الظاهراتية و الهرمينوطيقا و نظرية التلقي

تيري ايجلتون
ترجمة محمد خطابي

الى روح اخي محمد الماگري الذي رحل عنا دونما استئذان

في سنة 1918 عاشت اوربا خرابا مهولا اثر اشرس حرب عرفها التاريخ . و بعد استيقاظ القارة من هول الكارثة اجتاحتها ثورة اجتماعية؛فقد شهدت العشرينات عصيان سبارتاك برلين و اضراب فيينا و اقامة سوفييتات العمال في ميونيخ و بودابست،و الاستيلاء المكثف على المعامل في ايطاليا. و قد تم القضاء على هذا العصيان بالعنف.الا ان جذور النظام الاجتماعي للرأسمالية الاوربية رجتها مذبحة الحرب و عواقبها السياسية الوخيمة.كما ان الايديولوجيات التي اعتمدها النظام – تقليديا -و القيم الثقافية التي حكمته كانت تعاني هي الاخرى من اضطراب عميق. و بدا العلم متقهقرا نحو وضعية( positivisme ) عقيمة و افتتان اعمى بتصنيف الوقائع ؛ و تراءت الفلسفة ممزقة بين هذه الوضعية و بين ذاتية هشة؛فانتشرت اشكال من النسبية و اللاعقلانية، وكان الفن يعكس هذا الاضطراب الدال على الضلال . في سياق هذه الازمة الايديولوجية الشاملة- وهي ازمة سبقت الحرب العالمية الاولى نفسها- سعى الفيلسوف الالماني ادموند هوسرل الى وضع منهج فلسفي يعير اليقين المطلق لحضارة منهارة. و في هذا الصدد كتب هوسرل في كتابه ( the crisis of the european sciences ) 1935 :> كان الامر اختيارا بين اللاعقلانية المتوحشة من ناحية و بين ميلاد روحاني جديد من خلال ” علم روحي مكتف بذاته اكتفاء مطلقا < من ناحية ثانية.

دشن هوسرل – على غرار سلفه الفيلسوف ديكارت – بحثه عن اليقين بالرفض المؤقت لما يسميه ” الموقف الطبيعي ” ، اي الاعتقاد البديهي لرجل الشارع بان وجود الاشياء في العالم الخارجي وجود مستقل عنا و ان معلوماتنا عنها معلومات موثوق بها على العموم .يعتبر هذا الموقف امكان المعرفة امرا متفقا عليه ، في حين ان هذا بالذات هو ما وضع موضع استفهام . فما الذي يمكن ان يكون واضحا لدينا وان نكون على يقين منه؟ رغم اننا لا نستطيع التثبت من الوجود المستقل للاشياء ، فاننا نقول، يقول هوسرل ،يمكن ان نتيقن من كيفية ظهورها مباشرة في وعينا سواء أكان الشيء المختبر وهما أم لا . فالاشياء يمكن النظر اليها لا باعتبارها اشياء في ذاتها و انما باعتبارها اشياء يسلم بها الوعي او ” يقصدها “. كل وعي هو وعي شيء ما : حين افكر اعي ان تفكيري ” متركز على شيء ما ؛ ففعل التفكير و موضوعه مترابطان ترابطا داخليا و متوقفان على بعضهما. على ان وعيي ليس مجرد تسجيل منفعل للعالم و انما هو تكوين له و ” قصد ” فاعلان . و تبعا لذلك وفي سبيل اقامة اليقين يجب اولا و قبل كل شيء ان نتجاهل كل ما ليس في متناول تجربتنا المباشرة او ان ” نضعه بين قوسين ” ، و يجب ان نختزل العالم الخارجي في محتويات وعينا وحده . هذا الذي سمي”الاختزال الظاهراتي ” هو اول خطوة مهمة خطاها هوسرل.و بناء عليه يجب ان ينحى بشكل حاسم كل ما ليس ” ملازما ” للوعي ، و يجب ان تعامل كل الوقائع ” ظواهر ” خالصة و باعتبار تجليها في الذهن . هذا هو المعطى المطلق الوحيد الذي يمكن ان ننطلق منه . و من هذا الاصرار انبثق الاسم الذي اطلقه هوسرل على منهجه الفلسفي : الظاهراتية ، انها علم الظواهر الخالصة .

و مع ذلك مازالت المشاكل مستعصية الحل.وربما عاد ذلك الى ان كل ما نجده و نحن نفحص محتويات اذهاننا ليس سوي سيل عشوائي من الظواهر و تيار فوضوي من الوعي، اما اليقين فنجده بالكاد . على ان نوع الظواهر ” الخالصة” الذي يشغل بال هوسرل ليس مجرد تفاصيل فردية عشوائية ، بل هو نسق من الجواهر الكلية ، لان الظاهراتية تميز كل ما يوجد في الخيال الى ان تكتشف الثابت فيه .ذلك ان ما يقدم الى المعرفة الظاهراتية ليس هو مثلا تجربة الغيرة او تجربة اللون الاحمر فحسب بل الاجناس او الجواهر الكلية لهذه الاشياء، اي الغيرة او الحمرة من حيث هي غيرة او حمرة على التوالي . ان ادراك ظاهرة ما ادراكا كليا و خالصا معناه ادراك ما هو جوهري و ثابت فيها . يسمى النمط في اللغة اليونانية ( eidos) و تبعا لذلك يتحدث هوسرل عن منهجه باعتباره منهجا يحقق تجريدا ” نمطيا ” الى جوار اختزاله الظاهراتي .

يبدو كل هذا غير واقعي و مغرقا في التجريد، و هو كذلك فعلا. بيد ان غاية الظاهراتية خلاف التجريد تماما : انها العودة الى الملموس، الى الارض الصلبة كما اقترح ذلك شعارها المشهور ” العودة الى الاشياء في ذاتها ” .فقد كانت الفلسفة مهتمة اكثر من اللازم بالمفاهيم بينما كان اهتمامها بالمعطيات الواقعية اقل من اللازم : و هكذا اقامت انساقها المتذبذبة المغرقة في الذهنية على اسس واهية . اما الظاهراتية فبامكانها – نظرا لتمسكها بما يمكن التثبت منه تجريبيا – ان تقدم الاساس الذي يمكن ان تشيد على صرحه المعرفة الصحيحة الموثوق بها، بامكانها ان تكون ” علم العلوم ” الذي يهيئ لنا منهجا لدراسة كل شيء: الذاكرة و مباريات الملاكمة و الرياضيات . و هي لا ترضى بما هو اقل من كونها علم وعي الانسان؛ وعي الانسان هنا متصور لا باعتباره تجربة عملية تخص انسانا بعينه، بل باعتباره”بنيات عميقة ” للذهن نفسه . و على خلاف العلوم الاخرى، لا تتساءل الظاهراتية عن هذا الشكل او ذاك من المعرفة، و انما تتساءل في المقام الاول عن الشروط التي جعلت اي ضرب من ضروب المعرفة ممكنا .وعلى هذا النحوفهي – مثل فلسفة كانط قبلها – صيغة متسامية للبحث ؛ و الذات الانسانية او الوعي الفردي التي شغلتها ذات ” متسامية ” . ان الظاهراتية لا تفحص ما ادركه فقط و انا انظر الى ارنب ما ، و انما تفحص الجوهر الكلي للارانب و لفعل ادراكها .و بعبارة اخرى ليست الظاهراتية شكلا من اشكال النزعة التجريبية المهتمة بالتجربة العشوائية الجزئية لافراد معينين ، و لا نوعا من النزعة ” النفسية ” المهتمة فقط بالعمليات الذهنية القابلة للملاحظة لدى هؤلاء الافراد؛ بل هي تدعي كشف حقيقة بنيات الوعي نفسه ، و في الوقت ذاته تعمل على كشف حقيقة الظواهر نفسها .

يتضح من هذا البيان ، رغم طبيعته الموجزة ، ان الظاهراتية شكل من اشكال المثالية المنهجية التي تسعى الى سبر اغوار فكرة تسمى ” وعي الانسان ” و عالم من الممكنات الخاصة . بل اذا كان هوسرل يرفض النزعة التجريبية و النفسية و الوضعية في العلوم الطبيعية، فانه يعتبرنفسه ايضا انه قطع صلاته مع المثالية الكلاسيكية لمفكر مثل كانط .لقد كان كانط عاجزا تماما عن الاجابة عن السؤال : كيف يتأتى للعقل ان يعرف حق المعرفة الاشياء التي توجد خارجه؛و قد كانت الظاهراتية تأمل تجاوز هذا الشك بادعائها ان ما هو معطى في الادراك الخالص هو الجوهر الحقيقي للاشياء.

يبدو كما لو ان الامر نداء بعيد قادم من ليفيس( leavis ) ( 1م ) و من المجتمع العضوي . لكن هل الامر كذلك ؟ ان العودة الى ” الاشياء في ذاتها ” و التلهف الى ابعاد النظريات غير المتجذرة في الحياة ” الملموسة ” ليست ، في نهاية المطاف ، غريبة عن نظرية المحاكاة الساذجة عند ليفيس المتعلقة باللغة الشعرية باعتبارها تحوي المادة الخام للواقع نفسه .لقد التفت كل من ليفيس و هوسرل الى مواساة الملموس و ما يمكن ان يعرف عن المشاعر في حقبة تتسم بازمة ايديولوجية حادة ؛ و يتضمن هذا الاستنجاد ب “الاشياء في ذاتها ” لاعقلانية كاملة في كلتا الحالتين . و في رأي هوسرل، ان معرفة الظواهر شيء مفروغ منه او كما يقول : > شيء غير قابل للمناقشة < لانها حدسية : ان عدم شكي في مثل هذه الاشياءيماثل عدم شكي في ضربة على الرأس .فبالنسبة لليفيس تعد بعض اشكال اللغة سليمة و حيوية و ابداعية حدسيا .و مع ذلك مهما نتصور النقد برهانا مساعدا فليس هناك ،في نهاية المطاف، ما يناقض هذا .و فضلا عن ذلك فان ما هو محدوس عند كلا الرجلين في فعل ادراك الظاهرة الملموسة شيء كلى : النمط ( eidos ) عند هوسرل و الحياة عند ليفيس . و بعبارة اخرى، لم يكونا مجبرين على مجاوزة امان الاحساس المباشر من اجل انشاء نظرية ” شاملة ” : فالظواهر مزودة سلفا بالنظرية . لكن المؤكد انها نظرية استبدادية ما دامت متوقفة على الحدس توقفا تاما . و يرى هوسرل ان الظواهر غنية عن “التأويل ” و البناء على هذا النحو او ذاك باعتماد برهنة عقلية .و هي تشبه في ذلك الاحكام النقدية ، اذ تفرض علينا نفسها ” رغم انفنا ” حتى نستعمل عبارة اثيرة لدى ليفيس. هذا ، و ليس من الصعب ادراك العلاقة بين هذه الدغمائية – دغمائية جلية خلال حياة ليفيس المهنية – و بين الاحتقار التقليدي للتحليل العقلي . و اخيرا يمكن ان ندرك كيف تقترح النظرية ” المقصدية ” الهوسرلية المتعلقة بالوعي ان ” الكينونة ” و ” المعنى ” مترابطان دائما بحيث لا يوجد موضوع بدون ذات و لا ذات بدون موضوع . و يرى هوسرل- على غرار الفيلسوف الانجليزي برادلي ( F H Bradley ) (2م) الذي اثر في ت س اليوت -ان الموضوع و الذات وجهان لعملة واحدة. لا غرو ان هذا المذهب مذهب مواس في مجتمع تبدو فيه الموضوعات مستلبة و مجتثة من الغايات الانسانية، و الذوات من ثم غارقة في عزلة مهمومة. لقد وُحد العالم و العقل معا مرة اخرى ، ذهنيا على الاقل . هذا ، وقد عني ليفيس هو الاخر بالتئام التصدع الهائل بين الذوات و بين الموضوعات، بين ” الانسان ” و بين”محيطه الانساني الطبيعي” ، التصدع الناجم عن الحضارة المكثفة .

اذا كانت الظاهراتية قد امنت عالمامعروفا، فانها قد اسست مركزية ذات الانسان باليد الاخرى. و بالفعل وعدت بما لا يقل عن علم الذاتية نفسها؛ فالعالم هو ما افترضه او” اقصده ” : ينبغي ان يدرك في علاقته معي، و باعتباره علاقة طبيعية مع وعيي ، و ان ادرك ان الوعي ليس معصوما فحسب بل متساميا .كان هذا ضربا من اعادة الثقة الى ما ينبغي معرفته عن النفس. و اذا كانت الفلسفة الوضعية المطبِقَةفي القرن التاسع عشر قد هددت بمصادرة عالم الذاتية برمته، فان الفلسفة الكانطية الجديدة حذت حذوها بشكل فاتر؛ و هكذا بدا ان مجرى تاريخ اوربا في القرن التاسع عشر و ما بعده القى ظلالا قوية من الشك على المسلمة التقليدية الذاهبة الى ان الانسان سيد قدره ،و انه لم يعد المركز الخلاق في عالمه. و كرد فعل على هذا اعادت الظاهراتية الذات المتسامية الى عرشها الشرعي؛فالذات ينبغي اعتبارها مصدر كل معنى و اصلا له : ليست هي نفسها في الواقع جزءا من العالم لما كانت تجعله في الصدارة. و ترجمة ذلك ان الظاهراتية استعادت الحلم القديم لايديولوجيا البرجوازية الكلاسيكية و جددته ، لان مثل هذه الايديولوجيا ارتكزت على ان “الانسان ” سابق ، بشكل ما ، على تاريخه و شروطه التاريخية التي تندفق منه كما يندفق الماء من النافورة . اما السؤال : كيف غدا هذا “الانسان” في الصدارة-سواء اكان منتوج شروطه التاريخية ام منتجها – فلم يتأمل بجدية . و من ثم هيأت الظاهراتية – باعادتها مركزة العالم حول ذات الانسان- حلا خياليا لمشكلة تاريخية خطيرة.

في ميدان النقد الادبي اثرت الظاهراتية تاثيرا ما في الشكلانيين الروس.فمثلما وضع هوسرل الموضوع الحقيقي ” بين قوسين “ليهتم بفعل معرفته وُضع الشعرلدى الشكلانيين الروس بين قوسين وتم التركيز على الطريقة التي يدرك بها ( 3) .غيرأن الدين الرئيسي للظاهراتية يتجلى فيما يسمى مدرسة جنيف النقدية التي ترعرعت في الاربعينات و الخمسينات على الخصوص ، و كان اعلامها البارزون هم : البلجيكي جورج پولي ،و الناقدان السويسريان جان روسي و جان ستاروبنسكي ، و الفرنسي جان بيير ريشارد . وهناك من ارتبطت اسماؤهم بهذه المدرسة امثال اميل ستيكو استاذ اللغة الالمانية في جامعة زيوريخ ،و الناقد الامريكي ج هيليس في عمله الاول .

يعتبر النقد الظاهراتي محاولة لتطبيق المنهج الظاهراتي على الاعمال الادبية . و كما هو شأن الموضوع الحقيقي لدى هوسرل تم تجاهل السياق التاريخي الفعلي للعمل الادبي و مؤلفه و شروط انتاجه و قرائه. كان النقد الظاهراتي يهدف الى قراءة ” محايثة ” شاملة للنص بعيدا عن المؤثرات الخارجية. و بناء عليه اختزل النص نفسه في احتواء خالص لوعي المؤلف : يدرك مظهراه الاسلوبي و الدلالي باعتبارهما جزأين عضويين من كل معقد جوهره الموحِد هو فكر المؤلف.و بغية معرفة هذا الفكر يجب الا نحيل على ما نعرفه حقا عن المؤلف مكتفين بالاحالة على مظاهر وعيه ( او وعيها ) المتجلية في العمل نفسه . و هكذا فالنقد السيري مدان .اضافة الى هذا نهتم ب” البنيات العميقة ” لهذا الفكر، و هي بنيات يمكن ان توجد في الموضوعات المتواترة ونماذج الاسلوب الادبي؛و بادراكنا لهذه ندرك في الوقت نفسه الطريقة التي” عاش ” بها المؤلف عالمه ، اي العلاقات الظاهراتية بينه- باعتباره ذاتا -و بين العالم باعتباره موضوعا .ليس ” عالم ” العمل الادبي واقعا موضوعيا، بل هو ” العالم المادي ” ( Lebenswelt) ، الواقع كما نظمته و خبرته ذات فردية. و لذا يركز النقد الظاهراتي بشكل نمطي على الطريقة التي يَخبر بها المؤلف الزمان و المكان، و على العلاقة بين الانا و بين الاخرين، او ان شئت ادراكه الاشياء المادية .و بعبارة اخرى ،تغدو الانشغالات المنهجية للفلسفة الهوسرلية ” محتوى ” الادب في النقد الظاهراتي في غالب الاحيان .

يحاول النقد الظاهرتي تحقيق موضوعية و حياد تامين قصد الامساك بهذه البنيات المتسامية وولوج دواخل وعي الكاتب . و يجب عليه ان يتطهر من ميولاته الخاصة و ان يغوص بشكل حاسم في ” عالم ” العمل الادبي و ان يعيد انتاج ما وجده هناك بشكل دقيق و غير منحاز قدر الامكان . فاذا كان بصدد معالجة قصيدة مسيحية فليس يعنيه اصدار احكام قيمة على رؤية العالم الخاصةهذه ، و انما الذي يعنيه هو الكشف عما يحس به المؤلف و هو ” يحياها ” . وبعبارة اخرى ، هو ضرب من التحليل غير النقدي و غير التقويمي . و هكذا لا ينظر الى النقد باعتباره بناء و تأويلا فاعلا للعمل الذي يتضمن بالضرورة اهتمامات الناقد و ميوله ، ومن ثم فهو مجرد تلق سلبي للنص و نسخ لجواهره العقلية؛ و يفترض ان العمل الادبي يشكل كلا عضويا ، و هكذا هي كل اعمال مؤلف ما. و على هذا النحو يمكن للنقد الظاهراتي ان يتحرك برباطة جأش بين النصوص الشديدة التباعد زمنيا و المختلفة الموضوعات في بحثه الحازم عن الوحدة . انه ضرب من النقد الجوهراني المثالي اللاتاريخي الشكلاني العضواني ، ضرب من الابعاد الممنهج للقضايا الشائكة للاحكام المسبقة و عوائق نظرية الادب الحديثة برمتها . والواقع المثيروالملفت للانتباه هو انه افلح في انتاج دراسات نقدية فردية ذات بصيرة ملحوظة ( دراسات پولي و ريشارد و ستاروبنسكي ) .

يرى النقد الظاهراتي ان لغة العمل الادبي تفوق شيئا ما ” التعبير” عن معانيه الداخلية . و يعود هذا الرأي القديم نوعا ما الى هوسرل نفسه الذي لم تحتل اللغة في ظاهراتيته الا حيزا ضيقا . يتحدث هوسرل عن مجال خصوصي داخلي خاص للتجربة ، لكن لما كانت كل تجربة تتطلب لغة ، و اللغة بطبعها اجتماعية ، فان هذا المجال في واقع الامر مجرد خيال . اما الادعاء أن لي تجربة خاصة تماما فلا معنى له : لن تكون لي تجربة ان لم تتم اولا بوساطة اللغة التي تمكنني من التعرف عليها في داخلها ، ذلك ما يمنح لتجربتي معنى ، وفق هوسرل ، ليس هو اللغة وإنمــا فعل إدراك الظواهــر الخاصــة باعتبارهــا كليات ، وهو فعل ينبغي أن يتم في استقلال عن اللغة نفسهــا . وبعبارة أخرى ، يرى هوسرل أن المعنى يسبق اللغة مما يعني أن اللغة ليست إلا نشاطا ثانويــا يسمي المعاني التي أملكها مسبقا . غير أن نسق هوسرل يعجز عن الإجابة عن السؤال الآتي : كيف أمكنني امتلاك المعاني دون أن تكون لدي لغة مسبقا ؟

إن العلامات المميزة “للثورة اللسانية” في القرن العشرين من سوسير وفتكنشتاين حتى نظرية الأدب المعاصرة هي الإقرار بأن المعنى ليس مجرد شيء “تعبر” عنه اللغة أو “تعكسه” بل هو شيء “تنتجه” فعلا . لا يتعلق الأمــر بتوفرنــا على معان أو تجارب نلبسها كلمات ، ذلك أن ما يمكننا من التوفــر على معان وتجارب هو أن لديــنــــــــــا أولا وقبل كل شيء لغة تمكننا من التعبيــر عنها . ولعل ما يوحي به هذا ، فضلا عما سبق ، هو أن تجربتنا كأفراد تجربة جذورها اجتماعية إذ لا وجود لشيء اسمه لغة خاصة ، فتصور لغة هو تصور شكل كلي للحياة الاجتماعية . وعلى عكس هذا تأمل الظاهراتيــة أن تقي تجارب داخليــــــــة “خالصة” من العدوى الاجتماعية للغة ، أو بدل ذلك اعتبار اللغة نسقا ، ليس إلا ، ملائمـــــــــــا “لتثبيت” المعاني التي تكونت بمعزل عنها . وقد كتب هوسرل نفسه جملة دالة عن اللغة قائلا : “إنها تطابق تمام التطابق ما هو مدرك في وضوحه التام” (4) . لكن كيف يمكن للمرء أن يدرك شيئا ما إدراكا واضحا ما لم تكن الوسائل المفهوميــة للغة رهن إشارته ؟ ولأن هوسرل كان يعي أن اللغة تطرح على نظريته أسئلــة جدية فقد حاول حل المعضلة بتخيل لغة تعبــر تعبيرا خالصا عن وعي ، أي لغة متحررة من أعباء وجوب تعيين المعاني خارج أذهاننا أثناء الحديث . وقد كان الفشل مصير تلك المحاولة : “فاللغة” الوحيدة القابلة للتصور على هذا النحو ستكون لغة منعزلة وأقوالا باطنيــة لا تدل على شيء . (5)

تعد فكرة القول المنعزل الذي لا معنى له والذي لم يلوثه العالم الخارجي صورة خاصة بالظاهراتية ومناسبة لها . فلكي تستعيد الظاهراتية مطالب ” العالم الحي” لعالم الإنسان وتجربته من القبضة العقيمة للفلسفة التقليدية بنت قصورا من رمال . لقد وعدت بمنح المعرفة الإنسانية قاعدة صلبة لكن الثمــن كان فادحـــا ألا وهو التضحيــة بالتاريــخ الإنساني نفســـه . و لان المعاني الانسانية تاريخية بشكل جذري ، فإن الامر لا يتعلق بحدس الجوهر الكلي لماهيــة البصلة وإنمــا بتغيرات وتبادلات عمليـــة بين أفراد المجتمــع . ورغــم تركيــز الظاهراتيــــة على الواقـــع كما هو مجرب فعليا باعتباره “العالم الحي” بدل واقع محايث فإن وقفتها الخاصة أمـــام العالم ظلت تأمليــة وغير تاريخيــة . لقد سعت الظاهراتية إلى حل كابوس التاريــخ المعاصــر ، وذلك بالاختلاء في برج عاجي حيث تنتظــر اليقين الأبدي ، فأضحت في عزلتهـــا عرضا واحتضانا مستلبا للأزمــة التي أرادت تجاوزهــا .

إن الإقرار بتاريخيـــة المعنى هو ما أدى بالفيلسوف الألماني مارتن ها يدجر أشهر تلامذة هوسرل إلى إعلان القطيعة مع نسقه الفلسفي . ينطلق هوسرل من أن الذات متساميــة بينما يرفض هايدجر نقطة الإنطلاق هذه ليبدأ بدل ذلك من التفكير في الوجود الإنساني غيــر القابل للاختزال باعتباره “معطى مسبقا” أو كما يسميه . ولهذا السبب ينعت عمله -غالبا- بأنه “وجودي ” على خلاف “الطابع الجوهراني” الفظ لعمل أستاذه . وهكذا يعني الانتقال من هوسرل إلى هايدجر الانتقال من ميدان العقل الخالص إلى فلسفة تتأمل ما يحتمل أنه حي . وبينما اكتفت الفلسفة الأنجليزية بتواضعها المعتاد بالبحث في أمــور ثانويـــة وتوطيــن النفس على أن “لم يحدث شيء” و”لم يقل شيء” اتجه عمل هايدجر الرئيسي 1927 Being and Time نحو مسألة الكينونة نفسهــا ، وعلى نحو خاص ذاك النوع من الكينونة في العالم بالدرجة الأولى : نحن ذوات إنسانيــة لأننا مرتبطون عمليا بالآخريــــن وبالعالم المادي ، ويعتبــر هذا الارتبــاط مكونــــا لحياتنــا ، لا عرضيـــا . فالعالم ليس موضوعـــا خارجيـــا ” يحلل تحليلا عقلانيـــا ويجعل إزاء ذات متأملــة : ليس بتاتــا شيئـا نوجد خارجـه ثم نقف إزاءه . إنـنـــا ننبثق ، باعتبارنــــــا ذوات ، من داخل واقع لا نستطيـــع أبدا أن نشيئه ، واقع يحيط “بالذات” و “الموضوع” معـا ، واقع لا تنفد معانيــه ، واقع يشكلنـــا مثلمــــا نشكلــــــه تماما . بيد أن العالم ليس شيئــا ينحل إلى صورة ذهنيــة على الطريقة الهوسرلية ، ذلك أن له وجودا شرســا وعنيدا خاصا به يستعصي على مشاريعنــا ، ونحن نوجد باعتبارنــا جزءا منه فقط . ويعتبــر تنصيب هوسرل الأنــــا المتساميـــة المرحلة الأخيــرة في فلسفة عقلانيــة أنواريــة يطبع ” الإنسان” ، في نظرها ، صورته بشكل متميزعلى العالم . وعلى عكس ذلك سيزحزح هايدجر الذات الإنسانيــة من موقع الهيمنة الخيالي هذا . فالوجود الإنساني حوار مع العالم ، والنشاط الأكثـــر حكمــة هو الإنصات لا الكلام ؛ والمعرفة الإنسانيــة تنطلق دائمــــــــا مما يسميــه هايدجر “ما قبل الفهم” وتتحرك داخله . وقبل أن نصبح قادريــن على التفكير المنظم كنا نتقاسم مع العالم عددا كبيرا من الافتراضات الضمنية المنبثقة من علاقتنا العملية الوثيقة معه ، وما العلم أو النظريــة بشيء آخر سوى تجريدات جزئية من هذه الاهتمامات الملموسة ، تماما مثلما الخريطة عملية تجريدية لأرض حقيقية . وعليه ليس الفهم ، سلفا، معرفة قابلة للعزل ، فعلا خاصا أنجزه بل هو جزء من البنية الحقيقية للوجود الإنساني . ولما كنت أحيا بشريا فقط “بإلقاء” نفسي في الآتي وبالتعرف على إمكانات جديدة للكينونة وتحققها فإنني لست أبدا مطابقا لنفسي ، وإنما أنــا كائن متجه مسبقا إلى الأمام متجاوزلنفسي . ومن ثم ليس وجودي ، بتاتا ، شيئا يمكنني إدراكه موضوعا منتهيا ، بل باعتباره دائمــا احتمالا جديدا وإشكاليا ؛ ويتساوى هذا مع القول بأن الكائن الإنساني يكونه التاريخ أو الزمن . على أن الزمن ليس وسيطا نتحرك داخله كما تتحرك القنينة على النهر ، بل هو بنية الحياة نفسها ، شيء خلقت منه قبل أن يكون شيئا أقيسه . وبناء عليه يعد الفهم بعدا من أبعاد Dasein * قبل أن يكون متعلقا بفهم شيء مخصوص ، أي الدينامية الداخلية لترنسند نتاليتتي الذاتية الراسخة . ان الفهم تاريخي ، اي انه منصهر دائما مع الوضعية الملموسة التي أنا فيهــا ، والتي أحاول تجاوزها .

إذا كان الزمن يكون الوجود الإنساني ، فإن اللغة هي الأخرى تصنع هذا الوجود . ففي رأي هايدجر إن اللغة ليست وسيلة تواصل فحسب ، وسيلة ثانوية للتعبير عن “الأفكار” ، بل هي ذلك البعد الذي تتحرك فيه حياة الإنسان ، أي ما يجعل العالم في الصدارة . وحيثما وجد العالم ” وجدت اللغة ، بالمعنى الإنساني حصرا . لا يفكر هايدجر في اللغة باعتبارها ما يمكن أن أقوله أنـــا أو أن تقوله أنت ، ذلك أن للغة وجودها الخاص بها ، وهو وجود يساهم فيه الكائن البشري ، وبهذه المساهمة فقط يكون الإنسان إنسانا . ويسبق وجود اللغة وجود الذات الفردية دائمــــا ، كما المجال الحقيقي الذي تتفتح فيه الذات] ؛ وإذا كانت اللغة أداة لتبادل المعلومات الدقيقة فهي بهذا المعنى تتضمن “الحقيقة” بقدر أقل مما إذا كانت المكان الذي “ينكشف” فيه الواقع ويمنح نفسه لتأملاتنا . إن إضفاء هذا المعنى على اللغة ، أي اعتبارها حدثا شبه موضوعي يسبق وجوده وجود كل الأفراد المخصوصيـــــن ، يجعل تفكير هايدجر شديد الموازاة مع النظريات البنوية .

بناء على ما تقدم فإن ما هو مركزي في فكر هايدجر هو الكينونة نفسها ، لا الذات الفردية . ويكمن خطأ الميتافيزقا التقليدية الغربية في رؤيتها الكينونة نوعا من الكيان الموضوعي جاعلة سدا بينه وبين الذات ؛ وقد سعى هايدجر ، بالأحرى ، إلى العودة إلى ما قبل فكر سقراط ، أي قبل أن تصبح ثنائية الذات والموضوع شيئا قائمــا ، وسعى كذلك إلى النظر إلى الكينونة باعتبارها شيئا يضم الذات والموضوع معا . وفي عمله المتأخـــر على الخصوص كانت نتيجة هذا الاقتراح النفاذ هي الذلة المدهشة أمــام غرابة الكينونة . أما عقلانية الأنوار فيجب رفضها بسبب موقفها الأداتي التحكمي الفظ من الطبيعة ليحل محلها الإنصات المتواضع إلى النجوم والسماوات والغابات شأن “فلاح مبهور” ، حسب التعبير الحاد لمعلق إنجليزي . وعليه يجب على الإنسان أن “يفسح الطريق” أمـــام الكينونة جاعلا نفسه ملكالها : يجب عليه أن يعود إلى الأرض الأم المعطــاء التي هــي المنبــع الأول لكـــل معنى . ويعد هايدجــر-فيلسوف الغابة السوداء (6م)- حتى الآن شارحا آخـــر رومانسيا “للمجتمع العضوي” رغم أن عواقب هذه العقيدة أشد تدميرا في حالته مما هي في حالة ليفيس . وقد أدى تعظيــم شأن الفلاح وتحقيــر العقل لفائدة “الفهم القبلي” العفوي والاحتفاء بالحكمة السلبية – يضاف إلى ذلك إيمان هايدجر بوجود “موثوق” سائــر نحو الفناء متعال على الجماهيــر المجهولة – قلنا أدى كل هذا بهايدجر سنة 1933 إلى تأييد صريح لهتلر . صحيح أن التأييد لم يعمر طويلا إلا أنه ، لهذا السبب كأن متضمنا في عناصر فلسفته .

إن ما يستحق التقدير في هذه الفلسفة هو – من بين أشياء أخرى – إلحاحها على انبثاق المعرفة النظرية دائمــــا من مصالح اجتماعية ملموسة . ويرى هايدجر أن نموذج الموضوع العروف – بشكل دال – هــو الأداة ؛ فنحن نعرف العالم لا عن طريق التأمل وإنما باعتباره نسقا من الأشياء المتعالقة التي تعد – مثل المطرقة واليد – عناصر في مشروع ملموس . فالمعرفة شديدة الارتباط بالعمل . لكن الوجه الآخـــر لهذه الطبيعة العملية الشبيهة بطريقـــة تأمــل الفلاح الطبيعة يعتبــر تأملا صوفيــا : حين تنكسر المطرقة ، وحين نكف عن اعتبارها مطرقة ينتهي ألقها وتتخلى عن كينونتها الأصلية ، وهكذا تغدو شيئا يفوق مجرد مطرقة منكسرة . يتقاسم هايدجر مع الشكلانيين الروس الإيمــان بأن الفن شبيه بالخروج عن المألوف : حين يرسم فان غوغ زوج حذاء الفلاح فإنــه يجعل الحذاء غريبا عن طريق تبئيــر طبيعته الحذائيــة .

وبالفعل يرى هايدجر أن مثل هذه الحقيقة قابلة للبروز في الفن وحده ، تماما مثلما أن الأدب في رأي ليفيس حل محل نمط وجود يفترض أن المجتمع الحديث فقده . ولا ينبغي النظر إلى الفن وكذا اللغة كوسيلة للتعبير عن ذات فردية ، ذلك أن الذات ليست سوى مكان أو وسيط تتحدث فيه حقيقة الكون عن نفسها ، وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يصغي إليها قارىء القصيدة بتأن . ويذهب هايدجر إلى أن التأويل الأدبي ليس متأصلا في النشاط البشري إذ ليس شيئا نفعله بل هو شيء يجب أن نتركه يحدث . يجب أن نواجه النص مواجهة سلبية وأن نسلس قيادنا لكينونته الغريبة اللامتناهيـــة وأن نمنح له فرصة مساءلتنا . وبعبارة أخرى ، يجب أن يكون في مثولنا أمام النص شيء من الخنوع الذي دعا إليه هايدجر الشعب الألماني أمــام الفوهرر . والبديل الوحيد أمـــام العقل المتجبـــر في المجتمع الصناعي البرجوازي – حسب مايبدو – هو عبودية إنكــار الذات.

لقد قلت إن الفهم في رأي هايدجر تاريخي إلى حد بعيد ، وأرى الآن أن هذا القول في حاجة إلى مزيد من التوضيح . فعنوان كتابه الأساسي هو Being and Time وليس bein and Histoiry ذلك أن بين المفهومين فرقا شاسعا . فالزمن ، في أحد معانيه ، مقولة أشد تجريدا من مقولة التاريخ : إنه يوحي بتعاقب الفصول ، أو بالطريقة التي أمارس بها حياتي الشخصيــــة ، لا بالصراعات بين الأمــم ورعاية الشعوب او ذبحها أو قيام الدول وسقوطهـــــا . الزمن في عرف هايدجــر مقولة ميتافيزيقيـــة ، أساسا ، بالمعنى الذي يعد فيه “التاريخ” خلاف ذلك في عرف مفكرين آخرين . إنه مشتق مما نفعله عمليا ، وهو ما أعنيه “بالتاريخ” . على أن هذا النوع الملموس من التاريــخ يكاد لا يشغل بال هايدجر بالمرة : إنه يميــز فعلا بين التاريــــــــخ الذي يعني على وجه التقريب “ما يحدث” وبين Geschichte (7م)الذي يعني “ما يحدث” ، أي المعيش باعتباره ذا معنى موثوق . فتاريخي الشخصي ذو معنى موثوق حين أقبل مسؤلية وجودي الخاص وأنتهــز فرصة إمكاناتي المستقبلية وأحيى في وعي دائــم بفنائي المقبل . قد يكون هذا صحيحا وقد لا يكون ، لكن يبدو أن لا علاقة مباشرة بينه وبين كيف أحيى “تاريخيا” بمعنى ارتباطي مع الأفراد والمؤسسات الاجتماعية وبالعلاقات الاجتماعية . يبدو أن كل هذا بدءا من القمم الأولمبية لنثر هـــــايدجـر الهائل الذي لا تفهمــه إلا الخاصـة لا يعتد به فعلا . فالتاريخ “الحقيقي ” في رأي هايدجــر تاريخ باطني “وتوقي” أو “وجودي” – إتقان للرعب والعدميــة ، وعزم ثابت على الفناء “وحشد” لقواي – يشتغل في الواقع بديلا للتاريــخ بمعناه البديهي والعملي . وكما ذهب إلى ذلك الناقـــد الهنغاري جورج لوكاش لا تختلف “تاريخية” هايدجر المشهورة في الحقيقة عن اللاتاريخية .

والنتيجة ، من ثم، هي أن هايدجــر أخفق في قلب حقائق هوسرل الأبدية والتقليد الميتافيزيقي الغربي رأســا على عقب وأخفق في جعلها تاريخيــة . وكل ما فعله عوض ذلك إنشاء نوع آخـــر من الكيان الميتافيزيقي ، أي Dasein نفسه . ويمثل عمله إطلالة على التاريخ بقدر ما هو لقاء معه ؛ ويمكن قول الشيء نفسه عن الفاشية التي تغزل بها . وتعد هذه الأخيــرة محاولة يائســة – محاولة النزع الأخيــر – بذلتها الرأسمالية المستبدة لإلغاء التناقضات التي غدت صارخة ؛ وقد فعلت ذلك جزئيــا بتهييء تاريــخ شامل بديل ، رواية من الدم والأرض والِعرق “النقي” ، وسمو الموت ونكران الذات ، والرايخ الذي سيعمر ألف سنة . ليس معنى هذا أن فلسفة هايدجــر في شموليتها ليست إلا أساسا جوهريــا للفاشية ، بل معناه أن هذه الفلسفة هيأت حلا خياليا لأزمة التاريــخ المعاصـــر كما هيأت الفاشية حلا آخــر ، ومعناه أيضــا أنهما تلتقيان في عدد من الخصائــص .

يصف هايدجر مشروعه الفلسفي بأنــه “هيرمينوطيقا الكينونة” . وتعني كلمة “هيرمينوطيقا” علم التأويل أو فنه . ويشار عادة إلى فلسفة هايدجر بأنها “ظاهراتية هرمينوطيقية” لتمييزها عن “الظاهراتية الترنسندنتالية” لهوسرل واتباعه ؛ وهي تسموكذلك لأنهـــا تتأسس على قضايا بالتأويــل التاريخي بدل الوعي المتسامي (8) . وقد كانت الكلمة “هيرمينوطيقا” محصورة في الأصل في تأويل الكتب المقدسة ، لكن مجالها اتسع خلال القرن التاسع عشــرليشمل شكل التأويـل النصي على نحو أشمل . أما تلميذا هايدجر المشهوران باعتبارهما “هيرمينوطيقيين” فهما الألمانيان Schleiermacher و Dilthey ؛ على أن خلفه الأكثر شهرة هو الفيلسوف الألماني المعاصر Georg Gadamer . وفي دراسة كادامر المركزية Truth and Methodنجد أنفسنا في معترك التساؤلات التي لم تفتأ تقض مضاجع نظرية الأدب الحدثية : ما هو معنى النص الأدبي ؟ إلى أي حد يتصل مقصد المؤلف بهذا المعنى ؟ هل يمكن أن نأمل في فهم الأعمــال الغريبة عنا تاريخيا وثقافيا ؟ هل الفهم “الموضوعي” ممكن ، أم أن كل فهم يرتبط بوضعنا التاريخي ؟ توجد في هذه الأسئلـة ، كما سنرى ، مخاطرة كبيرة أكبــر مما هو موجود في “التأويل الأدبي” بمفرده .

يرى هوسرل أن المعنى “موضوع مقصدي” . وترجمة هذا أنه ليس قابلا للاختزال في أفعال نفسية لمتكلم أو مستمع ، ولا مستقلا تماما عن مثل هذه العمليات العقلية. ليس المعنى موضوعيا كما هي الأريكة مثلا ، لكنه ليس ذاتيا . إنه ضرب من الموضوع “المثالي” ، من حيث أنه يمكن التعبير عنه بطرق عدة إلا أنه يظل هو هو . ويرى هذا الرأي أن معنى العمل الأدبي قار بصفة نهائيــة : إنه مطابق للموضوع العقلي ” الموجود في ذهن المؤلف ، أو الذي “قصده” أثناء الكتابة .

بالفعل ، هذا هو الموقف الذي اتخذه الهرمينوطيقي الأمريكي E.D. Hirsch Jr الذي يعد مؤلفه المركزي ( Validity in interpretation ) (1967) مدينا ، بشكل لا يخطئه الإدراك ، لظاهراتية هوسرل . يرى هيرش أن الرأي الذاهب إلى أن معنى عمل ما يطابق ما قصده المولف حين التأليف لا يستتبع القول بأن التأويل الممكن للنص تأويل واحد لا غيــر . فقد تثبت صلاحية عدد من التأويلات المختلفة ، إلا أنه بجب أن تتحرك كلها داخل “نسق نمطي من التوقعات والاحتمالات” التي يجيزها معنى المؤلف ؛ كمــا أن هيرش لا ينكـر أن العمــل الأدبــي قد ” يعني” أشياء مختلفة لدى عدد من الناس في أوقات مختلفة . لكن هذا الأمــر ، في نظره ، يتعلق على نحو خاص “بدلالة” العمل أكثر من ارتباطه “بمعناه” . ذلك أن إمكان إنتاجي لمسرحية ماكبت بطريقة تجعلها مناسبة للحرب النووية لا يغيــر واقع أن ليس هذا هو “المقصود” بماكبث من وجهة نظر شكسبير . فالدلالات تختلف من حقبة تاريخية إلى أخرى بينما تظل المعاني ثابتة ، بمعنى أن المؤلفين يصنعون المعاني بينما القراء يضفون الدلالات .

إن هيرش إذ يطابق بين معنى النص وبين ما يعنيه به المؤلف لا يفترض أن بإمكاننا الوصول إلى مقاصد هذا الأخيــر دائمــا . فقد تكون يد المنون طوته (أو طوتها) منذ زمن غير يسير ، وقد يكون نسي ما قصده بالمرة . يترتب مما سبق أننا قد نعثر أحيانا على التأويل “السليم” للنص إلا أننا لسنا في موقع يسمح لنا بمعرفة ذلك . على أن هذا الأمر لا يزعج هيرش كثيرا ما دام متمسكا بموقفه المتمثل في أن المعنى الادبي مطلق وراسخ وصامد في وجه التغير التاريخي . ويكمن سر تمسكه بهذا الموقف في أن نظريته حول المعنى ، كمثيلتها لدى هوسرل ، نظرية قبل لسانية تذهب إلى أن المعنى شيء يقرره المؤلف : إنه فعل شبحي معنوي ذهني ومن ثم “راسخ” إلى الأبد في مجموعة مخصوصة من العلامات المادية ؛ أضف إلى ذلك أنه أمــر متصل بالوعي لا بالكلمات . إلا أن ما يتكون منه هذا الوعي غير اللغوي ليس واضحا . وربما كان على القارئ التمعن في التجربة ، وذلك بتأمل الكتاب للحظة ثم ” يقصد” شيئا ما في صمت بينه وبين نفسه . ماالذي “تعنيه” ؟ ثم هل يختلف ذاك عن الكلمات التي صغت بها الجواب ؟ ما أشبه الاعتقاد بأن المعنى يتكون من الكلمات يضاف إليها فعل إرادي أو قصدي غير لغوي بالاعتقاد بأنني أنجز فعلا إراديـــــــا صامتا كلما فتحت الباب “عن قصد” .

إن محاولة تحديد ما يجري في ذهن شخص ما، ثم بعد ذلك ادعاء أن هذا هو معنى قطعة مكتوبة أمــر تعترضه عوائق لا تخفى ، ومرد ذلك إلى أن ما قد يجري في ذهن المؤلف أثناء الكتابة لا حصر له . لا يعترض هيرش على هذه الحقيقة ، إلا أنه يدفعها بدعوى أن هذا لن يلبس مع “المعنى اللغوي” ؛ بيد أنه – لدعم نظريته – مجبر على اختزال كل ما يرمي إليه المؤلف اختزالا صارما إلى حد ما فيما يسميه “أنماط ” المعنى ، أي ضروب مرنة من المعنى يمكن أن يحصر فيها النص ويبسط ويغربل من قبل الناقد . وعلى هذا النحو يمكن أن ينحصر اهتمامنا بالنص فقط في هذه التنميطات المعنوية العديدة التي تقصى منها بعناية كل خصوصية . ويجب على الناقد أن يعيد بناء ما يسميه هيرش “النوع الجوهري ” للنص ، ويعني به – على وجه التقريب – الأعراف وطرق الإدراك العامة التي تحكمت في معاني المؤلف أثنــاء الكتابة . ومن المحتمل أن يكون ما في متناول يدنـا أقل من هذا بكثير : لا شك أن استعادة ما عناه شكسبير بالضبط بقوله ” cream fac’d loom ” أمـر مستحيل ، لذا علينا أن نقبل على مضض ما قد يكون فكر فيه على العموم . ويفترض أن التفاصيل الخاصــة في عمل ما محكومة بمثل هذه العموميات . أمــا التساؤل عما إذا كان في هذا إنصاف لتفاصيل الأعمــال الأدبية وتعقيداتها وطبيعتها الصراعيـــة فأمرآخـر. إن تأمين عمل ما إلى الأبد وإنقاده من حوادث التاريخ يقتضي من النقد أن يراقب إمكانات تفاصيله الفوضويـــة وتطويقهــــا بمركب المعنى “النمطي” ، كما أن وقفته أمــام النص وقفة سلطوية وقانونية : فكل ما لا يمكن تجميعه داخل سياج “المعنى المحتمل للمؤلف” يطرد بلا هوادة ، وكل ما يبقى داخل السياج يجعل تابعا لهذا المقصد الوحيد المتحكم . إن المعنى غير القابل للتغير في الكتب المقدسة مصون ، أما ما يفعله به المرء وكيف يستعمله فيصبح أمــرا ثانويا يتصل “بالدلالة” .

إن غاية هذه المراقبة هي حماية الملكية الخاصة . فبالنسبة لهيرش يعد معنى المؤلف ملكه الخاص ، ولا ينبغي أن تمتد إليه يد القارئ أو يعتدي عليه . خلاصة هذا أن معنى النص لا ينبغي أن يجعل اجتماعيا أو ملكا عموميا لمختلف قرائه ؛ فهو ملك المؤلف وحده الذي يحتفظ بحقوق التصرف فيه زمنا طويلا بعد وفاته (أو وفاتها) . ومن اللافت للانتباه أن هيرش يسلم بأن وجهة نظره الخاصة شديدة الاعتباطية في الواقع إذ لا يوجد في طبيعة النص نفسه ما يحول دون توافق تفسير القارئ مع معنى المؤلف ، فإن لم نحترم معنى المؤلف فإننا لا نملك أي “معيار” للتأويل ، ومن ثم نجازف بإطلاق العنان لفوضى نقدية . وعلى غرار الأنظمة المتسلطة ، إن جاز هذا التعدي ، تبقى نظرية هيرش عاجزة عن التسويغ العقلاني لقيمها المتحكمة . مبدئيا ليس هناك مسوغ لتفضيل معنى المؤلف ، تماما مثلما أن لا مسوغ لتفضيل قراءة ينجزها ناقد ذو شعر قصيــر أو أقدام عريضــة . ما أشبه دفاع هيرش عن معنى المؤلف بالدفاع عن صكوك ملكية الأراضي الذي يبدأ من رسم سيرورة الإرث الشرعي عبر القرون وينتهي إلى الإقرار بأن هذه الصكوك – لو تمت العودة بهذه السيرورة إلى الوراء بما فيه الكفاية – تم الحصول عليها بانتزاعهـا من أنـاس آخرين غصبــا.

فحتى لو تمكن النقاد من الوصول إلى مقصد المؤلف فهل يؤمن ذلك للنص الأدبي معنى محددا مبنيا على أساس صلب ؟ فلو تساءلنا عن تفسير لمعنى مقاصد المؤلف ، ومن ثم عن تفسير لهذه ، وقس على هذا ؟ إن التأمين هنــا ممكن شرط أن تكون معاني المؤلف على نحو ما يصفه هيرش : وقائع نقية وصلبة و “متطابقة” يمكن أن تستعمل ، بشكل غيرقابل للطعن ، لأجل إرسـاء العمل الأدبي . إلا أن هذه تعتبر طريقة مريبة لرؤية المعنى مهما كان نوعه . ما المعاني بقارة ولا محددة ، كما يظن هيرش ، بما فيها معاني المؤلف ، وهي كذلك لأنهــا – وهذا أمرلن يعترف به هيرش – من إنتاج اللغة التي تمتاز ذوقا بشيء من المكر والمراوغة . ومن ثم من الصعب معرفة ما معنى أن يكون لديك مقصد “خالص” أوالتعبير عن معنى “خالص” ؛ أمــا ما جعل هيرش يثق في هذه الأوهام فهو عزله المعنى عن اللغة . والحق أن مقصد المؤلف هو نفسه “نص” معقد يمكن أن يناقش ويترجــم ويؤول بشكل مختلف كما هي تماما حال أي نص آخر .

إن تمييز هيرش بين “المعنى ” وبين الدلالة تمييز صالح على نحو مـــا . فليس من المحتمل أن يعتقد شكسبير أنه يكتب عن الحرب النووية . وحين وصفت جرتريد (9م) ( Gertrude ) هاملت “بالبدين” ، ربما لم تكن تعني أن وزنه مفرط ، كما قد يميل القراء المعاصرون إلى الظن . لكن المؤكد أن تمييز هيرش ، في إطلاقيته ، لا يستطيع الصمود ، إذ ليس من الممكن إقامة تمييز بين “ما يعنيه النص ” وبين ” ما يعنيه النص في نظري” . ذلك أن تفسيري لما تعنيه مسرحية ماكبث في سياق شروط ثقافة زمانها هو بدوره تفسيري المتأثر ، لا غرو ، بلغتي الخاصة وبأطــر مرجعيتي الثقافية. لا استطيع التحرر بتاتا من كل هذا لأصل – بطريقة موضوعية مطلقة – الى معرفة ما كان يفكر فيه شكسبير فعليا . إن مفهوم الموضوعية المطلقة الذي من هذه الشاكلة مجرد وهم . فهيرش نفسه لم يكن يبحث عن مثل هذا اليقين لانه يعلم انه لن يصل اليه: بدل ذلك يجب ان يقنع بإعادة بناء ما ” يفترض ” انه مقصد المؤلف . الا انه لا يهتم بالطرق التي يمكن ان تتم بها إعادة بناء كهذه داخل اطرها التاريخية التي تشترط المعنى و التلقي . وبالفعل فمثل هذه “التاريخوية ” هي غاية سجاله ، ومن ثم يقدم ، على غرار هوسرل ، شكلا من المعرفة أبديا وغير مغرض على نحو متعال ، إن ادعاءه بأن عمله الخاص غير مغرض -واعتبار نفسه حامي حمى المعنى الثابت للأعمال الأدبية من إيديولوجيات معاصرة – يعد لوحده أحد العوامل التي تجعلنا ننظر نظرة شك وريبة إلى مثل هذه الادعاءات .

إن الغاية التي وضعها هيرش نصب عينيه هي هيرمينوطيقا هايدجر وگادامير وغيرهما . ذلك لأن إلحاح هؤلاء المفكرين على المعنى التاريخي دائما يفتح الباب مشرعا في نظره أمام النسبية التامة . وإذا اعتمدت هذه الحجة فقد يعني العمل الأدبي شيئا يوم الاثنين ثم شيئا آخـريوم الجمعة . ومن المفيد ، في رأينا، تأمــل السبب الذي جعل هيرش يعتبر هذه الإمكانية مرعبة . فلوقف استشراء هذه النسبية يعود هيرش إلى هوسرل ذاهبا إلى أن المعنى غير قابل للتغير لأنــه دوما فعل مقصدي يأتيه فرد معين في لحظة زمنية محددة . وهناك حالة واحدة جلية إلى حد ما يعد فيها هذا الطرح خاطئا . مثال ذلك أنني لو خاطبتك في ظروف معينة بقولي “أغلق الباب” ، فلما فعلت ما طلبته منك أضفت بحدة “أقصد ، طبعا ، افتح النافذة” ، فإنه من حقك التنبيه إلى أن العبارة “أغلق االباب ” تعني ما تعنيه بغض النظر عن قصدي ، ليس معنى هذا انعدام إمكان تخمين سياقات تعني فيها عبارة “أقفل الباب” شيئا مخالفا تماما لمعناها المألوف ؛ فقد تكون كناية عن “كف عن التفاوض” . ومن ثم فإن معنى الجملة ، كأي جملة أخرى ، ما هو بالثابت ولا هو بالقار : فبمزيد من البراعة يمكن للمرء أن يبدع سياقات قد تعني فيها آلاف الأشياء المختلفة . لكن إن كانت تهب على الغرفة ريح عاتية وأنــا لا أرتدي إلا ملابس الاستحمام فإن معنى الكلمات سيكون ، ربما، واضحا تبعا لهذا المقام ؛ وما لم تصب لساني عقدة أو أشك من سهو قد يكون من العبث إدعاء أنني أعني “افتح النافذة” “حقيقة” . إنها حالة جلية يتضح فيها أن معنى الكلمات لا يحدده مقصدي الشخصي ، وأنني لا أستطيع جعل كلماتي تعني ما أشاء كما ظن هوميتي دوميتي في “أليس” (10م) عن خطأ . إن معنى اللغة مسألة اجتماعية : هناك معنى حقيقي تعد فيه اللغة ملكا اجتماعيا قبل أن تكون معنى فرديــا .

هذا هو ما أدركه هايدجر ، وهو نفسه ما شرع هانس جورج گادامر في بلورته في كتابه ” Truth and Method ” . يرى كادامر أن العمل الأدبي لا تستنفده مقاصد مؤلفه ؛ فبمجرد انتقال العمل الأدبي من سياق ثقافي أو تاريخي إلى آخـــر تستخلص منه معان جديدة ربما لم تخطر ببال مؤلفه أو جمهوره المعاصر له . كان ينبغي أن يعترف هيرش ، بطريقة ما، بهذا الأمر عوض إرجاعه إلى واقع “الدلالة” ؛ أما عند كادامر فيعد عدم الثبات هذا جزءا من خاصية العمل نفسه . وبناء عليه فإن كل تأويل خاضع للمقام يصوغه ويقيده المقياس النسبي التاريخي لثقافة بعينها ؛ وعليه تنتفي إمكانية معرفة النص الأدبي “كما هو ” . هذا “الشك” هو ما يعتبره هيرش أشد تثبيطا للعزيمة في هيرمينوطيقا هايدجر ، فشن عليه حربا غير مباشرة .

يرى كادامر أن كل تأويل ينصب على عمل سابق يتكون من حوار بين الماضي والحاضر . وحين نواجه مثل هذا العمل نستمع بسلبية هايدجر الحكيمة إلى صوته غير المألوف ، مجيزين له مساءلة مشاغلنا الآتية ، غير أن ما “يقوله” لنا العمل سيتوقف بدوره على نوع الأسئلة التي نطرحها عليه من خلال موقعنـــــــا الممتاز في التاريخ ، كما أنه سيتوقف على مدى قدرتنا على إعادة بناء السؤال الذي يعتبر العمل ذاته”جوابا” عنه لأن العمل بدوره حوار مع تاريخه الخاص . ولكل فهم طبيعة انتاجية : إنه باستمرار “فهم بطريقة أخرى” وكشف عن إمكانات جديدة في النص ، وتسجيل للاختلاف معه . فما الحاضر بقابل للفهم إلا في ضوء الماضي الذي يشكل معه استمرارية حية ، وينبثق الماضي دائمــا من زاويــة نظرنـــا الجزئيــة الخاصة بنا وتوقعاتنا مع “الأفق” الذي يموضع فيه العمل نفسه . في هذه اللحظة نلج عالم الفن الغريب ، لكننا نضمه ، في الوقت نفسه ، إلى واقعنا ، محققين فهما أكثر كمالا لذواتنا . وكما يشير إلى ذلك كادامر “ندخل بيوتنا” بدل “هجرها” .

من الصعب إدراك السبب الذي جعل هيرش يعتبر هذا كله مثبطا للعزيمة ، مع أنه يبدو في غاية البساطة . بإمكان كادامر أن يسلم نفسه والأدب -بثبات- لرياح التاريخ لأن العصافير المهاجرة تعود دوما إلى أوكارها في نهاية المطاف . وهي تفعل ذلك لأن هناك جسرا يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل في التاريخ برمته ، وفيه يجري جوهر موحد اسمه “التقليد” . وكما هو شأن ت . س . إليوت ، تنتمي كل النصوص “المفيدة” إلى هذا التقليد الذي يتحدث من خلال العمل الماضي الذي أتأمله ، ويتحدث من خلالي في فعل التأمل “المفيد” . وعلى هذا كل الأزواج الآتية : الماضي والحاضر، الذات والموضوع ، الغريب والحميم ، يجمعها بأمان كائن يلم شملها ؛ لذا لا ينزعج كادامر من أن تصوراتنا الثقافية الضمنية المسبقة – “أو فهمنا المسبق ” – قد تجعل تلقينا للعمل الأدبي الماضي منحازا ، طالما أن هذا الفهم المسبق يأتينا من التقليد نفسه الذي يعد العمل الأدبي جزءا منه . على أن الانحياز عامل إيجابي أكثرمما هو سلبي : أدت فلسفة الأنواروحلمها بمعرفة غير مغرضة إلى بروزالشعارالحديث “انحياز إزاء انحياز” . فالانحيازات الخلاقة ، على خلاف العابرة والمخربة ، هي التي تنبثق من التقليد وتحيي الصلة بيننا وبينه . إن سلطة التقليد نفسه الموصولة العرى مع تأملنا الذاتي الجهيد ستميز بين ما هو شرعي وما ليس شرعيا في تصوراتنا المسبقة . بالضبط كما تساعد المسافة التاريخية بيننا وبين عمل ينتمي إلى الماضي – بدل خلق حاجز أمــام الفهم السليم – مثل هذه المعرفة عن طريق تجريد العمل الأدبي من كل ما كان مجرد دلالة عابرة .

من المفيد مساءلة گادامر : في أي تقليد يفكر فعلا ، ثم تقليد من هو ؟ ذلك لأن نظريته تتأسس على افتراض مفاده أن هناك بالفعل تقليدا وحيدا “مهيمنا” ، وأن كل الأعمل “المفيدة” تشارك فيه ، وأن التاريخ يشكل استمرارا لا ينقطع ، استمرارا خاليا من القطائع الحاسمة ومن الصراع والتناقض ، وأن الانحيازات التي ورثناها (من؟) عن “التقليد” ينبغي أن تصان . وبعبارة أخرى ، تفترض هذه النظرية أن التاريخ مكان هو دائمــا وأبدا وحيثما كنا وطننا ، وأن العمل المنتمي إلى الماضي سيعمق فهمنا الذاتي الحالي بدل القضاء عليه ، وأن الغريب مألوف دائمـــا بشكل ضمني . إنها بتعبير موجز نظرية في التاريخ مفرطة في الإعجاب بنفسها ، وهي إلى ذلك إسقاط لوجهة نظر على العالم يعني الفن لديها -بالأساس- تلك الأطلال الكلاسيكية في التقليد الجرماني العريق . إن تصورها للتاريخ والتقليد كقوتي قمع وتحرير في ذات الوقت ، وكميدانين يستعيرهما الصراع والهيمنة تصور ضحل . وعلى هذا النحو ليس التاريخ في نظر كادامر مجالا للصراع والانقطاع والنفي ، بل “سلسلة متصلة” ، نهــر دافق على وجه التقريب ، ناد من المتماثلات . فالاختلافات التاريخية يسلم بها بنوع من التسامح ، لكن فقط لأن تصفيتها قد تمت فعلا بوساطة فهم “يجسر المسافة الزمنية الفاصلــة بين المؤول وبين النص ؛ وهكذا يتغلب على غرابة المعنى التي حلت في النص ” (11) إلى بذل الجهد لتجاوز المسافة الزمنية عن طريق إسقاط الذات في الماضي بشكل مفرط ، كما آمـــن بذلك Wilhelm Dilthey وغيره ، مادامت العادة والانحياز والتقليد قد جسرت هذه المسافة تجسيرا قبليا . يتوفر التقليد على سلطة يجب أن نخضع لها : هناك إمكانية ضعيفة أمـام التحدي الحاسم لهذه السلطة ، ولا يوجد تخمين بأن تأثيرهـا قد يكون ماشئنـا إلا أن يكون فاضلا . للتقليد ، كما يذهـب إلى ذلك گادامر، “مبرر لا يخضع لحجج العقل” . (12)

وصف كادامر التاريخ مرة بأنه “التخاطب الذي هو نحن” . وترى الهرمينوطيقا أن التاريخ حوار بين الماضي والحاضر والمستقبل ، وهي تسعى بأناة إلى رفع الحواجــز من طريق هذا التواصل المستمر .ولكنها لا تستسيغ فكرة إخفاق التواصل الذي ليس تواصلا عابرا فحسب ، والذي لا يستصوب فقط بمزيد من التأويل النصي الحساس ، بل هو تواصل نسقي نوعا ما : لنقل أنه تواصل متجذر في كل البنيات التواصلية في المجتمع . وبعبارة أخرى ، هي لا تستطيع التصالح مع مشكلة الإيديولوجيا ، أي مع واقع أن “الحوار” اللانهائي في التاريخ البشري ما هو في معظم الأحوال إلا مونولوج بين القوي والضعيف ، وأن أطرافه إن كان بالفعل حوارا – مثال ذلك الرجال والنساء – تحتل مواقع متساوية بالكاد . إنها ترفض الاعتراف بأن الخطاب تقيده باستمرار قوة لا تعرف الرأفة ؛ والخطاب الذي يتجلى فيه إخفاقها البين في الاعتراف بهذا الواقع هو خطابها .

تميل الهرمينوطيقا ، كما رأينا ذلك ، إلى التركيز على أعمال تنتمي إلى الماضي . وتنبثق الأسئلة النظرية التي تطرحهـــا من هذا المنظور . ولا غرابة في ذلك إن أدركنا أن بدايتها متصلة بالمخطوطات ، بل أن لذلك دلالته : فالهرمينوطيقا ترى أن دور النقد هو منح المعنى للأعمال الكلاسيكية . وسيكون من الصعب تصور كادامر وهو يجادل نورمان ميلر Norman Mailer (13م) إلى جانب هذا الإلحاح ذي الطابع التقليدي نجد إلحاحا آخــر في صيغة افتراض مفاده أن الأعمــال الادبية تشكل وحدة “عضوية” . ومن ثم يسعى المنهج الهرمينوطيقي إلى إيجاد مكان لكل عنصر من عناصر النص داخل كل شامل بوساطة عملية تسمى ” الدائرة الهرمينوطيقية ” ، ومعناه أن الخصائص الفردية قابلة للفهم في إطار السياق الشامل ، والسياق الشامل قابل للفهم من خلال الخصائص الفردية . وعلى العموم لا تأخذ الهيرمينوطيقا بعين الاعتبار احتمال أن الأعمال الأبيــة قد تكون مشتتة وناقصة ومتناقضة داخليا ، وذلك رغم تعدد الأسباب الداعيـة إلى افتراض ذلك . (14) من المفيد الإشارة إلى أن هيرش ، رغم نفورة التام من المفاهيم العضويــة الرومانسيــة ، يشاركها الانحياز إلى أن النصوص الأدبيــة مجموع متكامل ، ومن ثم تكمن وحدة العمل في مقصد المؤلف الساري في العمل كله . لا وجود لسبب يحول دون توفــر المؤلف على عدد من المقاصد المتضاربـة ، ولا دون أن يناقض مقصده نفسه نوعا ما ، لكن هيرش لا يأخــذ هذه الاحتمالات بعين الاعتبار .

يسمى أحدث تطور عرفته الهرمينوطيقا في ألمانيا “جماليات التلقي” أو نظرية التلقي” . وعلى خلاف كادامر لا ترتكز هذه الأخيرة على الأعمال المنتمية إلى الماضي ، بل تفحص دور القارئ في الأدب ، وهي بهذا تعتبر تطورا جديدا إلى حد مـا . يمكننا أن نقسم تاريــخ نظريــة الأدب إلى ثلاث مراحل على وجه التقريب : الاهتمام بالمؤلف (الرومانسية ، القرن التاسع عشـر) ؛ فالعناية المخصوصة بالنص (النقد الجديد) ؛ ثم انتقال بؤرة الاهتمام ، بشكل لافت ، إلى القارئ في السنين الأخيرة . وقد كـان القارئ ، على الدوام ، العنصـرالأقل امتيازا في هذا الثلاثي ؛ وهذا أمـــر غريب ، إذ بدون القارئ لن تكون هنـاك نصوص أدبيـــة بالمرة . ذلك أن هذه الأخيــرة لا يتحقق وجودهــا بتوضيبهــا على الرفوف : إنها إجراءات للدلالة تتجسد بممارســة القراءة . إن وجــود القارئ حيوي كما هو حيوي وجــود المؤلف كي يوجد الأدب .

ما الذي يتضمنه فعل القراءة ؟ للإجابة عن هذا السؤال سأستشهــد – بشكل اعتباطي وحرفي تقريبا – بالجملتين الأولتين من إحدى الروايات : “ماذا صنعت أو صنعتما] بالزوج الجديد ؟ ” كانت أسرة هانيمـــا ، بيت وأنجيلا ، عارية ” ( John Updike : couples ) (15م) ما الذي

سنصنعه بهذا ؟ قد نتردد لحظة نظرا لغياب رابط بين الجملتين الى ان ندرك أن ما وظف هنا هو ذلك التقليد الادبي الذي بواسطته يمكن ان ننسب قطعة من الاسلوب المباشرالى شخص ما . و لو أن النص نفسه لم يفعل ذلك بوضوح . و بذلك نستنتج أن احدى الشخصيات ، بيت او أنجيلا هانيما، افتتحت الحديث؛ لكن لماذا نفترض هذا؟ فالجملة الموضوعة بين مزدوجتين قد لا تكون جملة نطقها أحــد ما أصلا : قد تكون فكرة عُبر عنها أو سؤالا طرحه شخص آخـر ، أواستشهادا صدرت به الرواية . وربمـا هو كلام توجه به شخص آخــرإلى ييت أو إنجيلا هانيمـا أو صوتـا مفاجئــا قادمـا من السماء. أمــا الاقتراح الأخيـــرفهو مستحيــــل لأن السؤال ذو طبيعة دارجــة إلى حد ما بالنسبة لصوت صادر من السماء ، ونحن نعرف أن ( Updike) أبدايك ، على العموم ، كاتب واقعي لا يلجأ عادة إلى هذه الأساليب ؛ لكن كاتب النصوص لا يشكل بالضرورة كلا متسقا ، ومن ثم قد يكون من العبث الاستناد إلى هذا الافتراض أكثر من اللازم . وبناء على اعتبارات واقعية لا يمكن أن يطرح هذا السؤال كورال من الأشخاص يرددون بصوت موحد ، ومن غير المحتمل أيضا أن يطرحه شخص آخـــــــر غير يبت أو انجيلا هنيما ؛ وطالما أننا نعرف في اللحظة الموالية أنهما عاريان فربمـــا خمنــا أنهما متزوجان ، ونحن نعرف أن الأزواج الحديثي العهد بالزواج – في ضاحية برمنكهام على الأقل – لا يتعريان أمــام طرف ثالث ، رغم أنهمــا قد يفعلان إن اختليا ببعضهمــــا .

ربما أمكننا ونحن نقرأ الجملتين السالفتين القيام بمجموعة من الاستنباطات ، ومنها مثلا أن الزوج المشار إليه رجل وامرأة ، رغم أن الجملتين لم يتلهما ما يدل على أن الزوج امرأتان أو شبلا نمر. إننا نفترض أن واضع السؤال ، كائنــا من كان ، لا يستطيع تخمين الإجابة ، ومن ثم فلا حاجة إلى وضعه . قد نحسب أن السائل يقدر حكم المخاطب ، رغم أننـا لا نتوفــر حتى الآن على سياق كاف للحكم بأن السؤال ليس لاذعـا أو عنيفا . ونظن أن عبارة “أسرة هانيما” عطف بيان لعبارة “بيت وأنجيلا” للإشارة إلى أن ذاك هولقبهـا ، وهو ما يعد بينة على أنهما متزوجان . ولكننا لا نستطيع استبعاد احتمال وجود مجموعة من الأشخاص يدعون آل هانيما فضلا عن بيت وإنجيلا ؛ أو ربمــا قبيلة من آل هانيمـا ، وأنهم جميعا عراة في بهــو فسيح . على أن واقع اشتراك بيت وأنجيلا في لقب واحــد لا يؤكـد أنهمـا زوجـان : قد يكونان ليبراليـن على نحو خاص ، أو أخوين أو أبـا وبنته أو أمــا وابنها يمارسان زنى المحارم . لقد افترضنــا ، مع ذلك ، أنهمــا عاريـان وجها لوجه ، في حين أننـــا لا نتوفــر على مايدل على أن السؤال لم يصدح به من غرفــة نوم إلى أخــرى أو من كوخ إلى آخـر في شاطئ مـــا . وربمـــا كان بيت أو أنجيلا طفلين صغيرين رغم أن جودة أسلوب السؤال نسبيا تجعل هذا مستحيلا . وسيفترض جل القراء الآن أن بيت وأنجيلا زوجان تعريا معا في غرفة نومهمـا بعد حدث ما – حفل مثلا – حضره زوج آخـر، لكننا لم نخبـر بشيء من هـــذا .

لا غرو أن احتلال هاتين الجملتين صدرالرواية يعني أننا كلما تقدمنا في القراءة وحدنــا إجابات عن هذه التساؤلات . لكن عملية التخمين والاستنباط التي دفعنـا إليهـا جهلنـا ليست هاهنـا إلا مثالا شديد القوة والإثارة عمـا نفعله أثناء القراءة وكلما تقدمنــا في القراءة واجهتنا مشاكل عديدة لن تجد الحل إلا بالقيام بتوقعات إضافية . ستقدم لنا ضروب من الوقائع التي نفرضهـا في هذه الجمل ، لكننا مطالبون بأن نمنحهـا تأويلات قابلة للمساءلة . وهكذا تورطنـا قراءة فاتحة رواية أيدايك في قدر مذهل من العمل المعقد وغير الواعي إلى حد بعيد : إننـا منهكـون على الدوام في إنشاء افتراضات حول معنى النص رغـم أننـا نادرا ما نلاحـــظ ذلك . هذا ويقيم القارئ ترابطات ضمنية تهم العالم عامة والتقاليد الأدبيـة خاصة . النص ذاته ليس – في حقيقة الأمـر- الا مجموعة من “الإشارات” الأولية المرسلة إلى القارئ ، دعوة لإنشاء قطعة لغوية ذات معنى. وفي اصطلاح نظرية التلقي يجعل القارئ العمل الأدبي “مجسدا” ، وليس هذا الأخيـر نفسه سوى سلسلة منظمة من العلامات السوداء على الصفحة . فبدون هذه المساهمة المستمرة والنشيطة من قبل القارئ لن يكون هناك عمل أدبي على الإطلاق . ومهمـا كانت المتانة الظاهرة لأي عمل أدبي فإن نظرية التلقي ترى أنه ، في الحقيقة ، لا يخلو من “فراغات” ، مثلما هي الجداول في الفيزياء الحديثة ؛ مثال ذلك الثغرة بين الجملتين الأوليين من رواية Couplesاللتين على القارئ أن يربط بينهما بوساطة رابط غائب. إن العمل الادبي مليء ” بالعناصر غير المحددة ” ، و هي عناصر يتوقف تأثيرها على تأويل القارئ، وتتعدد وتختلف بل ربما تتضارب طرق تأويلها . وتكمن المفارقة هنـــا في أن العمل الأدبي كلما هيأ معلومات وافرة كان ناقصا . فجملة شكسبيرالآتيــة : “حيزبون منتصف الليل الغامضة” تقيد ، بمعنى ما ، صنف العجائــــز المعنية وتجعلها أشد تحديدا ، ولكن نظرا لأن النعوت الثلاثة شديدة الإيحــاء ، ومن ثم تثيـر استجابات مختلفة لدى القراء فإن النص وهو يسعى إلى أن يكون أشد تحديدا جعل نفسه أقل تحديدا أيضا .

ترى نظرية التلقي أن عملية القراءة عملية دينامية دائمــا ، وحركة معقدة وكاشفة عبر الزمن . أمـا العمل الأدبي نفسه فيوجد باعتباره – كما يسميه المنظر البولوني رومـان رينكاردن – مجموعة من “الخطابات” أو “المؤشرات” العامة يناط بالقارئ تحيينها . ولتحقيق ذلك على القارئ أن ينظرإلى العمل الأدبي من خلال ضروب من “الفهم القبلي” ، ومن خلال سياق معتم من الاعتقادات والتوقعات التي ستقدر في ضوئهـا مختلف خصائص العمل الأدبي. وكلما تقدمنا في القراءة عدل ما نقرأه هذه التوقعات نفسها ، فتشرع الدائــرة الهرمينوطيقية – الانتقال من الجزء إلى الكل ثم من الكل إلى الجزء – في الدوران . أثنـاء بذل القارئ الجهد من أجــل بناء معنى منسجم من خلال النص سينتقي ، “مجسدا “مفردات معينة بطرق معينة ، وسيحاول أن يبقى مختلف المنظورات مجتمعة داخل العمل ، أو ينتقل من منظور إلى آخـرقصد بناء “وهم” “متكامل” . على أن ما سنقرأه في الصفحة الأولى سيخفت ويصبح مقلصا في الذاكرة ، ربما ليقوم ، بشكل حاسم ، بما سنقرأه فيما بعد . ليست القراءة حركة خطية مستقيمة أو مسألة تراكم فحسب : تولد تخميناتنا الأولى إطارا مرجعيا يؤول فيه ما يأتي لاحقا ، لكن ما يلحق قد يغيـر بأثـر رجعي فهمنا السابق مضيئا بعض خصائصه حاجبا أخرى . وكلما تقدمنا في القراءة طرحنـا افتراضات جانبا وراجعنـا قناعات وقمنـا باستنباطات وتوقعات أكثـرتعقيدا ؛ وتفتح كل جملة أفقا يؤكده أو يتحداه أو يلغيه ما يلحق . وتتزامن في قراءتنا عملية الذهاب إلى الأمـام والإياب إلى الخلف ، نتنبأ ونتذكــر، وربما أدركنــا تحققات أخرى ممكنــة للنص ألغتهـا قراءتنـا .بالإضافة إلى هذا ينجز كل هذا النشاط المعقد على مستويات متعددة في نفس الوقت لأن للنص “خلفا” و”أماما” ووجهات نظر سردية وطبقات بدائل معنوية تنتقل بينها باستمرار .

يتحدث وولفكانك آيسرالمنتمي إلى مدرسة كونسطانس لجماليات التلقي ، والذي سبق أن ناقشت نظرياته بتفصيل ، يتحدث في كتابه ( 1978) (فعل القراءة) عن “الاستراتيجيات” التي تستعملها النصوص وعن “ريبيرتورات” التيماءات والإيحاءات المألوفة التي تتضمنها . ولكي نقرأ نحتاج الى تأسيس ألفة مع التقنيات والتقاليد الأدبية التي يستخدمهــــا عمل أدبي معين ، ويجب أن نتوفــر على إدراك ما “لسننه” ، أي القواعد التي تحكم -نسقيا – الطرق التي يسلكها في إنتاج معانيه . أدعوك أن تتذكــر مرة أخرى علامة ميترو الأنفاق التي سبقت لي مناقشتها في مدخل هذا الكتاب : “حمل الكلاب ، في السلم الكهربائي المتحرك ، أمــر واجب” . فمن أجل فهم هذا الإعلان أنـــا في حاجة إلى معالجة تفوق مجرد قراءة كلماته واحدة إثر أخـرى . أنــا في حاجة ، على سبيل المثال ، إلى معرفة أن هذه الكلمات تنتمي إلى ما يمكن أن يسمى “سنن الإحالة” ، أي أن العلامة ليست قطعة لغوية للتزيين وضعت هناك لتسلية المسافرين ، وإنمــــا للتعامل معها باعتبارهــــا علامة محيلة على سلوك كلاب حقيقية ومسافرين حقيقيين في سلم حقيقي . يجب أن أوظف معرفتي الاجتماعية العامة للتعرف على أن العلامة وضعتها السلطات هنـــا ، وأن لهذه السلطات قدرة معاقبة من لم يحترم محتواها ، وأنني معني ضمنيا باعتباري فردا من العموم ، مع العلم أنه لم يرد شيء من هذا في الكلمات ذاتها . وبعبارة أخرى علي أن أعتمد بعض السنن والسياقات الاجتماعية لفهم ذاك الإعلان فهما ملائمـــا . ولكن على أيضا أن أجعل هذه تتفاعل مع بعض سنن أو تقاليد القراءة التي تعلمني أن المقصود ” بالسُّلم” هو هــذا السلم وليس سلما في الباراغواي ، وأن عبارة “يجب أن تحمل” معناها” يجب أن تحمل الآن ، وقس على هذا. كنت أشرت في المدخل إلى أن التباس هذه العلامة “مقصود” في الحقيقة، ويجب أن أعترف الآن بأن “جنس” العلامة يجعل هذا الأمـر ضئيل الاحتمال جدا. على أن التمييز بين السنن “الاجتماعية” وبين السنن “الادبية” هنا ليس من السهولة بمكان : يتوقف تجسيدا “السلم” باعتباره “هذا السلم” وتبني قراءة تقطع دابر الالتباس على شبكة بأكملها من المعرفة الاجتماعية .

لقد فهمت الإعلان عن طريق تأويله باعتبار سنن معينة تبدو ملائمة ؛ أما آيسر فيرى أن ليس هذا هو كل ما يقع أثنـــاء قراءة الأدب. ذلك أنه إن حدث “توافق” تام بين السنن التي تحكم الأعمال الأدبية وبين السنن التي نستعملها لتأويلها فإن الأدب سيغدو غير ملهم كما هو شأن العلامة الآنف ذكرهـا. وفي رأي آيسر( Iser ) إن العمل الأدبي الأكثر حيوية هو ذاك الذي يجعل القارئ يعي سننه وتوقعاته المعتادة وعيا نقديا جديدا. فالعمل الادبي يضع معتقداتنا المضمرة موضع سؤال ويغيرهـا “وينفي” عاداتنا الروتينية المتعلقة بالإدراك . ويجبرنا من ثم على الاعتراف بها لأول مرة كما هي . وبدل الاكتفاء بتقوية إدراكاتنا المعطاة يخرق العمل القيم للأدب هذه الطرق المعيارية للإدراك وينتهكها ، وعلى هذا النحو يعلمنا سننا جديدة للفهم . نلاحظ هنـا توازيا بين ما سلف وبين الشكلانية الروسية : في فعل القراءة تبدل افتراضات العرفية وتجعل موضوعية إلى حد يمكننا من انتقادها ومن ثم مراجعتها . وإذا غيرنا النص بوساطة استراتيجياتنا القرائية فإن هذه الأخيرة تغيرنا بدوها : شأنها شأن الموضوعات في التجارب العلمية ، فقد ترتد “جوابا”عن “أسئلتنا” يصعب التنبؤ به . ويرى آيسر أن عملية القراءة ،في مجملها ، تتمثل في أنهــا تدفعنا إلى وعي ذاتي أعمق ، وتساعدنـا على رؤية أكثــــر نقدية لهويتنـا الخاصــة . والأمـر شبيه بما يلي : إذ كنا نقرأ كتابا لفائدتنـا فنحن نقرأ بالأحرى هويتنا .

تتأسس نظرية التلقي الآيسرسة ، في الواقع ، على إيديولوجية إنسانية ليبرالية تتلخص في أنـنـا ينبغي أن نكون ، أثناء القراءة ، مرنين ومتفتحين ومستعدين لوضع قناعاتنا موضع سؤال وأن نسمح لها بالتغير. يكمن خلف هذا تأثيـر هرمينوطيقا كادامر وثقتها في المعرفة الذاتيــة الغنية الناجمة عن مواجهة ما ليس مألوفا ، لكن إنسانية آيسرالليبرالية ، كما هي حال مثل هذه المذاهب ، أقل ليبرالية مما هي ظاهريا . فقد كتب قائـلا : إن قارئا ذا التزامات إيديولوجية قوية يحتمل أن يكون قارئـا غير كفء لما كان تفتحه على القوة التحويلية للأعمال الأدبية أقل ورودا . مضمن هذا القول هو أنه يجب علينا أولا وقبل كل شيء أن نحرر نوعـــا ما قناعاتنــا من التحيز قصد حدوث التحول بين يدي النص . وينبغي للقارئ الجيد أن يكون ليبراليا سلفـا : ينتج فعل القراءة ذاتا محايدة يفترضها هذا الفعل مسبقا . وبشكل آخر يتضمن هذا الأمر مفارقة : لأننا إن احتفظنـــا سلفا بقناعاتنا ثم عرضناها لسؤال النص وغوايته فهذا أمرلا أهمية له . وبعبارة أخـرى لن يحدث ما هو أكثر من ذلك في الحقيقة، ولن يوبخ القارئ بقسوة بمجرد عودته إلى نفسه ذاتا ليبرالية أشمل. فكل ما يتعلق بالذات القارئـة خاضع للسؤال أثناء القراءة باستثناء ماهية نوع الذات (الليبرالية) : لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ننتفد هذه الحدود الإيديولوجية وإلا انهار النموذج برمته . وبهذا المعنى يغدو تعدد عملية القراءة ولانهائيتها جائزا لأنهما تفترضان مسبقا ضربا معينـــا من الوحدة المغلقة التي لا تبارح مكانها أبدا : وحدة الذات القارئة التي تُخرق وتُنتهك فقط من أجل أن تعود إلى نفسهـا أكثـر امتلاء . وعلى رأي كادامر، نستطيع أن نغزو أرضا أجنبية لأننا دائمـا في أرضنـا بشكل سري. إن نوع القارئ الذي سيؤثـرفيه الأدب تأثيرا عميقا هو ذاك المزود سلفا بالاستجابات والقدرات “الصائبة” والحاذق في إنجاز بعض التقنيات النقدية والتعرف على بعض التقاليد الادبية ؛ غير أن هذا القارئ بالذات هو الغني عن التأثير. ذلك أن مثل هذا القارئ “مغير” منذ البداية ، وهو مستعد لمزيد من التغيــر بسبب هذا الواقع بالذات . ويجب عليك كي تقرأ الأدب “فعليا” أن تنجز مهارات معينة ، مهارات محددة تحديدا إشكاليا ، إلا أن “الأدب” لا يستطيع أن يضع هذه المهارات بالذات موضع سؤال لأن وجوده متعلق بوجودها . إن ما حددته باعتباره عملا “أدبيا ” يرتبط دائمـا ارتباطا قويـــا مع ما تعتبره تقنيات نقدية “ملائمــة” : يمكن أن يعني اصطلاح العمل “الأدبي” – على نحو متفاوت -عملا بإمكان مثل مناهج البحث هذه أن تضيئه إضاءة مفيدة . غير أن الدائرة الهرمينوطيقية في هذه الحالة دائرة آثمــة ، لا فاضلة : ما نستخلصه من العمل يتوقف إلى حد كبير على ما يوجد فيه في المقام الأول ، ولا يبقى للقارئ هنا إلا متسع قليل لأي تحد ” جدري”. يبدو آيسر راغبا في تفادي هذه الدائرة الآثمة عن طريق الإلحاح على قدرة الادب على تحطيم سنن القارئ وإخراجها عن المألوف ؛ إلا أن هذا بدوره يفترض ضمنيا – كما بينت آنفا – نوع القارئ “المعطى” الذي نأمل توليده من خلال القراءة. إن ضيق المسافة بين القارئ وبين العمل الأدبي يعكس ضيق مؤسسة الأدب الأكاديمية التي تري أن بعض أنواع النصوص والقراء هو المقبول .

يرفد – خفية – مذهبا الذات الموحدة والنص المغلق اللانهاية المفتوحة البادية لقدرمهم من نظرية التلقي. يسلم رومان انكاردن في كتابه (1931) The Literry word of the art ، بطريقة دوغمائية ، بأن الأعمال الادبية تشكل كلا عضويا ، وأن المهمة التي يقوم بها القارئ لملء “فراغاتها” تعتبر تكميلا لهذا التناغم . يجب على القارئ أن يربط بين مختلف مقاطع وطبقات العمل الأدبي بطريقة ملائمة شبيهة . إلى حد ما ، بالطريقة المعتمدة في تلوين كتب الأطفال المرسومة وفق توجيهات واضحة . ويرى انكاردن أن النص مزود سلفا بعناصر تفتقر الى التحديد ، وعلى القارئ أن يلحمه ” بشكل صائب” .يحد هذا ، بالأحرى من حيوية ونشاط القارئ ويختزله إلى حرفي أدبي يضيع وقته في ملء الثغرات المتبقية . ويعد آيسرمشغلا ليبراليا يمنح القارئ شراكة أوسع في النص : فمختلف القراء أحرار في تحيين العمل الأدبي بطرق مختلفة ، ولا يوجد تأويل وحيد يستنفد الطاقة الدلالية للنص . لكن هذا الكرم يقيده توجيه صارم هوالآتي : يجب على القارئ أن يبني النص بشكل يجعله متسقا داخليا .وهكذا يبدو نموذج آيسر في القراءة نموذجا وظيفيا بالدرجة الأولى : يجب أن تجعل الأجزاء متلائمة مع الكل بشكل منسجم . وفي الواقع يكمن خلف هذا الحكم المسبق الاعتباطي تأثير سيكولوجيا الجشطالت المتجلية في انشغالها بإدماج الإدراكات الجزئية في كل قابل للفهم . صحيح أن هذا الحكم المسبق متجذر في النقد الحديث حتى أنه يصعب النظر إليه باعتباره حكما مسبقا فحسب ، أي ميلا مذهبيا لا تقل قابليته للبرهنة والمجادلة عن أي ميل آخـر. ولا توجد على الإطلاق حاجة لافتراض أن الأعمــال الأدبيــة تشكل أو ينبغي أن تشكل كلا متجانسا ، وأن الاضطرابات والاصطدامات المعنوية المكشوفة يجب أن “يعالجها” النقد الأدبي بلطف لحملها على أن تكون كذلك . ويرى آيسر أن آراء إنكاردن في النص ” عضوانية” الى حد بعيد ، وأنه يقدرالأعمال الحديثة المختلفة لأنها تقوي وعينا الذاتي بمجهود تأويلها . لكن ينبغي في الوقت نفسه أن يلغى “انفتاح” النص تدريجيا بمجرد وصول القارئ إلى بناء افتراض عملي يمكن أن يفسر أكبر عدد من عناصر العمل ويجعلها منسجمة بشكل متبادل .

تحثنا العناصر المفتقرة إلى التحديد في النص على فعل تدميرها لتعويضها بمعنى قار، وبتعبيرآيسر ذي الطابع السلطوي الواضح : يجب أن تستوي تلك العناصر ، أي أن تروض وتخضع لبنية معنى صارمة ويبدو كما لو أن القارئ يقاتل النص بموازاة انكبابه على عملية تأويله ، ويصارع من أجل شبك إمكانياته “الدلالية المتعددة” الفوضوية داخل إطار مرن . كما أن آيسر يتحدث دونما حرج عن “اختزال ” هذه الإمكانيات الدلالية إلى ضرب من النظام ، وهي لعمري طريقة غريبة في اعتقادي هذه التي يتحدث بها ناقدا “يؤمن بالتعدد” . وما لم يتم ذلك فإن الذات القارئة الموحدة معرضة للخطر وعاجزة عن العودة إلى نفس ككيان متزن في “التصويب الذاتي” للقراءة العلاجية.

من المفيد دائمــا اختيارنظرية أدبية بالسؤال الآتي : كيف سيكون تعاملها مع رواية جيمس جويس Finnegans wake؟ والجواب في حالة آيسرهو : لن تعامل تعاملا جيدا . والحق أنه يتعامل مع روايةUlysses لجويس مطابقة لهذا النموذج . يذهب آيسرإلى أن الأدب الجيد يشوش السنن المتلقاة ويخرقها ، فهل ينطبق هذا على القراء المعاصرين لأعمال هوميروس ودانتي وسبنسر؟ أليس هذا رأيا نموذجيا لليبرالي أو أوروبي معاصر يعتقد أن “لأنساق الفكـر” وقعا سلبيا لا إيجابيا ، والذي سيتجه نظره من ثم صوب نوع الفن الذي سيقوضها؟ الم يؤكد قدر كبيرمن الأدب “الجيد” السنن المتلقاة لعصره بدل التشكيك فيها ؟ إن حصر قوة الفن في ما هو سلبي – في الخرق والخروج عن المألوف – يضمر لدى الشكلانيين وآيسر موقفا محددا من الأنظمــة الاجتماعية والثقافيــة لعصرمن العصور : موقف يعتبر في عرف الليبرالية الحديثة تشكيكا في الأنساق الفكرية باعتبارها ذاك . إن تصرفها هذا شهادة بليغة على غفلة ليبرالية عن نسق فكري بعينه : ذاك الذي يدعم وضعيتها الخاصة .

قصد إدراك حدود الإنسانية اللبرالية الآيسرية يمكن أن نقارن موجزين بينه وبين منظرآخــر للتلقي هو الناقد الفرنسي رولان بارت . تختلف مقاربة بارت”لذة النص” (1973) اختلافا شديدا عن مقاربة آيسر، وهو اختلاف – بتعبير جاهــز- بين فرنسي لذوي وبين الماني عقلاني. فبينما يركزآيسر على العمل الواقعي ، يقدم بارت تفسيرا مفارقا وحادا للقراءة بمعالجة نص حداثي يذيب المعاني المختلفة في لعب حربالكلمات ، ويسعى إلى إبطال الأنساق الفكرية القمعية بوساطة انسلال وانزلاق لغوي مستمر. فمثل هذا النص يتطلب “الإروتيك” أكثر مما يتطلب “الهرمينوتيك” . ولما كانت طريقة حصره في معنى محدد منعدمة فإن القارئ يتمتع – ببساطة – بالانسياب اليرابي المغري للعلامات ، وباللمحات المثيرة للمعاني التي تظهـــر لتختفي من جديد . إن القارئ وهو مشدود إلى هذا الرقص اللغوي الغني ، ومتلذذ بنسيج الكلمات ذاتها يجهل أو يكاد المتع الرامية إلى بناء نظام منسجم وربط العناصر النصية فيما بينها لإقامة ذات موحدة أكثر مما يجهل النشوة المازوشية للإحساس بهذه الذات محطمة ومشتتة عبر الخيوط المتشابكة للعمل نفسه . تشبه القراءة في هذه الحالة مخدعا أكثـــر مما تشبه مختبرا . ويعمد النص الحداثي – بدل إرجاع القارئ الى رشده في استرجاع أخير للذات التي وضعها فعل القارءة موضع سؤال – إلى تفجير هويته (أو هويتنا) الثقافية الآمنة في نشوة يعتبرها بارت بهجة قرائية ونشوة جنسية أيضـــا .

لا تخلو نظرية بارت ، كما لا يخفى على القارئ ، من مشاكل . فهناك شيء ما مزعج في مذهب اللذة الطليعي المسرف في اللذات في العالم يفتقر فيه أناس آخرون لا إلى الكتاب فحسب بل إلى الغذاء أيضا . وإذا كان آيسر يقدم لنـا نموذجا “معياريا” يكبح جماح الإمكانات اللانهائية للغة فإن بارت يقدم لنا تجربة خاصة – تتسم بأنها غير اجتماعية وفوضوية أساسا – ماهي في نهاية المطاف سوى قفا السالفة . يظهـــر كلا الناقدين نفورا من التفكيـــر المنهجي ، ويتجاهل كلاهما بطرقه الخاصة موقع القارئ في التاريخ ، لأن القراء ،وهم يواجهون النصوص،لا ينطلقون من الفراغ طبعا : كل القراء يتموقعون اجتماعيا وتاريخيا ، ومن ثم فإن هـذا الواقع يصوغ ، بعمق ، طريقة تأويلهم للأعمال الأدبية. ويعتبـرآيسرعلى وعي بالبعد الاجتماعي للقراءة ، إلا أنه يختارالتركيز بشدة على مظاهرهــا الجمالية ؛ على أن أحد الأعضـاء البارزيـن تاريخيا في مدرسة كونسطانس هوروبرت ياوس الذي يسعى في إطارالموضة الكادامرية إلى موضعة العمل الأدبي في “أفقه” التاريخي وفي سياق المعاني الثقافية التي أنتج فيها ، ثم بعدها يستكشف العلاقات المتغيرة بين هذا وبين الآفاق المتغيرة لقرائه التاريخيين . والغاية من هذا العمل هي إنتاج ضرب جديد من تاريخ الأدب ، تاريخ يركــز على المؤلفين والمؤثرات والاتجاهات الأدبيــــة وكذا على الأدب كما حددته وأولته لحظات تلقيه التاريخية المختلفة .

هناك دراسة تاريخية للتلقي الأدبي تمتاز بالتفصيل يمثلها مؤلف جان بول سارتر”ما هو الأدب” ؟ (1948) . ولعل ما يوضحه كتاب سارترهو أن تلقي عمل ما ليس واقعا “خارجيا” عن الأدب ، أو مسألة عرضية من مراجعات الكتب ومبيعات المكتبات ، بل هو بعد مكون للعمل نفسه . فكل نص أدبي يشيد من معنى جمهوره المفترض ، ويتضمن صورة عمن كتب من أجله : ما من عمل إلا ويعقد في داخله ما يسميه آيسر “قارئا ضمنيا” ويحضن في كل إيماءة من إيماءاته نوع “متلقيه” المتوقعين . ويعد الاستهلاك في الأدب ، كما هو شأن أنواع الانتاج الأخرى ، جزءا من عملية الإنتاج نفسها ؛ فلو أن رواية تصدرتها جملة من قبيل “ترنح جاك خارج الحانة وقد احمر أنفه” فإنها تتضمن مسبقا قارئـا يفهــــم اللغة الانجليزية المتقدمة إلى حد مـا ، ويعرف ما تكون الحانة ، ويتوفـر على معرفة ثقافية بالعلاقة بين الكحول واحمرارالوجه . ليس معنى هذا أن الكاتب “يفتقرإلى جمهور” ، فاللغة التي يستعملها تتضمن سلفا ضربــا من الجمهور وتقصى ضربـا آخـر، وهذا الأمـرليس فيه للكاتب اختيار كبير. وقد لا يشغل الكاتب باله بنوع محدد من القراء بالمرة ، وقد يكون غيــر مبال تماما بمن يقرأ عمله ، لكن قارئا معينا متضمن سلفا في فعل الكتابة نفسه كبنية داخلية في النص. بل إن أقوالي ، وأنـــا أخاطب نفسي، لن تعتبر أقوالا ما لم تتوقع مستمعا مفترضا غيري . وهكذا بدأت دراسة سارتر بطرح السؤال : “لمن نكتب؟ ” من منظور تاريخي ، لا من منظور”وجودي”. إنها ترسم قدر الكاتب الفرنسي بدءا من القرن السابع عشر حيث يشير الأسلوب “الكلاسيكي ” إلى عقد مشترك أو إطار مشترك من التوقعات بين المؤلف وبين الجمهور حتى الوعي الذاتي الفطري لأدب القرن التاسع عشر الموجه إلى برجوازية يزدريها . وتنتهي الدراسة بمفارقة الكاتب المعاصر”الملتزم” الذي يوجه عمله لا إلى البرجوازية ولا إلى الطبقة العاملة ولا إلى أسطورة “الإنسان عامة” .

يبدو أن نظرية التلقي لدى آيسر وياوس تثيــر مشكلة ابستمولوجية ملحة . فإذا اعتبرنا النص في ذاته هيكلا عظميا ، “مجموعة من الخطاطات ” التي تنتظر التحقق بطرق متعددة من قبل قراء متعددين فكيف يمكن مناقشة هذه الخطاطات قبل تحققها ؟ حين نتحدث عن النص في ذاته مقدرينه معيارا مقابل تأويلاته الخاصة فهل يتعامل المرء مع شيء آخــر سوى تحققه هو ؟ هل يدعي الناقد معرفة إلاهية “بالنص في ذاته” ، معرفة منكرة على القارئ البسيط الذي عليه أن يتصرف حتما مع بنائه الجزئي الخاص للنص ؟ وبتعبير آخـر ، تعد هذه صيغة أخـرى للمشكل القديـم : كيف يمكن للمرء أن يعرف أن المصباح الداخلي للثلاجة منطفئ والحال أن بابها مغلق ؟ يأخـــذ رومان إنكاردن هذه المسألة بعين الاعتبارلكنه لا يستطيع أن يقدم لها حلا كافيا ، هذا بينما يمنح آيسر للقارئ حرية معتدلة ، لكننا لسنا أحرارا نؤول كما نشاء . فلكي يكون تأويل ما تأويلا لهذا النص لا لغيره يجب أن يكون – على نحو ما – مقيدا منطقيا بالنص نفسه . وبعبارة أخرى ، يمارس العمل الأدبي قدرا من التقييد على استجابات القراء وإلا فإن النقد سيقع في فوضى عارمة . وبناء عليه لن تكون رواية ديكنز] Bleak Houseشيئا آخــر سوى ملايين القراءات المختلفة والمتناقضة ، في غالب الأحيان ، للرواية التي انتهى القراء من قراءتها ، وسينهار النص نفسه ككائن مجهول وغريب . ماذا لو أن العمل الأدبي ليس بنية محددة تتضمن عناصر معينة تفتقر إلى التحديد ، بل لو كان كل شيء في النص مفتقر إلى التحديد فعلى أي أساس سيختار القارئ بناءه ؟ فبأي معنى إذن يمكن الحديث عن تأويل “نفس” العمـل ؟

لا يرى كل منظري التلقي في هذا الأمـــر ما يدعو إلى الانزعاج . فالناقد الأمريكي Stanley Fish سعيد بقبول ما يأتي : حين يتعامل المرء بجد مع هذا الأمـرسيكتشف أن ليس هناك في حلقة الدرس عمل أدبي”موضوعي” بالمرة . وعلى هذا النحو تعد رواية ديكنزBleak House بالذات صيغا متعددة للرواية المبدعة أو التي ستبدع ؛ أما الكاتب الحقيقي فهو القارئ ولأن القراء متذمرون من المنزلة التي جعلهم آيسر بوساطتها شركاء في الورشة الأدبية فقد طردوا الباطرونا الآن واستحوذواعلى السلطة . ويذهب الناقد فيش إلى أن القراءة لا تتعلق باكتشاف ما يعنيه النص ، وإنمـــا هي إجراء لاختيارما يصنعه النص بالقارئ. هذا ويعد تصوره للغة ذرائعيا: قد يولد لدينا الارتكاس اللغوي ، على سبيل المثال ، إحساسا بالمفاجأة والضياع ، وعليه فالنقد الأدبي ليس إلا تفسيرا لاستجابات القراء أمــام تتابع الكلمات على الصفحة . ومع ذلك فإن ما يصنعه النص هو فعلا مسألة تتعلق بما نصنعه به ، أي مسألة تأويل ، ومن ثم يكون موضوع العناية النقدية هو بنية تجربة القارئ ، لا بنية “موضوعية” توجد في العمل نفسه . ويعتبر كل شيء في النص نحوه ومعانيه ووحداته الشكلية من إنتاج التأويل ، وليس معطى “واقعيا” بأي نحو من الأنحاء : يثيرهذا الأمر سؤالا محيرا : ما معنى كون فيش مقتنعا بأنه يؤول حين يقرأ . أما جوابه الساذج فهو : لا أعرف ، بل يعتقد أن ليس هناك من يعرف .

لقد اهتم فيش بالتحذيرمن الفوضى الهرمينوطيقية التي يبدو أن نظريته تؤدي إليها . ولكي يتلافى تبديد النص إلى ألف قراءة متنافسة يلتمس “استراتيجيات تأويلية” معينة مشتركة بين القراء ستحكم استجاباتهم الفردية . ولن تتم اية استجابة قرائية قديمة : القراء المعنيون معلمون أو ليسوا غرباء “، فهم قراء تلقوا تعليمهم في المؤسسات الأكاديمية حيث لا يتوقع من ثم أن تكون استجاباتهم شديدة الاختلاف فيما بينها مما يحبط كل جدال معقول . ومع ذلك يلح فيش على أن العمل الأدبي لا يوجد “فيه” كل شيء، أي أن الفكرة الذاهبة إلى أن المعنى “يلازم” لغة النص بشكل من الأشكال وينتظر من القارئ أن يحققه مجرد وهم موضوعاني . ويرى فيش أن وولفكانك آيسر كان ضحية هذا الوهـــم .

إن الخلاف بين فيش وبين آيسر خلاف لفظي إلى حد ما ؛ ففيش محق في اداعائه بأن ليس في الأدب أو في العالم شيء “معطى” أو” محدد”،ان كان يقصد بذلك “غير مؤول” . لا توجد وقائع ” خالصة ” مستقلة عن المعاني الانسانية ، و لا وجود لوقائع نجهل عنها كل شيء . لكن ليس هذا هو ما تعنيه – بالضرورة او بحكم العادة – كلمة ” معطى ” : قليل هم فلاسفة العلم الذين قد ينكرون اليوم أن المعطيات المختبرية من إنتاج التأويل، أي أنها ليست تأويلا بالمعنى الذي تعتبر به نظرية التطور الداروينية تأويلا . هناك فرق بين الفرضيات العلمية وبين المعطيات العلمية رغم أن كلا منها يعد – بدون أدنى شك – “تأويلات” ، والمؤكد أن الهوة السحيقة التي تخيلها فلاسفة العلم بين هذه وتلك ليست إلا وهمـا (16) . قد تكون محقا وأنت تذهب إلى أن إدراك إحدى عشرة علامة سوداء “عندليبا” يعد تأويلا ، أو أن إدراك شيء ما باعتباره أسود أو أحــد عشر أو كلمة يعد تأويلا ؛ لكنك إن قرأت – في ظروف معينة – هذه العلامات على أساس أنها تعنى “قميص نوم نسائي ” فأنت مخطئ . يعتبر التأويل الذي يحتمل أن يحظى بموافقة الجميع طريقة لتحديد واقعة ما . بيد أنه من الصعب البرهنة على أن التأويلات المنجزة لقصيدة كيتس الموسومة ” Ode to Nightingale ” تأويلات خاطئة . إلا أن التأويل بهذا المعنى الثاني الواسع يتعارض عادة مع ما يسمى في فلسفة العلوم ” افتقار النظرية إلى التحديد” ، ومعناه أن مجموعة من المعطيات يمكن أن تفسرها عدة نظريات عوض نظرية واحدة . ويبدو أن الأمــر على خلاف هذا فيما يخص تقرير ما إذا كانت العلامات الإحدى عشر التي سلفت الإشارة إليها تكون كلمة “العندليب” أم “قميص نوم نسائي” .

إن واقع كون هذه العلامات تعين ضربا بعينه من الطيور هو مجرد اعتباط ومسألة عرف لغوي وتاريخي . فلو أن اللغة الانجليزية تطورت بشكل مغاير لما عينت تلك العلامات ذلك ، وربمــا توجد لغة أجهلها تعين فيها تلك العلامات “الثنائية” . وقد توجد ثقافة لا تدرك هذه العلامات باعتبارها آثارا بالمرة، علامات بمعنانا نحن، وإنمـا تدركهـا باعتبارهـا بقعا سوداء تلازم الورقة البيضاء التي ظهرت بطريقة مــا . وقد يكـــون لهذه الثقافة نظام عدِّ مغاير لنظامنا نحن بحيث تعد العلامات ثلاثة يضاف إليها عدد غير محدود بدل أحــد عشر. وقد لا تميــز تلك الثقافة بين طريقة كتابه “عندليب” و” قميص نوم نسائي . و بناء عليه لا يوجد في اللغة شيء الهي معطى او ثابت لا يتغير ، مثال ذلك أن الكلمة الانجليزية ” عندليب ” كانت لها فيما مضى معان أكثر مما قد يقترح المرء في عصره . غير أن تأويل هذه العلامات مسألة مقيدة لأن العلامات يستعملها الناس – في غالب الأحيان – في ممارستهم الاجتماعية للتواصل بطرق معينة ، وهذه الاستعمالات الاجتماعية العملية هي المعاني المختلفة للكلمة . وحين أحدد الكلمة في نص أدبي فإن هذه الممارسات الاجتماعية لا تستبعد قط . فقد أشعر – بعد قراءة العمل- أن الكلمة تعني الآن شيئا آخـر مختلفا بحيث تعني “الثنائية” بدل ضرب من الطير ، وذلك بسبب تغيرسياق المعاني الذي أدرجت فيه . بل إن تحديد الكلمة يتطلب – في المقام الأول – تكوين فكرة عن ماهية استعمالاتها الاجتماعية العملية .

إن ادعاءنــا القدرة على جعل نص أدبي يعني ما نريد ادعاء مستساغ نوعا ما ، إذ ما الذي سيمنعنا من ذلك في نهاية المطاف ؟ ولا نرى أية مبالغة في قولنا أن لا حد لعدد السياقات التي يمكن أن تبتدع للكلمات الواردة في النص كي نجعلها تعني أشياء مختلفة . وبعبارة أخرى تعد هذه الفكرة مجرد ولادة فنطازية في أذهـان من قضوا وقتا طويلا في المدارس . ولكي تنتمي هذه النصوص إلى اللغة ككل ، ولكي تكون لها علاقات معقدة مع ممارسات أخرى غير لغوية ، عليها مع ذلك أن تخرقها وتحطمها أيضا ؛ على أن اللغة ليست ، في الواقع ، شيئا لنا مطلق الحرية في أن نفعل به ما نشاء. إن لم أكن قادرا على قراءة كلمة “عندليب” دون تخيل مقدارالبهجة الناجمة عن الانسحاب من الحاضرة نحو عزاء الطبيعة فإن للكلمة في نظري سلطة معينة أولها علي سلطة لا تتبخر بشكل سحري عند مصادفتها في قصيدة مـا. هذا جزء ممــا نعنيـه بقولنا إن العمل الأدبي يقيد تأويلاتنا له، أو أن معناه “يلازمه” إلى حد ما . إن اللغة حقل للقوى الاجتماعية التي تشكلنا حتى جذورنــــا، ومن ثم يعد النظـــر إلى العمل الأدبي ميدانا لعدد لا ينتهي من الإمكانات المنفلتة من تلك القوى يعد وهمــا أكاديميا .

ليس تأويل قصيدة ما – بتاتا – أكثر حرية من تأويل إعلان معلق في نفق من أنفاق لندن . صحيح أن الإعلان أكثر حرية من حيث التأويــل لأن اللغة ، في هذه الحالة، جزء من مقام عملي ينحو نحو تنحية قراءات معينة للنص وإضفاء الشرعيــة على أخرى. وكما رأينا سابقا ليس هذا قيدا مطلقا، إلا أنه قيد مهم . وهنـاك في حالة الأعمال الأدبية أيضا مقام يستبعد قراءات معينة ويفسح المجال أمـام أخرى معروفة ومعلومة . إن المؤسسة الأكاديمية وريبتوار الطرق الاجتماعية المضفاة عليها الشرعية لقراءة الأعمـال الأدبيــة هي التي تشتغل قيدا . على أن طرق القراءة المسموح بها هذه ليست “عادية” طبعا ، ولا أكاديمية فحسب ، بل هي مرتبطة بأشكال التقويم والتأويل المهيمنة في مجتمع ككل. وهي تمارس تأثيـرهـا سواء كنت بصدد قراءة رواية شعبيـة في القطارأم كنت تقرأ قصيدة في صف دراسي جامعي. ولكن قراءة الرواية يظل مختلفا عن قراءة علامة من علامات الطريق لأن القارئ ليس مزودا بسياق يجعل اللغة مفهومة ؛ فالرواية المصدرة بالجملة الآتيــة “كان لوك يجري قدر الإمكان ” تقول للقارئ ضمنيا : “أدعوك إلى تخيل سياق يكون فيه لعبارة كان لوك يجري ليبتعد قدر الإمكـان ” معنى ” . (17) وستنشئ الرواية هذا السياق تدريجيا ، أوإن شئت سينشئه قارئ الرواية تدريجيا . لا يتعلق الأمــرهنـا أيضا بحرية تأويلية كاملة: لما كنت متكلما الغة الإنجليزية فإن الاستعمالات الاجتماعية لكلمات من قبيل “يجري” تحكم بحثي عن سياقات مناسبة للمعنى . لكنني لست مقيدا إلى ذلك الحد الذي يجعلني “أفقد الحيوية” ؛ وهذا سبب من الأسباب التي تجعل الناس يختلفون حول معنى اللغة التي يعالجونها بطريقة أدبية ” .

لقد بدأت هذا الكتاب بتحدي الفكرة الذاهبة إلى أن الأدب شيء لا يقبل التغيير. وذهبت أيضا إلى أن القيم الأدبية أقل أمــانـا مما قد يظنه الناس أحيانا . الخطوة الأولى التي يمكن الانطلاق منها لإعطائه معنى قارا تتعلق بمقصد المؤلف ، وقد رأينــا بعض المشاكل التي تعترض هذا التكتيك أثناء مناقشة آراء هيرش . والخطوة الأخرى تتمثل في دعوة فيش إلى “استراتيجية تأويلية” مشتركة ، وهي ضرب من القدرة المشتركة المفترض وجودها لدى القراء ؛ الأكاديميون منهم على الأقل . والفكرة الذاهبة إلى وجــود مؤسسة أكاديمية تحدد بالقوة القراءات المسموح بها فكرة صحيحة ؛ وتتضمن “المؤسسة الأدبية” الناشرين والكتاب ومراجعي الأدب والأكاديميين. لكن قد يحدث صراع بين التأويلات داخل هذه المؤسة. وهو أمـــر لا يأخذه فيش بعين الاعتبار؛ خلا أنه صراع لا يدور بين قراءات متعددة لهولدرلين، بل حول مقولات وتقاليد واستراتيجيات التأويل نفسه . وقليل هم الأساتذة والمراجعون المحتمل أن يهاجموا تفسيرا لهولدرلين لأنه يختلف عن تفسيرهم ، بل الأحــرى أن معظمهم قد يهاجم هذا التفسير لأنه يبدو في نظرهم “غير أدبي” . أي لأنه يخرق الحدود والإجراءات الأدبية المتعارف عليها في النقد الأدبي ” . لا يمكن للنقد الأدبي عادة أن يملي قراءة بعينها مادام” نقد أدبيا” ؛ وما يعد نقدا أدبيا تحدده المؤسسة الأدبية . وعلى هذا النحو تتغاضى ليبرالية المؤسسة الأدبية – على غرار مؤسسة آيسر الأدبية – عامة عن حدودها المكونة لهــا .

من المحتمل أن ينزعج بعض طلاب الأدب ونقاده لو قلنا ليس للنص الأدبي معنى وحيد ؛صحيح” ، لكن ربما لن يفعلوا ذلك لو قلنا العكس ، أي له معان كثيرة “صحيحة” . ومن المرجح أن يلتزموا بفكرة أن المعاني لا تكمن في النص، كما هي أضراس العقل في اللثة تنتظر بأناة أن تنتزع، وإنما المسألة أن للقارئ دورا حيويا في هذه العملية . وفضلا عن ذلك لن ينزعج الناس اليوم من الفكرة القائلة بأن القارئ لا يواجه النص وهو بكر ثقافيا ، وحر طليق من العقد الاجتماعية والأدبية المسبقة، وروح غير مبالية بالسمو ، أو صفحة بيضاء يخط عليها النص خطوطه . ويعترف معظمنا بأنه لا توجد قراءة بريئة أو خالية من الافتراضات المسبقة . لكن قليل هم من يتابعون الاستلزامات الكاملة لهذه الخطيئة القرائية. ويعد هذا أحد موضوعات كتابنا هذا ، أي أنه لا وجود لشيء اسمه استجابة “أدبية” خالصة : كل هذه الاستجابات بدون استثناء ، بما فيها تلك المتصلة بالشكل الأدبي وبمظاهـــر عمل ما مخصصة بغيـرة “للبعد الجمالي” ، كلها موشوقة بعمق بواسطة الأفراد الاجتماعيين والتاريخيين الذين هم نحن . في مختلف التفسيرات التي قدمتها لنظريات الأدب حاولت إبراز أن هنـاك دائمــا قدرا كبيرا من الرهان يتجاوز الآراء الأدبية إلى شيء آخـر ، أي إلى أن صياغة ودعم مثل هذه النظريات كلها يعتبر قراءات محددة للواقع الاجتماعي ، بشكل متفاوت . هــــذه القراءات هي المذنبة – بمعنى حقيقي – بدءا من محاولات ماتيو أرنولد (18م) السيطرة من أجل تهدئـــــــــة الطبقة العاملة وانتهاء بالنازية الهيدجرية. إن القطع مع المؤسسة الأدبية لا يعني إيجاد تفسيرات مختلفة لبيكيت ، بل يعني القطع مع الطرق التي يحدد بها الأدب والنقد الأدبي والقيم الاجتماعية المساندة لهــــا .

ترجمة محمد الخطابي

كلية الاداب اگادير

—————————————————-

الهوامـــــــــــــــــش :

ü الفصل الثاني من كتاب : Literary Theory .An introduction,Black Well,1983

ملحوظة : الأرقام المصحوبة بالحرف (م = المترجم) من عندنا ، وغير المصحوبة بها هي الأصلية .

(1م ) = هو Frank Raymond Leavis ( 1895 – 1978) . ناقد أدب انجليزي أحدث نقلة نوعية في معالجة النصوص الأدبية . درس في كلية إمنويل في كامبردج بدءا من 1925 . وفي سنة 1936 غدا محاضرا في دوانننيغ كوليدج . تقاعد سنة 1962 ، واستمر أستاذا زائرا في عدد من الجامعات الانجليزية . أسس هو وزوجته “كوين دوروثي روث” فصلية متخصصة في النقد الأدبي واستمر صدورها إلى غاية 1953 . ناقد يعبر عن آرائه بكل ما يتطلبه الأمــــر من جرأة وحدة . كان يؤمن بأن الأدب ينبغي أن يكون وثيق الصلة مع نقد الحياة ، وأن من واجب ناقد الأدب أن يقوم الأعمال وفق الموقف الأخلاقي للمؤلف . تأثــــــر بإليوت ، وكرس جهده للشعر الانجليزي دراسة وتحصيلا . كان مناوئا للنقد الأدبي الماركسي . وفي الأربعينات انتقل اهتمامه النقدي إلى الرواية . مؤلفاته الأساسية :

– New Bearings in English Poetry ( 1932 )

– The Great Tradition ( 1948)

(2م ) . هـوFrancis Herbert Bradley (1846 – 1924) . ناقد أدب انجليزي . تابع دراسته في اكسفورد والتحق بها محاضرا متفرغا نظرا لمرض ألم به . كان يقدر هيغل . هاجم المذهب النفعي والنزعة التجريبية الوضعية بعنف . من مؤلفاته :

-Appearance and Reality ( 1893)

-Ethical Studies ( 1876 )

– Essays on Truth and Reality ( 1914 )

(3) ومع ذلك يوجد فرق هنــــا : تمنى هوسرل عزل العلاقة “الخالصة” واضعا بين قوسين خصائصها الصوتية والكتابية، وبالذات تلك هي الصفات المادية التي ركـــز عليها الشكلانيون .

(4) The Idea of phenomenology , the Hague , 1964 , p 31

(5) انظر . ( Evanston,III,1973 )Jacques Derrida, Speechand Phenomena

(6م) Black Forest منطقة جبلية غابوية في الجنوب الغربي من ألمانيا الفيدرالية سابقا . هي منبع نهري الدانوب ونيكار . تخترقها وديان وواحات وغابات كثيفة أهم مدنها “فريبورغ” – وفي ناحية هذه الأخيرة مسقط رأس هايدجـــر ، وفيها تلقى تعليمه الجامعي ، ثم عمل فيها بعد ذلك – و “اوفينبورغ” و راسطاط” …الخ .

(7م) Geschichte كلمة ألمانية تعني : التاريخ ، الرواية ، الحكاية .

(8) انظر (1969 ، Evanston III ) Richard E. Palmer , Hermeneutics هناك أعمال أخرى تندرج في إطار الفينومينولوجيا الهرمينوطيقية منها جان بول سارتر : (1956 ،newyork ) Being and Nothingness ، وموس مارلـــــو بونتــــي : Phenomenology of Reception (london , 1962) ، وبول ريكور :

Freud and Phenomenology (New Heven . Conn and , London , 1970)

و .Hermeneutics and the Human scinces (Cambrielger 1981)

(9م) شخصية مسرحية تمثل ملكة الدانمارك في مسرحية “هامليت” لشكسبير وهي زوجة الملك المقتول أب “هاملت” .

(10م) “Humpty Dumpty” شخصية محورية في رواية “آليس في بلاد العجائب” ، وهي رواية للأطفال ألفها رجل المنطق والرياضيات وفن التصوير والروائي الانجليزي Carrol lewisوهو الاسم المستعار ل Charles Lutwidge Dadgson ( 1832 – 1898) وعنوان الرواية الانجليزية هو (1865) .Alice’s Adventures in Wanderland

(11) Wahrheit und methode (tubinge, 1960), p . 291

(12) مقتطف من Frank Lentricchia After the New Criticism (Chicago 1978) p. 153

(13م) هو Norman Mailler ( 1923 – ؟) أديب وصحافي أمريكي طور شكلا جديدا من الكتابة الصحافية بين الأحداث الواقعية والتعقيد الخيالي والغنى الذاتي للرواية . ركز في عمله الصحافي على انتقاد الاستبداد المتجلي في مركزية السلطة في أمريكـــــــــا القرن العشرين . تابع دراسته الجامعية في هارفرد ومنها تخرج . التحق دارسا بجامعة السوربون في باريس فكتب روايته المشهورة The Naked and the Dead (1948) واعتبرت إحدى اهم وأفضل الروايات الامريكية الناتجة عن الحرب العالمية الثانية . في سنة 1959 صدر كتابه Advertissements for myself ، وهو مجموعة من القصص غير المنتهية ، وأجزاء من روايات ومقالات ومراجعات وملاحظات وأفكار روائية . لقي كتابه هذا ترحيبا لدى جيل شاب يبحث عن أساليب حياتية وفنية بديلة . لكن غروره أثـار عليه عداوة النقاد والقراء . بل لقد أدت به بعـــض أعمالــــه إلى السجـــن بتهمــــــــة التحريــــــــض على العصيـــــان ، ومنهــــا

(1968) The Armies of the Night

(14) انظر Pierre Macherey . A Theory of Literary Production والقســـــــــم الأول خاصة (London, 1978 )

(15م) هو John Updike -1923)؟) روائي وقصاص وشاعر أمريكي . استثمـــر تجاربه وملاحظاته الشخصية في رواياته . من أعماله الروائيــة :

(1959) – Couples (1968) ; The poor House Fair

ومن مجموعاته القصصية : – the Same Door (1959)

-The Music School 1966 – ومن دواوينه الشعرية :- The Carpentered Hen and Other Creatures (1958)

– Tossing and Turning (1977) . (16) انظر :Mary hess, Revolutions and Reconsctruction in the

القسم الثاني خاصة .Philosophy of scince (Brighton , 1980)

(17) انظر T.A. Van Dijk, Some Aspects of Textual Grammars :

Astudy in theoretical Linguistics and Poetics, The Hague ,

( 1972)

(18م) Mathew Arnold (1822 – 1888) شاعر وناقد ورجل تربية انجليزي . يمكن تقسيم حياته المهنية إلى اربعة مراحل :

– مرحلة الخمسينات حيث نشرت معظم أشعاره .

– الستينات حيث ركز اهتمامه على النقد الأدبي ونقد المجتمع .

– السبعينات حيث ركز على المكتابات الدينية والتربوية .

– الثمانينات حيث عا د ثانية إلى الاهتمام بالنقد الأدبي .

من أعماله : (1849) The Strayed relever ديوان شعري .

(1888 – 1865) Essays on Criticism

Culture and Anarchy(1869)

Freendship’s Garland (1871)