـــدا للمخرج المؤلــف أن يظـــل مشابهـــا للمؤلــف ، وذلك نظرا للتغيـــرات التي تخضــع لها طبيعــة “السلطة” نفسها من طرف السينما. ففي النطاق الذي يجب فيه على المؤلــف أن يستعمــل مقدراتــــه الخاصــة ، يبقــى المخرج حرا تماما في تفويضهــا لغيره] ؛ يمتلك المؤلف جديــا مؤهلات لا يحتــاج إليها المخرج إلا من أجل الإشراف على عمل ، وينجــز ما قد لا يحتاج السينمائي إلا اكتشافـــه . إن هــذا الغيــاب للتحديد ، وهــذا التعدد ، والاستحالة التي نجــد فيهــا أنفسنـــا، أمــام فيلم ما ، غيــر قادريـــن على تناول كل شيء بوثوقيـة باعتباره نتاج مصدر واحــد ، أو علــى الاعتمــاد على نفس الالتزام الشخصي للمبدع في مادة إبداعـــه النهائيــة ، هذه الأشيـــاء] هي التي تجعل كل سيرة ذاتيــة مفارقــة . في فيلم كفيلم “الوردة” ، على سبيل التمثيــل ، نجــد أن البطلــة (التي نراها حقيقة وهي تلــد) هي المسؤولـة جزئيــا عن تصوير نفس الفيلم : إذ تشتغل تقنيــة للصوت في حيـن يشتغل زوجهـــا مخرجا لفيلم . ومادامت السيرة الذاتيــة ترتكــز على فكرة المؤلف الواحــد ، لم تعد التحديدات الكلاسيكيـة تبدو ملائمـــة . وفي الحقيقة ، يتعذر العثــور على تسميــة لمحاولــة من هـــذا النوع ، خاصة إذا كنـــا نصر على قبــول القسمــة التقليديـــة بين الأنـــــا والآخـــر ، وإذا ظللنـــا مقتنعيـــن بوجـــود فـــرد يمكنــــه بمفرده أن يعرف هذه الأنـــــا معرفة حقيقية (وبناء على ذلك ، فإن أناي الخاصة هي الوحيـــدة التي لايمكنني أبـــدا معرفتهـــا حق المعرفــة) . إن مفارقـــة من هــذا النـــوع هي التي قــادت ميرلو – بونتي ، قبل عشريــن سنـــة ، إلــى القول بأن السينمـــا تضعنــــا أمـــام ضرورة ابستمولوجيا جديدة أو سيكولوجيــا مجددة :

يتوجب علينا أن نرفض هنـــا ذلك الحكـــم المسبق الذي يجعل من الحب ومن الكراهيـة أو من الغضب “حقائق داخلية” لا تصل إلا شاهدا واحـدا ، هو ذلك الذي يحسها … إن السينمـــا] تقدم لنــا تلك الطريقــة الخاصة للدخــول في العالم ، وتناول الأشياء والآخريــن ، والتي تكون مرئيــة بالنسبــة لنا في الحركـــات ، وفي النظرة ، وفي الحركات الصامتــة ، وتحدد بالطبــع كل شخصية نعرفهـــا . (10)

والحــال أن المفسريــن ليسوا كلهــم متفائليـــن بهــذه الدرجـــة ، ويرى الكثيــر منهم بأن السينمــا ليست سيكلوجيــا جديدة بل نهاية للسيكولوجيــا ، “معالجـة مجردة من الطابع الإنسانــي … لا عمق لها … لا تكتفي فقط بأن تضع حاجـــزا بين المتفرج أو القارىء والشخصيــة ، بل تجعل هذه الشخصيــة مستعصيــة على كل تحليــل عميق” . (11) ومهما كانت النتيجة التي نستخلصها مما سبق ، من الواضح -إذا اتخذنا السيكولوجيــا القديمــة المرتكزة على اللغة نقطة مرجعيــة – بأن السينما هي “لاشخصية” على الأصح . فلاشيء يتيح لنــا بأن نـرى تركيزا شخصيــا في صورة دون أخــرى ، وأن نميز بين مشهــد مصورمن طرف المخرج ومشهــد مصور من طرف فرد آخـــر غيــر محدد . ولا يتعلق الأمــر هنـــا بقصــور في الوسيـط ، بل بنتيجة لممارسات قديمــة للعرض الواقعي الذي يحرم ” أنـــــــــا” المؤلف من كل موقف متميز في مقابل “الأنتم” المرتبطة بالمتفرج – مما يجعل الوهم الواقعي مرتبطا بخلط بين زاويتي النظر هذه يدفــع إلـــى النظر إليهمـــا باعتبارهمــــا متطابقتيـــن كما يتطلب العرض بالإضافة إلــى ذلك أن يكون لزاويــة النظر موقع ” خـــــارج الإطـار ” وأن تكون متكتمة إلــى أبعــد الحدود الممكنـــة ، فهي نقطــة سوداء ضرورية غيــر أن تدخلهـــا المحتمل سيخل بالإتقــان الظاهـــر للصورة .(12) وعلى المخرج في الحد الذي يقبل فيه اتفاقات العرض الواقعي (وهذه الاتفاقات هي التي تضم ” قيمة حقيقـــة”السينمـــا) أن يجتنب الزوايا غير المألوفــة أو غيــر المنتظرة التي يمكن أن لا تصل إلــى ” المتفرج المتوسط” مباشرة – أن يجتنب في الواقــع كل ما من شأنـــه أن يخون عمل التصوير ويشير إلى أنـــه يتجاوز مجرد التسجيل السلبي للصـــور (أو للأصوات) . لقد قالت الصيغة البريئــة لبازان كل شيء ” لا يتدخل بين الشيء الأولي وعرضه سوى شيء آخـــر” . فإبستمولوجيــا العرض التي تتبناها السينمــا وتطورهـــا إلــى أبعد حدودها هي ابستمولوجيا الفرجـة – هنـــاك شيء أولي لا يمكن للذات المتلقية إلا أن تتشربه ثم تجهد نفسها من أجل إعــادة إنتاجــه بعد ذلك . وتذهــب الكاميرا بهذه السيرورة مذهــب الاتقـــان من خلال جعل إعــادة الانتـــاج شيئا آليــا – متخلصا من قابليــة الخطأ في اليقظـة الإنسانيـــة ، بعيدا عن تدخــل البراعـــة الانسانية المشوهـــة والذي لا يمكنــه أن يتبارى مع ما هـو أصلــي ، والذي -مادام يتضمن مجهودا – يأتي ليعارض الاعتقــاد بأن من يتلقى لايقوم بأكثــر من إعادة إنتاج ما ينتجــه الشيء نفسه .

هنــاك بالطبع أفــلام تتباهـى “بخيانتها” من خلال المراوغــة بغنى إخراجهــا أو آثارها البصريـة ، ولا تكترث بالسلبية الاتفاقيـة للعرض . ورغــم ذلك ، فأسطورة السينمــا الشاملــة – المثل الأعلــى لإعادة الإنتــاج الاليــة – قويــة إلــى درجــة أن على كل مخرج يسعــى إلــى إثبــات نفســه أن يكــون متميــزا ، وأن يقــوم بخرق القـــواعد . إننا ننطلق من مبدإ أن لكل نص مؤلفه ، غيــر أننا لا نعتبــر مخرجــا ما مبدعــا إلا إذا كان في العمل شيء شاذ ، متميـــز ، فردي – تقريبــا مثلمـــا أن “المشاهد الذاتيــة” المزعومة في فيلم ما ( التي تدفعنــا إلــى البحث عن حساسية خاصة نرجعها إليها) هي تلك التي تكون ضبابيـة أو معروضـة ببطء أو تبعا لزاويـــة غيــر مألــوفــة . (13) فإذا كان من الصحيح أن السينمــا لا تصبــح “شخصيــة” إلا عندمــا تكـــون ، بطريـقــــة أو بأخــرى “خاصــة” أو “غير عاديــة” ، وعندما يدمــر شيء ما وهــم المحاكــاة ويمنــــع المتفــرج من موقفـــه باعتباره متفـــرجا ، فإننــا ندرك جيــدا لمـــاذا تواجـــه السينمـــا كل هذه الصعوبــات من أجــل إعــادة خلــق التوازن الذي تتطلبــه السيــرة الذاتيــة . لأن علــى الفعـل الأوتوبيوغرافي أن يكــون تعبيــريــــا ووصفيـــا في الوقـــت نفســه ؛ فهمــا أمران لا يستبعدان نفسيهمـــا من اللغـــة التي تفهــم فيــها الحقيــقة باعتبارهـــا بناء (إثباتــا مقدمـــا من طرف المتكلــم) أكثــر من كونهــا انعكاســـا . فبهذه الطريقـــة لا نفترض آليـــا أن على التأكيدات المعبــر عنهـــــا من طرف المؤلــف باسمـــه أن تكــون بالضرورة منحرفـــة أو عموميــة أو لا يمكن التحقق منهــا ، في حين أن المشاهــد التعبيريــــة والمشاهـــد الوصفيـــة في السينمــا تبدو منفصلــة عن بعضهـــا تقريبــا كأن نطلــق تسميــة “الشخصيــة” على السينمــا فوق – الواقعيــة أو المتأنقـــة مثل ” وصية أورفيـــه” لكوكتـــو . ولكــن ، إذا كــان الأمــر كذلــك ، فكلمــا كان فيلــم ما ناجحــا باعتباره تعبيــرا للرؤيـــة الخاصــة لصاحــب السيــرة الذاتيــة كلمــا قلت قدرتــه على أن يدعــي لنفسسه انعكاســـا أو عرضـــا وفيـــا لشخصيـــة هذا الأخيــر .

ومع ذلـــك ، يمكـــن أن نشــك في أن تكــون آثـــار التصويــر والمونطـــاج والإخــراج ، ولو ذهبـــت إلــى أقصــى مداهــا ، قادرة علــى التعبيــر عما اصطلـــح علـــى تسميــته ب “الشخصيـــة” بنفــس الدرجــة التي تعبــر بهــا عنهــا اللغـــة . يمكـــن “للكاميــرا الخفيـــة” أن تركــز علــى المجاورة والزاويـــة والتبئيـــر والحركيــة كي تجعـــل حضورهـــا محسوســـا ، غيـر أن الأمـــر يتعلــق هنــا ببدائــل رديـئـــة لمجمـــوع الحركـــات والمؤكــدات التي تحــدد الموقف الذاتــي للمتكلــم بالنسبــة لموضـــوع خطابـــه . فمــا يقصده أخصائيـــو الأدب عمــومـــا ب “وجهــة النظـــر” قلمــا يقــف عنـد حــدود الهندســة أو الأخبــار البصريــة الصرفــة . وبالفعــل فقد اقتــرحت مايــك بال مؤخــرا مقولــة معزولــة ، .”مبئــر” متميــز عن “السارد” من أجــل جعــل الخصائــص الخاصــة لوجهتــي النظــر هذه أكثــر جلاء . (14) ونشعــر بضرورة مثــل هذه المقولــة بالخصــوص عندمــا يتعلــق الأمــر بمناقشــة أفــلام تسعــى إلــى إعــادة خلــق سارد بضميــر المتكلــم ، مثــل “السيدة في البحيــرة” الشهيــرة . إن الفيلـــم يعتمــد وجهـــة نظـــر بطلــــه بالطريقـــة الأكثـــر حرفيـــة – مثل المخرج – الممثل روبير مونتكومري وهــو موشــح بكاميــرا من بدايــة التصويــر إلــى نهايتــه – غيــر أن الأثــر ليس أبــدا هو نفس ما كان يتوقعــه . فكمــا يوضــح ذلــك جورج ويلســون :

يوهمنــا الفيلم بأن هنــاك كاميــرا تدعــى “فيليب مارلــو” الذي يجــوب لــوس أنجليس مترنحــا ومدعيــا أنـــه ذلك الفــرد المشهــور الذي يحمــل نفس الاســـم . ونجــد صعوبـــة ، بل نحــن عاجــزون لا محالة عن رؤيــة الكاميــــرا التي تغير موقعهــا باعتبارهــا مناظرة لإعــادة توجيــه مستمــرة للمجال البصري في الفضاء ، …] ولا تبــدو لنــا الانقطاعــات ، ولو داخــل مشهــد ما ، باعتبارهـــا تغييـــرات للاهتمـــام البصري للشخصيــة . …] ويمكــن أن نقــول بأن الفيلــم يقدم ، بمعنــى معيــن ، متواليــة من الرؤى للعالـــم ، غيــر أن هــذه الرؤى لا يمكــن أن تكــون رؤيــة فرد بصفــة خاصـــة إلا في حالات محدودة . (15)

ونظــرا للأعراف السينمائيــة ، كمــا قمنــا بذكــرها هنــا ، تبقى هنــاك حظوظ قليلة لنبحث عن “مبئــر” لما يظهــر على الشاشــة (أي أن ننسبه إلــى ملاحظ خاص ) إلا إذا كانت لدينــا أسباب إستثنائيــة من أجل ذلك . وحتى في هذه الحالة ، ليس هنــاك شيء كبيــر في المشهد المصور بالمعنــى الحصــري يميــز “المبئــر” : يتوجــب علينــا في أغلــب الأحيــان العودة إلــى صور وإلــى أحــداث سابقــة لكي نتمكــن من تحديد من يرى وما هي محفزات ووضعيــات رؤيتــه . (16) ولأن مقدرات الذات المدركــة هي دون وأقــل من مقدرات الذات المتكلمــة ، فإن المبئــر بضميــر المتكلــم لا يتوفــر لا علــى السلوك ولا على الصفــات المميــزة التي نربطهــا بضميــر متكلــم السيــرة الذاتيــة ، حتـى عندمــا نشعــر بإقحــام حضــور معيــن .

يبقــى عامــل آخــر وأخيــر يظهــر الذات السينمائيــة أكثــر تلاشيــا بكثيــر من ذات الخطــاب هــو : الغيــاب الكلي ل”قيمــة التطابـق” في السينمــا . فعندمــا أتكلــم فـ”إنني” أنصهــر بسهـــولة وأمتزج تقريبــا مع “ضمير متكلــم” آخــر أتبنــى طابعــه ومغامراتــه باعتبارهــا تنتمي إلـي . لكن ، في فيلم ما ، يكون المتفرج دائمــا”خارج الإطــار” ، نظرا لوجــود حاجــز يتعذر عبــوره بين الشخص الذي يرى والشخـص الذي يــرى . وسيؤدي صهرهمــا في صورة واحــدة إلــى قبــول إمكانيــة الحضــور في مكانيــن في الوقت نفســه – وهــو ما لا تقبلــه بالطبــع لا قوانيين الهندســة ولا القوانيــن البصريــة – وهــو أمــر ممكــن فـي اللغـــة التي يكــــون فيهــا موقــع المتكلــم محــددا سلفــا و”إطــار” فعل الكلام معترف به رسميــا . غيــر أنــه يوجــد ما هــــو أكثــر من ذلك : فحالــة الوجــود التي من المفروض أن المتكلــم يتقاسمهــا مع الفــرد الذي يتحدث عنــه ليست في حاجـــة لأن تكــون زمنيــة أو مكانيــة . لأن اللغــة تتقبــل الانزيـــاح في التطابــق أكثـر ، وتقـدم وسائــل أكثــر للقول بأن الهيئــات المتميــزة “واحــدة” – وهي ربمــا في بعض الأحيــان الوسيلــة الوحيــدة ، مثلمــا هو الحال عندمــا يتعلق الأمــر بالإحســاس باستمراريــة “ذات” معينــة ، من المؤكــد أنــه دقيـق جــدا وغيــر قابل للملاحظــة ، غير أنــه ليس من المستحيــل التعبيـر عنـه .

إن لا شخصيـة الرؤيـة السينمائيـة ، وغيــاب الكثافـة والتفرديـة فيهــا ، وسلبيتها النسبيـة والتفريـق الأبــدي بين من يـرى وما يتــم النظـر إليــه ، تخلق كلها الإحساس بذاتيــة “صافيــة أكثـر من اللازم” بالنسبة للسيــرة الذاتيــة . وكما يوضــح ذلك كريستيان ميتـز:

فالمدرك …] يقع كله في جانب الموضوع ، ولم يعد هنــاك شيء يعادل الصورة الذاتيــة ، يعادل ذلك الخليط المفرد للمدرك وللذات (للآخــر وللأنــا) …] . في السينمــا ، الآخــر هو الذي يكــون دائمــا على الشاشــة ؛ أمــا أنــا فأوجــد هنا من أجـل مشاهدتــه . لا أساهــم بأي شيء في المدرك ، بل إنني على العكس من ذلك عبــارة عن كل مدرك …] . فالمتفرج ، إجمالا ، يتطابق مع نفسه ، باعتباره فعلا خالصا للإدراك (باعتباره تيقظا ، وباعتباره حذرا) : باعتباره شرطــا لامكانيــة المدرك وبالتالــي باعتباره نوعــا من الذات المتعاليــة السابقــة على كل “هنــــاك” (17).

يمنــع على كل من يدرك أن يرى نفسه بنفسه ، ولو خفية : فالظل الذي يراه أمـامـــه على الشاشة لا يمكن أن يكون له لأنه في مكان آخــر ، منشغل بالنظر إليه . فالشاشة ، مثل إطار اللوحــة ، ليست إلا تجليا مجسدا للحاجز الذي يفصل مكــان المؤشــر المدرك ومكــان الاستجابــة لذلك المؤشــر ؛ ويسجــل حضورهــا ما تلقنــه لنــا السينما : أي أن الموضوعـيــة تنتهــي حيث تبتدىء الذاتيــة . ولا تحمــل اللغـــة في ذاتهـــا أيــة ثنائيـــة مطلقــة كهــذه – فهي ليست لا موضوعيــة صرفــة ولا ذاتيــة خالصــة . وعندمــا نقرأ سيــرة ذاتيــة ما ، نقبــل هــذا المعطــى منــذ البدايــة ونعرف أننـــــا لن نحصل على شيء أكثـــر من وصف مصفى لذاتيــة الفرد الذي يتكلــم . أمـــا السينمــا فتوحــي لنا بالرغبــة في النقــل المباشــر – فهي بصمــة حقيقيــة للشخصيـــة ، دون توســط أو فعــل للإبداع . والحال أنــه ممنوع ، في الوقت نفســه ، بسخريــة ، أن تكـــون نفس الشخصيــة هي الفرد الحاضـــر على الشاشـــة والفــرد الذي يسجــل وعيــه حضوره في الوقــت نفســه .

وصحيــح ، بالمقابــل ، أنــه تـوجــد حالات يعترف فيهــا للمخرج بأنــه المبدع الوحيــد في الفيلــم مع ظهوره “شخصيــا” فيه . هكــذا نحفظ خصائص السيرة الذاتيــة الكلاسيكيــة ، فلم يكــن هنــاك أي عنصــر تفكك كامــن . في أغلــب الأحيــان ، لا يزعجنــا أي شيء في كون شخص ما يسير تصوير مشهــد ما ، ثم يشرف على مونطاج النتائــج ، ولكــن عندمــا يظهـــر الشخص نفســه على المكشـــوف ، ويزعــم أنــه يقدم وجوده “من جانب الشيء” ، فكأن تيهــا يفاجئنــا ، لحظــة مختلفـة نشعــر فيـهـــا بأنــه لم ” يــعد هنــاك من يوجــه ” ، وأن قدرة متخيلــة غيــر إنسانيــة ومتحــررة من كل رابطــة تربطهــا بالعالــم ” مسافات نظرة لا اسم ولا شخصيــة لهــا” (18) ففي مثل هــذه اللحظــة ، ربمــا أكثــر من أيــة لحظــة أخــرى ، تنهــار ، لمدة ما ، كل إنسانيـتنـــــــــــا الكلاميــة التقليديـــة ، ويلزمنـــا أن نعترف بأن هذه الذاتيــة السينمائيـــة لايملكهـــا أحــد بشكــل خاص : ” فالشخصيات والممثلــون والمتفرجــون ومديــر التصويـــر والمخـــرج كلهــم معنيون بهــا ، بطرق مختلفـة ، غيــر أنهــا ليست لأحــدهم بوجه خــاص :ويحتاجهـــا كل منهــم ” (19) .

II

لن نستغرب ، إذا مررنــا الآن إلــى أفــلام محــددة ، لكون هذه الأخيــرة تميــل إلــى أن تتوزع على صنفيــن متعارضيــن – تلك التي تركــز علـى الشخصيــة المصورة وتلــك التي تركــز على الشخصيــة التي تصـــور – مقلــدة بذلــك الانشقــاق بيــن ” الكــل – المدرَك” و”الكــل- المدرِك ” . يتمثــل مشكــل المجموعــة الأولــى من الأفــلام ، كمــا أشرت إلــى ذلــك رأســا ، في التوصــل إلــى تبييــن أن الحيــاة المقدمــة لنــا هي فعــل إدراك ذاتــي ، لأن السيرة الذاتيــة ليســت مجــرد سيــرة أمــا بالنسبــة للمجموعــة الثانيــة ، فيتحدد المشكــل في التوصــل إلــى أن يعبــر الفيلــم عن شخصيــة الفــرد الذي يدرك دون ترجيحه في الوقت نفســه في الكفــة المعاكســة ، في التعبيريــة المجــردة ، في الفنطازيــا أو السرياليــة . وسنبحــث بعض التجارب الفرديــة من أجــل توضيــح سعــة المآزق التــي يواجههــا مريدو السيــرة الذاتيــة المصورة .

لنأخــذ في البدايــة الأفــلام التي تختلــط فيهــا السيــرة الذاتيــة مع السيــرة تقريبــا ، أو حتى مع التخييل الواقعــي : “شجــرة التعلــم ” لغوردن بــارك ، مثــلا ، أو فيــلم “لايحدث هذا إلا للآخريـــن ” لنــا دين تريتينيــون . لا يمكــن لأي واحــد من هذيــن الانتاجيــن المعديــن ، بممثليهمـــا المحترفيـــن وأسلوبهمــــا الماهــر ، لكــن دون فرديـة واضحــة ، أن يفرض علينــا نفســه مباشــرة باعتباره تذكــرا شخصيــا . ولا نبدأ في الحديث عن سيــرة ذاتيــة إلا فقط بعدمــا نعرف بفضل مصدر آخــر بأن الأحــداث الموصوفــة في الفيلــم تماثــل بعموميــة كبيــرة أحــداثا من حياة مخرجــه نفسه . وفضلا عن غيــاب انحرافات واضحــة للأسلــوب ، مع ذلك ، فإن الطريقــة التي تنخرط فيهــا هذه الأفــلام فيما سمـي بــ”القانون النموذج للسينما الكلاسيكية ” هي التي تجعل تعيينهــا باعتبارهــا محكيــات شخصيــة متعذرا بهذا الشكــل .(20) فهــذه السينمــا “المتلاحمــة” ، بتحولاتهــا الواضحــة والمنطقيــة دائمــا ، وتقنيتهــا في الكاميــرا ، والمونطاج الخاضع فيهــا بدقــة لتطــور الحبكــة، تزيــل عمــدا فعل الملاحظــة وتوهــم بأن الحكايــة تروي نفسهــا بنفسهــا . وبعيــدا إذن عن تقديــم “صور ذاتيــة” ، يبــدو أن مثــل هـذه الممارســات السينمائيــة تأتـــي لتلغي الصورة من حيث هي كذلك ، للتوصل إلــى أن ينسى المتفرجــون الكاميــرا وكــذا تدخـل نظرتهــم الخاصــة أيــضا .

غير أنــه يمكن بالطريقـة نفسهــا أن يحدث بأن لا يتوفق أسلــوب أكثــر تميـــزا ، لم يعد يخفــي فيـه التأطيــر والإيقــاع “المفتــوح” عمــل الكاميرا والمونطـاج ، في إقناعنــا أكثــر بأن فيلمــا ما هــو فيــلم أوتوببيوغرافــي . وفيلــم “الأربعمائــة ضربــة” لتريفــو قد اتخذ من جهته بعض الإجراءات من أجل الإبتعاد عن أناه من خلال إخفائها وراء اسم آخر وبجعل الوجه الغامض لأنطوان دوانيل يبتعد أكثر عن حياته في أفلام لاحقــة (وهكذا فإن جان بير ليو رغم أنه اشتهر تماما مع دور دوانيل ، لم يكن يمثل تريفو في ذلك ، بل فكــر الموجـة الجديدة نفســه ، مسجــلا بشكــل تلميحي ، باعتبــاره كذلـك ، حضورا في أفــلام غــودار وأفــلام برتلوتشي) . ومن المؤكــد أن هنــاك الكثيــر مما يمكــن معرفتــه حول الطريقــة التي يرى بهــا مؤلــف السيــرة الذاتيــة نفسه ، أو يرغـب في رؤيــة نفســه ، من خلال توجــه الممثل الذي يختــاره لتجسيــد صورته الخاصــة – بدءا من اللحظــة التي نكــون متأكديــن فيــها بالصفــة النوعيــة للفيلــم ، ونوقــن أيضـــا لمــن تكـــون السيــرة الذاتيــة وما هي حريــة القرار التي كانت للمؤلــف فيمــا يخص اختيــار الممثليــن . لا يصادفنــا أي شك من هذه الشكـــوك عندمـــا نكــون بصدد قراءة سيرة ذاتيــة مــا ، مثلمــا لن ينشغـل المؤلــف بصوره التــي لهــا حياتهــا وتاريخهـــا الخاصيــن ، كمــا تعرف الشيخــوخــة ، وتظهــر في أدوار أخــرى بل ، وتضييف تمثيلهــا الشخصي المستقـل عن الشخصيــة التي وهبتهــا قسماتهـــا . وتبعــا لذلــك ، ومادامـــت قواعــد المشابهــة كذلــك ، لا يمكــن أبــدا أن نعرف بدقــة درجــة أو كيفيــة التشابـــه الذي نكـــون مدعويــن لمشاهدتــه : هل يشمــل جســد ليــو ، وسحنتــه الخاصــة ، بل وحركاتــه ورنــة صوتــه ؟ فالمؤلــف الذي يسعــى إلــى وصــف نفسه يمكنــه أن يكــون أكثــر انتقائيـه للغايــة ، وهنــاك كثيــر من مؤلفــي السيــر الذاتيــة لا يقولــون أبــدا كلمــة واحدة عن مظهرهـــم الجسدي . وإذا كــانت السينمــا في حاجــة إلــى هــذه الصورة المصاحبــة التي ستكــون رؤيــة هــذه الأخيــرة مشتتــة وغامضــة دونهــا ، فإن “ضمير المتكلــم” في النثــر يمكنــه جيــدا أن يتصرف ، أن يفكــر ، بل وأن يحب ، في غيابهــا. فضلا ، عن كــون الارتبــاط بالمظهــر الخاص في كتـاب ما ، ينتــج أثــرا مثيـرا للسخريــة ويقارب النرجسيــة ، وإن كنــا نعزي شعورنـــا الأول بالأنـــــــا باعتبارهــا كليــة إلــى صورة الجســد (كمــا يشيـر الفرنسيــون إلــى ذلــك) .(21)

مهمــا كان الاهتمــام الذي تتبــع به الكامـيـرا ليـــو ، فليــس ذلك في ذاتــه هو الذي يجعــل فيلــم “الأربعمائة ضربــة” قريبــا بهــذا الشكل إلــى السيرة الذاتيــة ، بل لكون أنطــوان دوانيــل يشتغــل باعتباره مبئــرا وبؤرة في الوقــت نفســه. إن دوانيــل ، في الحقيقــة ، هو الشخصيــة الوحيـدة التي تتبــع الكاميــرا نظراتهــا بدقــة ، إلــى درجـة أنــه يتـم بالمصادفــة تقليـد البعــد البصــري المنخفض للطفــل . ومن هنــا يتولــد الجانب الانفعالـي في الفيلــم ، في جــزء كبيــر منــه ، والعجــز المثبت للآخريــن ، خاصــة الراشديــن منهــم ، في رؤيــة ما يراه الطفــل وكيــف يـراه ، مع عجزه الخاص في الوقــت نفســه لإبــلاغ ما يراه في لغــة يفهمونهــا . على أن دوانيــل في نهايـة الأمــر ، كمـا يوضـح ذلـك بجــلاء المشهــد الشهيــر الـذي يختتــم به الفيلــم ، يرى أكثــر مما يرى ، لأنــه مأخــوذ في إطــار قــوة رؤيــة لا يمكنهــا أن تكــون هي قوتـــه الخاصــة ، هي التي تخفــي له في النهايــة قدرتــه علــى التحــرك . فقد بقي واقفــا ، جامــدا أمــــام النظــرة المسحــورة التي تسعــى بكــل قواهــا إلــى إنقاذه من مصيــره ، والتــي تفضــل تحنيطــه بدل أن تعانــي من أن يصيبـــه شيء يبــدو واضحـــا أن من يشاهــد لا يرغب في أن يكــون شاهــدا عليــه . ويمكــن أن ننسب هــذه الرؤيــة المميتة لتريفـــــو نفســه ، إذا لم نكــن نحــن أيــضا متورطيــن بشكــل عميـق فيـهــا ، إلـي درجــة أننــا نحــس وكأن الأمــر يتعلــق بعرض تعاطفنــا الخاص المرتبــك تجــاه الطفــل . فالاهتمــام الذي توحــي لنــا به نهايــة “الأربعمائــة ضربــة” ليس نتيجــة للفضــول الــذي يمكــن أن ينتابنــا بخصوص المنظــور الخاص جــدا لتريفــو أو التعلــق الذي يحملــه باطنيــا بالطفــل الذي كــان يمثلــه في السابــق . وإذا كنــا نعتبــر أنفسنــا أحــرارا في أن ندعي لنفسنــــا موقف الذات التـي تدرك ، فذلـك لأن طمــوح الفيلــم إلــى السيرة الذاتيــة واضح للغايــة .

هنــاك مجمــوعــة أخــرى من الأفـلام تعوض المبئــر بالسارد ، أي بصوت مفصول بـدل صورة الشخصيــة المصاحبــــة لمشاهــد الفيلـــــم أولا بأول حسـب تسلسلهــا . وتقترب النتيجــة بوضــوح أكثــر من الســرد بضميــر المتكلــم ، من خلال تقديمهــا لنــا لرؤيــة شخــص ما للعالـــــم مــع تمريرهــا في الوقت نفســـه عبــر كــل تلك الثوابــت الخاصــة للغــة -الزمـن ، الصيغــة ، النبــر – التي تحول صورة محايدة عن طريـق منحهــا صفـة ذكــرى ، صفــة افتراض ، وصفة التعبيــر عن رغبــة ما . غيــر أنــه أمر مــوح ألا يكفي صوت السارد بمفرده لتهييئنــا من أجــل اعتبار فيلــم ما سيرة ذاتيــة . ففي فيلــم “أنطونيــا: بورتريــه امــرأة” نسمــع صوت البطلــة يصف مشاهــد من ماضيهــا الخــاص ، غيــر أن حقيقــة أنهــــا لم تشرف علــى تصويــر ومونطــاج هذه الأخيــرة يربطهــا بصنــف الفيلــم الوثائقــي السيــري ، أي أنــه بورتريــه في حالتــه الطبيعيــة ، وليــس بورتريهـــا ذاتيــا . وهنــاك أيضـــا أفــلام يكــون الصــوت فيهــا حقــا إلــى عضــو من فرقــة التصويــر ، كمــا هــو الشأن في فيلــم “الهنــد الشبــح” الذي ينضاف فيه تعليــق لويــس مـــال نفســه إلــى المجــرى الغريــب لشريــط الفيلــم حتــى أصبحــت الهنــد تبــدو ، مثــل المدارات الحزينــة للفي سترواس ، وكأنهـــــا هي الاستيهــام النابــع من فكــر المستكشــف . إذ نكــون مدعويــن إلــى اعتبــار ذلــك التعليــق مسؤولا نوعــا ما عمــا نشاهده . لكننــا نعرف منطقيــا بأن المسألــة لا يمكــن أن تكــون كذلــك . فمــا نسمعــه منحدر من الفيلــم نفســه ، ويعتبــر عنصــرا من بين عناصــر أخــرى للشهــادة المصــورة . لأن الأمــر يرتبــط بالميكروفــون كمــا يرتبــط بالكاميــرا؛ إذ يصلنــا الصـوت بشكــل آلــي دون أن تكــون هنــاك وسيلــة ما لمعرفــة من قــام بتسجيله ، أو رابطــا ضروريــا بين من يتكلــم ومن يسجــل بعد ذلــك . لتبقــى اللاشخصيــة العنيــدة للآلــة نفسهــا ، إضــافــة إلــى سيرورة التسجيــل التي ترتبــط أمانتهـــا المفترضــة بهــذه اللاشخصيــة .

وتلازم نفــس الشكــوك بالضرورة تلــك المحاولات الطموحــة أكثــر إلــى إدخــال صاحــب السيــرة نفســه إلــى الفيلــم ، وإلــى وضعــه هــو شخصيــا أمــام الكاميــرا وإلــى تسجيــل كل كلماته أو حركاتــه . وتمتــد هــذه المحاولات من الأفــلام المعدة انطلاقــا من أحــداث واقعيــة حتــى سينمــا – الحقيقــة ؛ وتحتوي على كثيــر من الأصعــدة كمــا توظــف كثيــرا من أنمــاط التعاون . ففي فيلــم “شاباكــا”، يقــوم كاتب السيناريـو كونرادوكــس بالدورالرئيســي في إثارة سقوطــه في آفــة المخدرات وتخلصــه اللاحــق منهــا ، غيــر أن الإخــراج يعــود إلــى شخــص آخــر ؛ وفي فيلــم “جويس في ســن الأربــعة والثلاثيــن” نجــد أن الشخصيــة الرئيسيــة مساعــد للمخرج في فيلــم يتــم دون سيناريــو معد سلفـــا . وهناك مثال مهــم بشكــل خــاص للارتبـاك الذي يمكــن أن تثيــره السينمــا الأوتوبيوغرافيــة هو فيلــم “الشهـب الاصطناعيــة” لكنيث أنجــر . إذ أن هــذا الأخيــر هـو في الوقــت نفســـــــــه كاتب السيناريو والمخرج والممثـل الرئيسي لقصة تجري في منزلــه وتتناول شذوذه الجنسي المعلـن . ومع ذلك فإن الأحــداث الخاصــة المصورة في الفيلــم متخيلــة برمتهــا ، وإن كانــت ذات طبيعــة علاجيــة، كما تفسرهــا ملاحظــة تمهيديــة للفيلــم تقــول : “إن إبــراز استيهاماتنــا يمنحنــا انفراجــا مؤقتــا “فلقــاء العاشــق المثالــي لم يتم البتــة ، كما أن الكثيــر من الآثــار البصريــة الموثــرة في الفيلــم (شمعــة رومانيــة ظاهــرة من فتحــة سروال من أجــل حصرنــا في صــورة معروفــة جــدا) هي عبــارة عن إخــراج خالص . فالمزج بيـن أجســاد حقيقيــة وأعضــاء اصطناعيــة ، وبيــن ديكورات واقعيــة وأخرى خياليـة ، وبيــن رغبــات حرفيــة وإشباعات رمزيــة ينتــج أثــر الذهــول ويخلخل بعنف أفكارنــا المألوفــة حول الاكتفــاء الذاتــي للشهـادة المرئيــة وحول تماسك الشخصيــة المرئيــة . في الكتابــة ، يكــون مظهـــر الشخصيــة وطابعهــا وهويتهــا غيــر قابليـن للتقسيــم مبدئيــا ، إن لم نقــل مشاكليــن لبعضهــم . فحتـى في المســرح ، ما تزال الثنائيــة بيــن المظهــر والطابــع في مقابــل الهويــة الحقيقيــة غيـر واضحـة تماما . غيــر أن السينمـا تفصــل كل شيء ، وذلــك عندمــا تقدم لنــا مظاهـــر حقيقيــة (“غير مهذبــة”) . في دور شخصيــات تخييليــة – أي الفردية المميــزة للنجم في استقــلال عن هويتــه من حيث هو إنســان (22) ومن هنــا تعقــد فيلــم”الشهب الاصطناعية” ، الفيلــم الذي يظهــر فيــه أنجــــرشخصيــا ، لكــن ليس في دوره الخــاص ، والذي ينجــز فيه بقسماته الخاصــة ما لا يستطيــع القيــام به هــو نفسـه.

وإذا كــان هنــاك سينمائي يلخــص عملــه الطابــع الإشكالــي للسينمــا الأوتوبيوغرافيــة فهــو فيديريكــو فليني . لا يوجــد إلا القليل من السينمائيين المحترفين الذيــن كانوا أوتوبيوغرافييــن بنفــس المثابــرة ، فلا أحــد وظــف أكثــر من الوسـائــل التي وظفهــا هــو من أجــل نقــل الصيغــة الكلاسيكيــة إلــى الحــدود السينمائيــــة . ويكشــف الفحص الأكثــر دقــة بالمقابــل أن الأمــر لا يتعلــق بشيء منتظــم ، بل بسلســة من المقاربــات المتغيــرة التي تتناوب (كما كنا ننتظر ذلك) بين التركيــز على الشخصيــة المصــورة عبــر الكاميــرا والمميزات الشخصيــة للإخــراج بمعناه الحصري . ومن الممكــن إذن أن يستخدم عمــل فليني تقريـبــا مثــل أنطولوجيــا لكل الاستراتيجيات المختلفــة التي تأتي أمــام كل محاولــة أوتوبيوغرافيـــة . إذ نجــد التذكــر المخــرج والأنـــا الممسرحــة في “أمـاركــورد” ، والمبئـر بضميــر المتكلــم في “ثمانيــة ونصــف” والسارد المختفــي في بدايــة “المهرجــون” ، والتجليــات الشخصيــة للمخــرج نفســه بعــد ذلــك في نفــس الفيلــم ، كمــا في “رومــا” و” Block notes di una registra “. وإضــافـــة إلــى ذلـك هناك تلك ” الابداعات الموقعــة ” الخارقــة -فليني ساتيركون وفيلم “كازانوفا” لفليني – التي نشهــد فيها انتشارا امبراطوريــا للاستيهامات الشخصيــة على أسـاس من الأعمــال التي أصبحــت كلاسيكيـة ، حتى يمنــح حريـة أكثــر لاليــات خيالـه الخاص . وكأن واجبات الحقيقة الأوتوبيوغرافيـة كبيــرة إلــى الدرجــة التي لا تسمــح لذاتيــة فليني بأن تعرض نفسهــا كليــا ؛ فقد صور تذكرات “أماركــورد” بعدد أقــل جــدا من تلــك الاستيهامــات الشخصيــة التي نجدها في “كازانوفا” كما أن الأفلام التي يظهر فيها فليني <<شخصيا>> هي دائما تلك التي يكــون فيهــا عمــل الكاميــرا والمونطاج هــو الأكثــر “واقعية” . ونجـد أن الأحكـام الصادرة من طرف فليني نفسه فيما يتعلق بالوضـع النوعي لعمله هي أحكــام على نفس درجــة الغمــوض : ” أنا هو طبيعتي الميتة الخاصة “، ” أنــا عبارة عن فيلم ” ، “كل شيء في أعمالــي أوتوبيوغرافي ، ولا شيء فيها من الأتوبيوغرافيــا في الوقت نفسـه”(23) .

ويتضمــن هــذا الغمــوض جزءا من اللعبــة ، غيــر أنـــه في الوقت نفســه جواب عن بعض الالتباسات التي تعـد دومــا من نصيـب السينمــا الأوتوبيوغرافيــا . وتأخــذ المناقشــات التي تستتبعهــا مسألــة معرفــة ما إذا كان يجب اعتبـار فيلـم “ثمانيـة ونصـف” سيـرة ذاتيــة أم لا دلالتها في هذا الصدد . ولا يتعلق الأمــر بكــون الفيلــم لم يتوفق في عرض ” الحياة الداخليـة” بشكل مقنـــع ، أو بكونــه إخفاقــا تامـا من وجهــة نظر السرد بضميـر المتكلــم الذي لا توجــد سيرة ذاتيـة دونـه . لأنـه ، في الحقيقـة ، نجاح باهــر باعتباره تبذيــرا مستمــرا ، ودليلا من تم على العمـق الذي يمكـن أن نصل إليه . وسنقارن بشكل مفيد هذا الاستهلاك “الصامت” الرؤيوي الشهيـر مع الاستعمـال الأكثـر حرفيـة للكاميـرا الذاتيـة في فيلم “السيدة في البحيرة” . لماذا تدفعنــا افتتاحيــة “ثمانية ونصف” مباشرة إلى النظر إليهـا باعتبارهــا ” رؤية شخص مــا “، في الوقت الذي لم نصادف فيه أي ” مشاهــد” ممكــن ؟ من جهة ، فإن الظلام وحده ، والاضطراب الذي هو اضطرابنــا نحن في غياب أي إطــار تفسيري يوضــح لنــا أيــن تتجــه تلك السيارات أو ما هو سبب عرقلـة السير ، والحركـة المنفعلة للكاميــرا نفسهـا ، والضوء الغامـض والواضـح في الوقت نفسه ، والعدوانيـة المبالغ فيهــا لأصحـاب السيارات الأخـرى التي تحيط بالسيارة البؤرية ، وبالطبـع الخرق النهائــي لقوانين الجاذبيـة عندمـا تعلـو الشخصيـة التي تـوجــد في السيـارة البـؤرية ثم تهــرب خارج النفق . إننــا غائصــون في لغــز ونسعــى إلــى التعلـق بتفسيرمــا ، وهو ما لم نكــن لنقــوم به لو أن المشهــد ظـل وفيــا لأصــول الواقعيــة السينمائيــة : كاميــرا ثابثــة ، تصويــر خاضــع تمــامــا لمتطلبــات الاستكشاف ، أصعدة أولــى وخلفيات محددة بوضــوح ومطابقــة لمنطق الســرد .(24) إننا مضطرون ، من أجل استعادة توازننــا الخاص ، إلــى تحويــل المقطــع إلــى حلــم ، ثم البحــث عن الحالــم الذي تعتبــر تحرفاتــه الذاتيــة مسؤولــة عمــا نشاهده .

وهناك مؤشـر إضافي فيما يخص الطابـع التوسطي لهذه الافتتاحيــة هو الطريقــة الغريبــة التي يتــم بهــا تصويــر شخصيــة السيارة البؤريــة . ولم نلبث أن فهمنــا بأنــه سيكــون هو التجسيـد ، الصورة التي يحملهــا الحالم عن نفســه ، المبئـر الذي نشاهــده ولا نشاهــده في الوقت نفسـه ، لأن الكاميــرا تمتنــع عن مواجهتــه مباشرة ، وجها لوجـه . ويبقــى هنـــاك إذن هامش محفوظ ، نقطـة غير مميزة تظــل نهائيــا من جانب الطرف الذي يرى ولن يدخــل المجال البصري . وربــما تقترب العدسة السينمائيـــة هنــا اقترابـا كبيــرا من الذاتيــة ، من “أنـــا” الكتابــة ، الواصــل (هكـذا يسمــى ياسبيرسن الضمائــر الشخصيـة) الذي يبدو أنـه يقع داخـل الإطــار وخارجــه معـا في اللحظـة نفسهــا ، فهو ذات وموضوع الإدراك في الوقت نفســه . ويحفظ الفيلم هذا الغيــاب للصورة إلــى اللحظــة التي يكــون فيهــا غيــدو قد استيقظ تماما ووقف أمــام مرآة حمامه ، ويعــاد فيها ثانيـة تشكيـل الخيال المبهـم للأعضــاء غيـر المميزة ، الذي نشاهــده قبل ذلك ، في شكل انعكــاس منسجــم ، والتي ترى فيهــا العيون القلقــة لغيدو نفسـه في المرآة صورة متماسكــة لرجــل ناضــج . غير أن هذا التوضيـح المتألـق لطور المرآة ليس مقنعــا مع ذلـــك فيمــا يتعلــق بحل مسألــة معرفــة ما إذا كــان الفيـلم أوتوبيوغرافيـــا حقــــا . فوجــه غيــدو هــو الذي يظهــر في المرآة في النهايــة وليــس وجــه فلينــي ، ونظرتنا ، مثلما هو الحال بالنسبة لنظرة فليني هي التي تشاهــد هذا العرض .

لقـد كـان من الممكن جـدا أن يكــون غيــدو مخرجــا له نفــس سن فليني ، وهو يذكرنــا بهــذا الأخيــر في مناسبــات عديــدة ، فذكريــات طفولتــه وأزمــاتـــه في سن الرشــد تتقاطــع في كل لحظــة مع ذكريــات وأزمــات فليني ،كما أن فيلمـه التاسع (الذي لن يتمــه) يلتقــى بالتمام مع نجــــاح فليني التاســع إلــى درجــة أن الفيلــم ، الذي هو ثمـرة هـذا النجــاح ، يبقــى في مرحلــة المابين ، فهـو “ثامــن ونصــف” ماكــر. ويمكـن أن يكــون التشابــه مذهــلا ، غيــر أن التشابــه في ذاتــه ليــس كافيــا . إذ لن ينتـج أبــدا التطابـق الأوتوبيوغرافـي (الذي لن يـكون مشابهــا في غيابــه) كما لن تثبت أبــدا بطريقــة لا جدال فيهــا أن غيــدو هو صــورة فليني شخصيــا . ومهمــا تقلصــت الهوة التي تفصـل الشخصيــة المصورة عن الشخصيــة المصورة فإنهــا لم تـزل .

III

ما الذي يجعل المبادئ الأساسيــة مختلفـة بهذه الدرجـة في اللغــة وفي السينمــا ؟ ما الذي يجعل الإحالة على الذات والذاتيـة نفسهــا مرتبطــة بشكل وثيق بأحــد هاتيــن المجموعتيــن من الممارسات وليس بالأخرى ؟ إن جذور اللغـة ، بل وحتى جدور الكتابة تعود إلى زمن سحيق مما يجعل عملنـا لا يتجاوز التأملات البسيطــة في هذا الصدد ، لكن ظهــور السينما يعتبــر حديثا نسبيا . ويمكن أن نتحدث قليلا في هذه النقطــة عن الشروط المحيطــة بظهــور ممارســة دالــة ما وعن الطريقــة التي تصبـح فيهــا هذه الممارســة بدورهــا معقولــة – أي الطريقــة التي يمكنهــا أن تكون معها ممارسة مفكر فيها ومعاشة في الوقت نفسه – بالنسبة لمن يلتجئون إليهــا . وهكذا إذن بفحص الوسط الإيديولوجي واللحظة التاريخيــة التي كانت وراء ولادة السينما ، سنفهم بشكل أفضل ما يجعل هذه الأخيــرة عصيــة على السيرة الذاتيــة.

يعود الفضل في الاندفاعه الكبرى الأولى للسينما إلى العلوم الطبيعية (وإن كانت هناك عوامل أخرى أيضا – آلات عرض وأدوات تسمح للصور الثابتة بأن تصبح متحركة – أنذرت بدورها بظهــور السينما ، وإن تم الإقرار مبكرا بقدرة استخدام السينما على إنتاج آثار خالصة للفرجــة والوهــم البصري ، بدل الإنتاجات المرئيــة الأكثــر دقة) . لقد كانت الأفلام ، من حيث كونها وثائق علمية ، مرتبطة بشكل وثيق بالمفاهيم الوضعيــة للعصر المتعلق بطبيعة المعرفـة ، وأكثــر الاستدلالات متانة وأنجع المناهج التجريبية . فقد كان الدليل الحقيقي الوحيد “موضوعيــا” – أي مستقلا عن كل ملاحظ خاص . فكل ما لا يمكن إعادة إنتاجـه في لحظة أخرى ، وفي مكان آخــر ، أمــام ملاحظ جديد ، كان يفلت من مجال التجربــة ، وينظــر إليــه ، بالتالي ، باعتباره مشكوكا فيه أو غير مثيــر للاهتمام . وقد كان الجانب “الذاتي” للمعرفــة مقتصرا على الأجوبــة المشتركــة لأكبــر عدد ممكن ، ومن تم على الأحكــام الإدراكيــة التي لا يمكن لأحــد – بخلاف أحكام القيمة أو ردود الفعل العاطفيــة – أن يسعى إلى التشكيك فيها . ومثاليا ، كانت كل الذوات المدركــة قابلــة للتبادل تبعا لذلك .

في أقصى حدوده ، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين (الشيء الذي يصادف ظهـور السينمــا) ، كان الأمــر يتعلق بعلم كان يرفض النظريــة ليخصص كل مجهوداته للمنهجيــة ، ولم يكن يتوانى إلا بعد الكشف الشامل لنظام ما ، محددا قدر الإمكــان دور “المكتشف” في سلسلة من الحركات المحددة والمتكررة . ومن المؤكد أن الممارسات العلمية (والسينمائيــة) اللاحقـة قد أعادت النظر في جزء مهم من ذلك البرنامـج خصوصا في الاقتناع بالملاحظــة التي لا وسيط فيهـا . ويمكن مع الابتعــاد أن ينظــر للمنوعـــات المطروحــة من طرف الوضعيــة باعتبارهــا ردود فعل دفاعيــة أمــام الشكوك المتزايدة بخصوص ما كان “واقعيا” ، قابلا لمعرفـة الانسان وتحكمــه . ولم يكن من الضروري مواجهــة تلك الشكوك في الوقت الذي كان فيه مجال البحث محددا بما فيه الكفايــة . وكلما فسحنــا الباب لسلطــة المكتشف كلما فقد الاستدلال من قوته واستقلاله الظاهرين . وقد كان التخوف الضمني ، إذا أردنــا استعمال عبارات ستالني كافيل، هو “أننا نحيا في عصر يمنعنــا فيه تقويمنــا الفلسفس للعالم من تجاوز إدراكنا وتصوراتنا الخاصة لهذا الأخيــر” .

ما الذي تقوم به السينما من أجل إعادة إنتاج العالم بشكل سحري؟ ليس بتقديم العالم حرفيا إلينا ، بل بـمنحنا متعة رؤيته دون أن نكون مرئيين . ولا يتعلق الأمــر هنــا برغبــة السلطــة على الإبداع (مثل رغبة بيغما ليون) ، بل بالرغبة في عدم الاحتياج إلى أية سلطة . …] فكل شيء يتم كما لو أن العالم المعروض لنــا يفســر أشكال مجهولنا وأشكــال عدم قدرتنــا على المعرفــة .(25)

من هنا يأتي وهم اليقين المحسوس وانحراف السيرة الذاتيــة . فإذا كان فعل “المشاهدة” يعني التصديق ، فلسبب لا يتعلق بالمشاهدة : لأن هذه الأخيرة ليست مجهودا يتطلب مقدرات خارقة ، وليست إنجازا لشيء لن يوجد دونها ، وباختصار فهي ليست فعلا يجب أن ينجزه فرد واحد ، بل حدثا يقع حقيقة لكل فرد يحتل موقعا معطى . وتدخل السينما كل ذلك وتدمجها في تقنيتها نفسها وفي الدور الذي تخصصه للمتفرج . ولنستشهد بجورج ولسون “فإن التقنية السينمائية تفترض الانطلاق من تصورات بالغـة الدقة حول العلاقة الإدراكية للمتفرجيــن بالدلالة الطبيعية للظواهــر” .(26)

لكن ، من المحتمل أن هناك تحولا في الوعي أقل جذرية مما يبدو في الظاهــر . فلا شيء تقريبا يفصل الأنــا الأوتوبيوغرافي الشخصي الذي لا تصله الأنظار العامــة ، والشخصيـة العمومية المجهولة التي لا يمكن استبدالها بأية شخصية أخرى . إن الممارسات الدالة للسينما تستتبع أشياء متناقضة ، لأنهــا وريثة للسيرة الذاتيــة وخصمهــا في الوقت نفسه ـ (27) فهي تقوم ، من جهة ، بنشر بعض النزعات المتضمنــة في الكتابة سابقا . وكما يقول دريدا :

إننا لانشهــد نهاية للكتابة ستجدد ، تبعا للعرض الفلسفي لماكلوهان ، شفافية ما أو فورية للعلاقات الاجتماعيـة ، بل انتشارا تاريخيا قويا أكثر فأكثر لكتابة عامــة . …] فالكتابة تعني إنتاج علامة ستكون نوعا من الآلة المنتجــة بدورها ، لن يمنعها اختفائي اللاحق عموما من أن تشتغل وأن تعطي ، وأن تسخر نفسها للقراءة وإعادة الكتابة . …] إن القصد الذي يحرك التلفظ ، مادام مقطوعا عن كل مسؤلية مطلقة وعن الوعي باعتباره سلطة عليا ، لا يمكنه أبدا أن يكون حاضرا من جهة إلى أخــرى فـي ذاته وفي محتواه.(28)

ومن المؤكد أن الكتابة هي نفسها آلة ، بالمعنى المجازي ، أي “خطاب” يستمر عمله في غياب أي فرد متكلم . أما الآلة السينمائية فحرفية ولا يمكن تجاوزها . وإحد ئ النتائج الممكنــة للسينما هي إذن “تفكيك” المشروع الأوتوبيوغرافي من أجل تثبيت الأنــا على الورق ، وأن توضح ، من خلال ذلك ، وهم ذاتيـة تسعى لأن تكون “من جهة إلى أخرى حاضرة في ذاتها” في الكتابة التي هي أثــر غيابهــا نفسه . ويمكن عندئد لنموذج التحكم في الذات – الرغبة المجمدة في امتلاك ذات جوهريـة – أن يعوض بهوية سيتعذر تملكها ، وأيضا باتجاه أوتوبيوغرافي أكثــر سخرية وأكثــر تحررا .

لكن إذا كانت السينما تفكك بعض التأثيرات الجوهرية (كتلك المرتبطة بخطاب ضمير المتكلم) وتكشف وضعيتها التبعية بالنسبة لمجموعة كاملة من الاتفاقات السينميائيـة ، فإن لها بالتأكيد أفعالها الاتفاقيــة الخاصة كما لها أيضا نقطهــا الغامضة المميزة . فغياب كل “مصدر” خاص يكون مسؤولا عما نشاهدة يأتي فيها ليختلط مع الغياب الكلي للتدخل والمراقبــة : وهو ما نتجت عنه أسطورة السينما الكلية ، وأسطورة المعرفة ” الإيجابية ” المتحررة من كل قذارات الإرادة والخيال الانسانيين ، وأسطورة النظرة الفردوسية . وهكذا فإن المتطلبات المفرطة التي كانت تقدم باسم العبقرية الفردية تترك المكان لمتطلبات لا تقل مبالغة ( وإذن ، بشكل حذر) للتقنية الموضوعيــة ، لآلات ، لا تشتغل بشكل أوتوماتيكي فقط ، بل تراقب من يشغلها أيضا . ويعقب إمبريالية المؤلف القديمة (التي لا يفكر أحد بشكل خاص في المحافظة عليها لصالح السينمائيين) نظام سلطة خفية ، نفي للمسؤولية ، أي عجز هو بمثابة نصيب للمخرج والمتفرج في الوقت نفسه . و من الواضح أن ذاتيـة السينما هذه التي لا سلطة لها ليست أقل وهما من ذات الخطاب أو من الاعتقاد الراسخ بأن المتفرج السلبي هو الشكل المحترم لوعي ليس أقل “إيديولوجية” للتقبل غير النقدي للكوجيطو الجبار (29) .

وإذا كنا ندرك جيدا أن السينما مدعوة إلى تحقيق بعض التغييرات في تصوراتنا المؤلوفة للهوية الشخصية ، للأنــا وللفردانيــة، فإننا لا ندرك بنفس الوضوح الاتجاه الذي ستأخذة هذه التغييرات في النهاية وشكل الالتزام الذي ستأخذه . ماذا ستفعل السينما بالهوية الشخصية إذا كانت سلطة الأنــا غائبــة ؟ يمكنها أن تقلصهــا إلى نمط ، إلى مجموعة من السمات المميزة فقـــــــط (30) لكن يمكنها أيضا أن تعري السر الأكثــر جدرية الذي يفلت من الاستبطان . ولا شك أن هنــاك أفلاما تختزل الفرد وتذيبه في الجماعي ، غير أن هنــاك أيضا أفلاما أخرى مثل فيلم “الشهب الاصطناعية” لإنجر ، تعرف كيف تعد بوليفونية دقيقة تامة داخل وحدة ظاهرة لوجود واحد . فعندما يجتمع أوتوبيوغرافيو السينما مع أشخاص آخرين من أجل إنتاج “أوتوبورتريه” يكون ثمرة لعمل مشترك أو يهبون أنفسهم ببساطة للكاميرا فإنهم يعترفون بأنهم لم يعودوا “أسياد ومالكي وجوههم” . وتكون الطريقة التي يمارسون بها هذه المجابهــة – سواء كانوا يتعمدون عرض أنفسهم أو يكتفون بترقب نظرة خارجيــة – عبارة عن إشهار غني لخصائصهم الميزاجيــة مثل غنى الإشهــار الذي يمكن أن تقدمــه الاعترافات والتبريرات المكتوبة . فمثل هذه الأفلام لايمكنها أن تؤدي إلى المعرفة التقليدية للذات التي نجدها في السيرة الذاتية الكلاسيكية (أو إلى أوهامها التقليدية) غير أنها تستطيع شيئا آخــر : يمكنها أن تجذب الهوية إلى أبعد مما يمكن أن يشمله وعي واحد ، بل وإلى أبعد مما يمكن أن يشمله الوعي البشري دون تدخل غريب عنه . وحتى نستشهد بالعبارة المعروفة لبنيامين ، إن الكاميرا <<تفتح لنا تجربة اللاوعي المرئي كما يمنحنا التحليل النفسي تجربة اللاوعي الفطري >>. (31)

في السينما تصبح صورة الجسد التي لا مالك لها هي مكان الهوية بدل أن تكون قناعها ، وتعبيرا عن شخصية بدل أن تكون حاجزا . كما أن صورة الجسد هذه ليست هي ذلك الكل الإجمالي وغير المتميز لمرحلة المرآة ، بل تجميع متحرك جديد ، بناء جديد لعناصر لم تتجاور فيما بينها قط ، حيث يمكن أن يكون الصوت منفصلا عن الجسد ، وأن يتفسخ كل شيء ثم يمتزج من جديد في مظهــر مستحدث .

وأثناء قيام السينما بكشف عرضية هذه المظاهــر المدركة بهذا الشكل ، فإنها تهدد أيضا تمامية ذات الإدراك . لأن رؤية الكاميرا هي نفسها مجموعة مكونة من عناصر متميزة هي الإخراج ، التصوير ، التسجيل والمونطاج ؛ فهي ذاتية معطاة للتما مية الزمكانية الظاهرة لذات الخطاب . فتلك الحرية ، وتلك التعددية ، وتلك الحركية ستكون كلها غير معقولة دون حضور آلي . ونتيجة لذلك ، لا يمكن للذات السينمائيـة أن تتقدم على الآلة السينمائية ، مما يعني أن الفيلم الأكثر “شخصية” نفسه هو منطقيا إنتاج لشخصية هي نفسها من خلق الفيلم . وتصبح مفارقة فليني – “لقد اختلقت نفسي من الرأس حتى القدمين : طفولة ، شخصية ، رغبات ، أحلام ، وذكريات ، وكل ذلك من أجل أن أتمكن من روايته” – تبعا لذلك أقل مغالاة (32) فهو لا يذهب في الواقع بعيدا جدا، لأن “الراوي” هو اختلاق بدوره .

لقد كان الأمـر على الأرجح على نفس الحال أيضا مع الأدوات السابقة للوعي ، أي مع الكلام والكتابة ؛ فالسيرة الذاتيـة المعاصرة خصوصا (“الضفاف الأخــرى” لنابوكوف أو رولان بارت بقلم رولان بارت”) تضطلع ، باعتبارها إكراهــا وتحررا في الوقت نفسه ، بسلطة النص الأوتوبيوغرافي في بسط وفي تغيير شخصية مؤلفها تماما . غير أن تنافر الصورة المعدة يذهب إلى أبعد من ذلك في التعبير عن ذاتية مصنوعة ، عن حادث مصطنع دون مكان خاص ، دون وحدة ملازمـة له ، ودون جسد يمكنه أن يحبس فيه “طبيعيا” . كذلك فالتأكيد الذي بموجبــه يكون “العالم المرئي من طرف السينما هو العالم المرئي دون أنــا” يحمل دلالة مزدوجـة . فهو يمكن أن يعني إما نمطا جديدا من العلاقة مع أنفسنا، أو احتدادا لأسوإ النزعات التي تحتويها الصيغ التقليدية للإدراك . أخيرا أصبح الوقت الديكارتي مطلقا ، تاركا مجرد مظاهر مشيأة وعالم مجرد من التدخل الانساني من جهة ، وسلطة رؤية مفصولة عن الجسد ونوع من التلصصية المتعالية ، من جهة ثانية.”عالم كامل دون أنــا” . وحسب كافل “فإن ذلك هو الذي يجعل السينما مهمة وخطيرة . فهي تجعل من حياتي حضورا غير مرئي للعالم ” (33).

غير أننا عندما نسجل ما سبق ، نعتبر السينما كجوهــر ميتافيزيقي وليس كمجموعة من الممارسات الدالة ، نعتبرها مثل مؤسسة قابلة لأن تنسحب عليها الدلالات التي يجدها فيها كافل (ومعه آخرون) ، لكن قابلة أيضا أن تنسحب عليها دلالات أخرى تبعا للاستعمالات التي يستعملها بها المخرجون والمنتجون ، والمتفرجون والنقاد . وبهذا المعنى ، تقتصر السينما على اقتسام – أو بطريقة أفضل على تحريــك – معضلة ثقافة بكاملها أصبحت مكرسة نهائيا لتعقد التقنية ولغموض الترابطات الاجتماعية . إن جعل دلالة فيلم ما إنسانية دون السقوط في نزعة إنسانية بالية ، وتشجيع صيغ تعاون أكثر مرونة وأكثر تنوعا بدل التعبير المقنن ، ووضع “ممارسات” لن توجد فيها “الأنــا” ربما بالطريقة نفسها ، ولكن لن أتمكن فيها على أية حال من التهرب من مشاركتي الخاصة – هذه الانشغالات كلها لا تهم السينما وحدها ، بل هي جزء من المشاكل الأكثــر جوهريــة التي يجد “عصر الانتاجية التقنيــة” نفسه في مجموعه في مواجهة معها .

وما هو أكيد في الأخير هو أنــه : إذا كانت السينما تعوض تدريجياصيغا أخرى للتواصل ، فلأنهــا غزو ليس غريبا عنا . فالذي يبرر شعبية السينما والفيديو هو فقط كون المادة التي يجعلاننا نتقارب بها بالنسبة لبعضنا ، وبالنسبة للعالم المشترك بيننا ، هي مادة مألوفة نوعا ما لدينا ، وأقرب إلى حياتنا من الممارسات اللسانية والأدبية – لاسيما السيرة الذاتية – التي تحل محلها . فهل كنا سنفهمهما يوما لو لم يفهمانا أولا ؟.

ترجمــة : عمـــر حلي

كلية الآداب . آكاديــر

———————————————–

الهوامش

* هذا النص ترجمــة لمقال :Elisabeth. W. Bruss

L’autobiographie au cinéma

La subjectivité devant l’objectif المنشور في مجلة الشعرية ، عدد : Poétique 56 نونبـــر 1983 ، ويغطــــــي الصفحــــــات مــــــن : 461إلــــــى : 482 .

*لقد نشر هذا المقال بالانجليزية الأمريكيـة سنة 1980 ، ضمن مصنف جيمس أولناي . ” السيرة الذاتيـة . مقالات نظرية ونقديـة ” (منشورات جامعة برنيستون) تحت عنوان : “العين بدل الأنــا ، بناء السيرة الذاتيـة وتفكيكها في السينما” وهو آخـر نص خصصته إليزابيت بروس للسيرة الذاتيـة قبل وفاتها سنة 1981 ، وكانت قد نشرت قبل ذلك “السيرة الذاتية باعتبارها فعلا أدبيـا ” في العدد 18 من مجلة الشعريـة ، سنة 1974 ، ثم “أفعال السيرة الذاتيــة . تحول وضعيــة النوع الأدبي ” بالتيمور . منشورات جامعة جونس هوبكينز . 1976 . ويتناول مؤلفهــا الأخيــر الذي ظهــر بعد موتهــا ، وذلك سنــة 1982 ، القانون الأنواعي لنظريــة الأدب نفسها : ” التنطيرات الجميلة . مشهد الخطاب في النقد المعاصر . ” ( منشورات جامعة جونس هوبكنز.). ونشرت ترجمة “العين بدل الأنــا ” {الفرنسيـة} بترخيص من منشورات جامعة برينستون .

1) أستعير صيغة “الممارسة الدالة” من جوليا كريستيفا ، مع توسيعها بشكل طفيف لتضم الشروط التداولية والاجتماعية بالاضافة إلى المبادئ المنطقية التي هي الإنشغالات الأساسية لكريستيفا . ينظر : وليام . ف . قان ويرت و والترمينيولو : ” جوليا كريستيقا . التطبيق السيميائي السينمائي ” محلق سيستانس . عدد 9 . 1974 ، ص 97 – 114 . بالإضافة إلى انتقادات أخرى ضد النقد الشكلي المحض ، مثل انتقادات ماري كريستين كيستيربيرت “المقاومات الاديولوجية المعيقة لقراءة الفيلم باعتبارنصا” أونكلتيك ، 1 . 1977 ص . 7 – 12 وروزالين كوارد : ” الطبقة . الثقافة ، والتكويــن الاجتماعـــي ” سكريــن . 18 ، عدد 1 . 1977 . ص75 . 105 ،

2) هذه هي أهــم الضربــات التي وجهت في السنوات الأخيــرة إلــى “الكوجيطو” الديكارتي من طرف فوكو ، لاكــان و دريـــدا التي لا أختلف معها إلا في الحدود التي اعتبــر فيهــا الانا من حيث كونها فعلا ثقافيــا اعتباطيــا ، وليــس باعتبارهـــا وهما .

3) فرانك . د . ماكونيــل : “الدليــل المنطوق” . بالتيمور ، 1975 . ص : 113 .

4) ألامــس هنـا ثانيـة التحليلات السابقــة في “أفعــال السيــرة الذاتيــة . تحول وضعيــة النوع الأدبــي ” بالتيمور . 1976 . ص 9 – 18، لأبيـــن بطريقـــة أفضل أن “الفعــل” ، “والفاعــل” و “التطابــق” تتحدد عن طريــق قواعــد التعبيــر اللغوي وأن وجودها نفســه مرتبــط باتفاقـــات من هذا النــــوع .

5) ينظر : ج . ل . أوستين :” Quand dire c’est faire” . باريــس. سوي 1970 . ثم الطريقة التي يطور بها ج . ر . سورل هذا العمــل في كتابــه Les actes du langage . باريـس . هيرمــان 1972.

6) يطور موريــن أوميرا في : “من اللسانيات إلى الأدب . استباق النبر” دياكريتيكس . صيف 1976 ، ص 68 هذا الموضوع من وجهة نظر التخييل أيضــا .

7) يعود إبراز هذا الخلط إلى لاكان الذي بالنسبـة إليــه هنــاك دائمــا “انفصال بين ذات الملفوظ وذات التلفظ …] . لأن الأنـــا لا يمكن أن يوجد في الوقت نفســه في المستويين معا” ، وبناء عليه فإن “تطابق الذات البسيط” هو “أمـر مستحيل تكوينيــا” . ينظر : بن بريستير وآخـــرون : “دراسات عن جوليـــا لوساج . “الذات الانسانية – أنــت ، هــو ، و أنـــــــا ؟ ” . مجلــة سكريـن . عدد 16 ، رقـم 2 ، 1975 . ص 83 – 90 وأيضــا الدراســة الشاملـــة للسيــرة الذاتيــة الفرنسيــة المنجــزة ضمـــن هذا الأفــق من طـــرف جيفري مهلمــان : “دراســة بنيويــة للسيرة الذاتيــة : بروست ، ليريس، ليفي ستروس ” أتياكا ، 1974″ .

8) أمبرتوإيكو : “مساهمـة السينمـا في السيميائيــات” المجلــة الدوريـة للدراســات السينمــا . العدد 1 . 1977 . ص : 1 – 14 .

9) “أونطولوجيا الصورة الفوطوغرافية” “ماهي السينمــا” . باريس . طبعـة لسيرف 1958 . ج I ص 15 . ينظر أيضــا ماكونيل ” الدليــــل المنطـــوق” م ، س ؛ألان سبييغال : ” التحليل وعين الكاميرا”شارلوتسفيل . 1976 – ؛ وستالي كافيل : “العالم المرئي ” . نيويورك . 1971 .

10) “السينما والسيكولوجيـا الجديدة” “المعنى واللامعنى” . باريس . ناجــل . 1966 ، ص 94 و ص 104 .

11) سبييغال : “التخييل وعين الكاميرا” مرجــع سابــق . ص : 146 .

12) جان لوي كومولي : “الماضي المصور” دفاتــر السينما . 277 . 1977 . ص . 13 .

13) حسب كريستيــان ميتــز : “الدال المتخيــل . التحليل النفسي والسينمــــــا ” . باريـــس . الاتحــاد العـــام للناشريــن . سلسلــة 18 – . 10 1977 ص 77 . “إن الزاويــة النادرة ، وبالضبــط لإنهــا نادرة ، تجعلنــا نحس بطريقــة أفضــل مانسينـــاه قليلا ببساطــة ، في غيابهــا : تماثلنــا مع الكاميــرا . …] . فالتأطيـــر المألوف ينتهــي إلــى أن يصبــح مدركــا وكأنهـــا غيابـــات للتأطيـــر .”

14) مايـــك بال : “الســــرد والتبئيــــر” مجلــة الشعريــة ، 29 ، 1977 . ص107 -127 .

15) ” الفيلــم ، الإدراك ، والرؤية ” مجلــة مودرن لانكويدج نوتـس. 91 . العدد 5 . 1976 . ص : 1042 . وينظــر أيــظا الطريقــة التي يتناول بها ميتــز الكاميرا الذاتيــة ، ضمــن ” المشاكل الراهنــة لنظريــة السينمــا “، ضمن كتـاب ” مقالات حول الدلالة في السينما “باريـس . كلينكسييك ، 1972 . ج II ، ص 43.

16) ينظر : ادوارد برانيغان : “العرض الشكلي وتجربــة الرؤيــة” مجلــة الشاشــة.16 . العدد 3 ، 1975 ص 54 – 64 ، ونيــك بــروان : “المتفرج في النص ” . دوريــة الفيلــم . 39 ، العدد 2 ، 1975 – 76 . ص: 26 – 44 .

17) “الدال المتخيـــل” . م . س . ص 68 – 69 .

18) ب . بونيتـــزر : ” النظرتــان ” . دفاتــر السينمــا .75 . 1977، ص : 41 .

19) نفســـه .

20) دانيال دايــن : “القانــون النوذج للسينمــا الكلاسيكية ” المجلــة الدورية للفيلــم . 28 . عدد 1 . 1974 .

21) جان لابلانــش : “الحيــاة والموت في التحليل النفسي” . باريــس . فلاماريــون ، 1970 ، وهويطــور العمـل المنجــز من طرف فرويـــد و لا كان حول اندماجيــة الذات .

22) سنعــود إلــى الاستنتاجات المنشورة من طرف كافيل في العالم المرئــي ” م . س . ص 36 – 37 .

23) “فليني عن فليني” نشر أناكيل وكريستيان ستريتشيـد ترجمــــة . إيزابيـل كويغلي . نيويورك . 1976 .

24) رايمون وليام : “محاضرة في الواقعيـة” مجلة الشاشة ، 18 ، العدد 1 . 1977 . ص 61 – 74 .

25) “العالم المرئي ” م. س . ص : XIIIو 40 – 41 .

26)”ولسون : الفيلم . الإدراك والرؤيــة ”

27) “عندما نشاهد فيلما ما ، يكون الشعور بأننا غير مرئيين تعبيرا عن معنى الحياة الشخصية أو عن التستر الحاليين . …] وفي الشرط الذي نحن فيه الآن ، تكون الصيغة الطبيعية لإدراكنــاهي المشاهدة ، مع الإحساس بأننا غير مرئيين . ونشاهد العالم أكثر مما نلاحظه بدقة ، من أعماق أنــانـــا” ينظر كافيل “العالم المرئي” م . س . ص . 40 . و ص 102 . ولا نجتاج إلى التأكيد على العلاقــة مع التاريــخ الاقتصادي والاجتماعي ، وخاصة مع المكانة المخصصة للفرد في المجتمعات الليبراليــة المتقدمــة التي تنحصر فيها بعض الاحساسات في الحياة الشخصيـة وتبقـى معزولة عن القيم العامة والمتداولة .

28) جاك دريدا : “التوقيع – الحدث – السياق ” هوامش فلسفية . باريس . ط . مينوي . 1972 .

29) ينظر : كوارد : “الطبقة ، “الثقافة” ، والتكوين الاجتماعي ” . وهو مقال تمت الإحالة إليه من أجل مناقشة أكثر تفصيلا للعلاقات القائمــة بين الموضوعات “الآلية” و “المثالية” للتجريبية .(ص : 75 – 79)

30) لقد عالج العديد من المؤلفين ميل السينما إلى أن تجعل من الشخصيات “أنماطا” بدل أن تجعل منهم “أفرادا” ينظر: والتر بنيامين : “العمل الفني في عصر إعادة إنتاجيته التقنية” ضمن أعماله الكاملة “الشعر والثورة” باريس . دونويل . 1971 ؛ وماكونيل “الدليل المنطوق ” م . س الفصل السادس – وكافل . ” العالم المرئي ” م . س الفصل الرابع والفصل الخامس .

31) بنيامين : م . س ص . 201 .

32) فليني عن فليني . م . س . ص : 51 .

33) “العالم المرئي” م . س : ص : 160 . ولعل تشبث كافيل بتصورات تقليدية للذات هي التي جعلته ينظر إلى السينمــا باعتبارهــا ” عالما كاملا دون أنـــا “.