توجهات ومسار النظرية النقدية الادبية العربية الحديثة

محمود ميري – كلية الاداب مكناس

يقول ماكس شيلر ” ما كان الانسان في فترة من فترات المعرفة الانسانية كما هو اليوم في عصرنا مثار مشكلة لذاته. لقد اصبحت لدينا انتروبولوجيا علمية و اخرى فلسفية، و ثالثة لاهوتية.و ما من واحد من هذه الفروع يعرف ما لدى الفرع الاخر، لذلك لم نعد نمتلك فكرة واضحة عن الانسان،فان ازدياد تكاثر العلوم التي تنهمك في دراسة الانسان قد زاد فكرتنا عن الانسان فوضى و غموضا بدلا من ان يوضحها” (1) . ان ما يقال عن الانسان يمكن ان يقال عن كل الانشطة التي ترتبط بحياته اليومية من قريب او من بعيد. و هذا القول يذكرنا بمقدمة كتاب ريتشارد ” مبادئ النقد الادبي” ، حيث يشير الى اشكالية مشابهة تتعلق بفوضى النظريات النقدية لدرجة اصبح معها الدارس عرضة للضياع: اي المناهج اكثر مصداقية وفاعلية؟ اين تكمن الحقيقة الادبية؟ الى اين يسير هذا التعدد النقدي؟

لقد انتهى ريتشارد الى ان هذا التعدد ليس حالة مرضية بالنسبة للحقل الادبي، بل انه مظهر صحي برره بكون الظاهرة الادبية ليست ظاهرة طبيعية( نسبة الى الطبيعة) يمكن برمجتها وفقا لطموحات العلم و اكراهاته. هذا ما يؤكده نورثروب فراي قائلا: من الجلي ان النقد لا يمكن ان يكون دراسة منظمة ما لم يتصف الادب بصفة تجعل ذلك ممكنا” (2 ).

هكذا تعددت المناهج و المقاربات ،وتنوعت المراجع والقناعات،وتراوح النقاد بين متحمس للنص ،و متحمس للكاتب المبدع، و ثالث منحاز لدور القارئ ، بمختلف استعداداته، و رابع منحازالى اهمية النصوص في ولادة النصوص الادبية الاخرى.

و لعل العزف على هذه الاطراف الاربعة، و من منظورات متباينة، من شأنه ان يساهم في دعم هذا التعدد، و يدفع الى ثراء الحقل النقدي الحديث، و تضخيم ادائه، فتوسعت بذلك امبريالية النقد ، وازداد سلطانه تحقيقا لنبوءة كانط : ” قد يكون من الافضل ان يدعى هذا العصر بعصرالنقد ، نقد لا يأمل شيء في الهروب منه. و عندما يحاول الدين ان يحتمي خلف قدسيته و القانون خلف جلاله، فانهما حقا يثيران الشك فيهما ، و يفقدان جميع الحقوق في الاحترام المخلص الذي لا يقدمه العقل الا لذلك الذي لديه القدرة على تحمل اختبار تمحيصه الحر المفتوح. لقد افترض دائما في التاملات الميتافيزيقية ان معرفتنا كلها ينبغي ان تطابق الاشياء …. لقد حان الوقت ان نسأل فيما اذا كان التقدم الافضل قد لا يتحقق بالافتراض ان الاشياء ينبغي ان تطابق معرفتنا ” ( 3 ) .

و في خضم هذا التنوع، ظل النقد الادبي يؤدي بعض الوظائف التقليدية، كتمهيد الطرق و تذليل الصعاب القائمة بين النصوص و مختلف القراء ، و تهييء الكتابات الادبية كي تصبح قابلة للاستهلاك ، والتحدث باسم الجمهور، والحرص على الحديث عن الابعاد الجمالية التي تصدرعنها الفنون ، و تتغاضى عنها الفلسفات النفعية ، و تغيبها القيم الاخلاقية و التربوية و الايديولوجية.

ان هذه المهام التي يؤديها النقد ، عملت على تدعيم مكانة الناقد و تحصينها لانه هوالوحيد القادرعلى التحكم باسم الفنون الخرساء التي لا تزال تشبع الحاجات المتزايدة بالنسبة للانسانية، يقول فراي :” فما يملكه النقاد الان هو ديانة سرية ليس لها كتاب مقدس ، و هم كهنته الذين لا يعرفون التواصل او التناحر الا بين بعضهم بعضا .( 4 )

ان تاريخ النقد يشهد على ان هذا الحقل المعرفي كان ولا يزال من الحقول الحيوية القليلة، لما يعرفه من تحولات تجعله لا يركن الى الحقائق المطلقة والنهائية . انه مجال للسؤال والسؤال تلو السؤال، و كانه يستعير من الفلسفة طابعها الاشكالي الذي يحرره حالما يلحقه بالصفة التخييلية للخطاب الادبي .

ان الخطاب النقدي ما فتئ يجدد نفسه و يعيد النظر في اساليبه و مناهجه و ادواته ، و مفاهيمه و مصطلحاته في ضوء التحولات الحضارية و الثقافية التي تعرفها الصيرورة التاريخية. انه مقوم فاعل و متفاعل ، و لا يمكن له ان ينمو على الهامش، لانه يحيا و ينتعش بفعل الاسئلة التي يلتقطها من مختلف الخطابات التي يتعايش معها . ان وظيفته تتحدد باستمرار، رغم انه ظل ينهض بمهمة تقويم الاعمال الادبية، ووصفها وتحليلها وتاويلها و اكتشاف القوانين الداخلية لابنيتها و انساقها.

و بما ان وظيفة الناقد لم تكن ذات طبيعة تجريدية تحلق خارج التاريخ ، فقد لبس النقاد لباس الفلاسفة ، و تقنعوا بمسوح الرهبان و رجال الدين ، كما لعبوا دور رجال الاخلاق ، ورفعوا شعارات رجال السياسة… تلك بعض المهام التي يعكسها تاريخ الحقل النقدي، و قد كانت نابعة عن حاجات وجودية، اجتماعية ، دينية سياسية مهيمنة في لحظات تاريخية معينة.

ثمة في تاريخ النقد الادبي تواصل جوهري اضطر معه بعض النقاد العرب ( مفتاح مثلا ) الى العودة الى المنابع الاولى ، للثوابت والاصول ( الجرجاني و نظرية النظم ) من اجل اعادة تنشيطها كمقومات مفهومية داخل المشهد النقدي العربي الحديث. هذا رغم مراحل القطيعة التي ميزت الفترات التاريخية السابقة.

و اذا كان القرن الحالي قد عرف تحولات عدة على مستوى القراءات النقدية المتاثرة بانجازات الاخر، فان الامر لا يسمح لنا بالحديث عن القطيعة بمعناها الابستيمولوجي. ذلك ان استمرارية بالغة السيولة ظلت حاضرة في مساهمات نقاد الحداثة انفسهم، و في كل مرة كان يصل فيه الاندهاش بمنجزات الاخر اقصاه، كنا نجد في نفس الوقت من يقف في وجه هذا المد ليذكر بالاصول والثوابت، والهوية والخصوصية، و ما الى ذلك من الحيثيات الجوهرية التي تؤطر النص الادب العربي.

وبنفس الدرجة التي نتحدث فيهااليوم عن الجرجاني كناقد متميز في تاريخ النقد العربي، فاننا نتحدث عن المتنبي او النفري ليس كشاعرين سلفيين عفا عليهما الدهر، و اصبحا مفصولين عن الواقع الشعري العربي الراهن، بل كمعلمتين لهما حضورهما المتميز في هذا المجال. فبقدر ما يشكل المتنبي معلمة بارزة في جغرافية النصوص الشعرية العربية تكون في حضنها الكثير من الشعراء المعاصرين، و تردد صداها في كثير من المراحل التاريخية السابقة، بقدر ما يحضر الصوت النقدي للجرجاني او قدامة او الجاحظ …

هكذا شكل الحقل الادبي دعامة اساسية لاستمرارية المفاهيم النقدية القديمة، و عمل على تحصينها خلال فترات تاريخية طويلة. ورغم مظاهر المثاقفة التي ميزت التاريخ العربي خلال مراحل سابقة( العصر العباسي اساسا) ، فان قدرة التاثيرالتي مارسها الاخرعلى الحقل النقدي العربي لم تكن قادرة على اكتساحه بالشكل الذي نعرفه اليوم. ذلك ان هوية النقد العربي ظلت حاضرة في مختلف المؤلفات، تاخذ و تعطي من موقع القوة لا من موقع الضعف. ان فعالية التاثير كانت بطيئة في الحقل الادبي بالمقارنة مع ما كانت عليه في مجال الفلسفة او العمران، رغم الهزات التي كان من المنتظر ان تحدثها ترجمة كتاب من حجم ” فن الشعر ” لارسطو. لقد ظل النقد العربي في وجهيه اللغوي و البلاغي – على الاقل – يباشر وظائفه بعيدا عن اي تهديد.

اما في القرن الحالي، و خصوصا في نصفه الثاني ، فان سرعة التاثير كانت بالغة ،لان المثاقفة لم تكن حوارا متكافئا، ولكنها اصبحت ذات بعد واحد يفكك اليات الكيانات المحيطية، و يخضعها لنفوذ المركز و مشيئته .يقول تودوروف : ” ان ليفي شتراوس في بعض نصوصه يطالب بنوع من الانغلاق داخل الثقافة الواحدة، لان الاتصال المسرع بين الحضارات يؤدي الى افقارنا جميعا، قد يكون في هذا بعض الصحة، و لكن التخلي عن الكونية خطر اكبر لانه يؤدي الى العنصرية و خلق جماعات معزولة” (5 ) .

ترى هل كان الانغلاق الذي يقترحه شتراوس دعامة لخلق شروط كفيلة بنمو مناهج نقدية عربية خاصة ؟

لا نطمح الى تقديم اجابة شافية لهذا السؤال ، ولكن سياسة الانغلاق على الذات في المجال الاقتصادي و التنموي عامة التي سلكتها بعض الكيانات الاجتماعية – في مراحل تاريخية سابقة- لم تفض الى اعادة ولادتها بشكل قوي ، و حتى الكيانات القليلة التي لا تزال تراهن على هذا الاختيار لم تفتأ تعاني من ويلات الحصار .

كيف يمكن الحديث عن ثقافة نقدية عربية جديدة في هذا المناخ؟ يقول ادوارد الخراط : ” اما الحداثة في السياق الفني والثقافي فهي في اهم معانيها ، امتلاك لرؤية و لمنهج ، وارادة للعمل، والتجريب و الاستمرار، و عن هذه الحداثة و بالجدل معها – بالمعنى الفلسفي – يمكن ان نتصور قيمة الحداثة في الادب ، و في كتابة الرواية المغربية بالتحديد ( 6) . قد نمتلك رؤية للاشياء وللعالم ، و لكنا نفتقرالى منهج ( مناهج ) ، قد نمتلك ارادة ، لكن التجريب عمر طويلا ، و لم يفض الى تراكم يسمح بحصول كتابة حداثية متميزة بقدر ما فتح المجال واسعاامام التقليد و المحاكاة كما و كيفا .

في غياب هذه المقومات الرئيسية لانجاز هذه الخصوصية في مجال الكتابة النقدية تصبح الحداثة حداثة مغدورة، لانها عبثا تصالح بين المتناقضات و تفتقر في نفس الوقت الى اداةعقلانية. يقول خلدون الشمعة : ” و لكن من المفجع ان تبدو آلة الحياة الفكرية العربية ، و النقدية منها بشكل خاص، في ايثارها لقيم العقل او لقيم الخرافة ، اقرب ما تكون الى المدجنة التي تفرخ الببغاوات المكررة لصيغ لقنت اياها تلقينا ، فاذا بها تسبح بحمد العقل اوالثورة او تشيد بعالم الخرافة دون ان تمتلك “العقل – الاداة “القادر على التمييز بين العقل و الخرافة . المفجع في الحياة الفكرية العربية كما تتجلى في بنيتها النقدية المركزية انها ما تزال نتاجا تلقائيا للتلقين .المفجع انها تريد ان تتعلم الديموقراطية بطرق دكتاتورية ، ولهذا فهي اذ تحتفي بالعقل او بالثورة احتفاء عاطفيا غير عقلاني ، انها تغفل ضرورة بلورة ( العقل – الاداة ) . (7)

لقد ظل النقد العربي عموما مصابا بهوس البحث في الكلمات من حيث المعاني و الاشتقاقات، و هذا ما ادى بالباحثين في المجال اللغوي الى اغناء حقل الدراسات المعجمية والقاموسية ، وبرعوا في هذه المباحث بشكل لافت رغم طابعها التجريدي و التجزيئي ، ولم يكونوا ذوي اهتمام كبير بالبحث في الاشكال الكلية والانساق ، وهي المحطات الرئيسية التي انتعش بفضلهات نقد الحداثة ، وخصوصا ما يتعلق بمظهره السردي .

ان النص من وجهة نظر المنطق الكلاسيكي يتحدد من خلال كلماته و ابياته ، و من خلال المحيط الخارجي الذي يؤثثه و كذا من خلال مبدعه ، و الوسط التاريخي و الاجتماعي . انه يراوح هذه المحطات والنتيجة المنطقية : تقليص سلطان المتخيل ولجم الموضوعات الرمزية لحياة معينة .ان هذه الروح النقدية الذرائعية التي تبحث في الاسباب و النتائج ، و التي تتعامل مع النص الادبي كافراز طبيعي لمقدماتها اللاادبية دفعت بالنقد الى رحاب العموميات. اما النقد الجديد فقد عمل على حصر حدود الارضية التي يتحرك فيها مما اثمر قراءات تعكف على دراسة الوحدات الصغرى : ( القراءات المصغرة ) مما اكسبها طابع الدقة و العمق .

ان هذه النقلة النوعية التي انجزها نقد الحداثة بالمقارنة مع الاهتمامات الكلاسيكية ترجع الى وجود منظورين مختلفين للغة خاصة، و للادب عامة. ذلك ان الفكر النقدي الكلاسيكي كان يعتبر الفن محاكاة و تقليدا، يقوم على نوع من التماثل بين الادب والواقع الذي يعكسه ، هذا في الوقت الذي يرى فيه المنظورالحديث ان الخطاب الادبي كيان مستقل يشيد عالمه الخاص بعيدا عن اي تشاكل . يقول امبرتو ايكو : ” ان وظيفة الفن ليست معرفة العالم ، و لكن انتاج ” تكميلات للعالم ” انه يبدع اشكالا مستقلة تنضاف الى ما هو موجود ، و تمتلك حياة ، قوانين خاصة بها.”( 8)

ان القدرة على رؤية الخطاب الادبي كفعالية مستقلة ، هي التي تسمح للقارئ بالوقوف عند الحقائق الادبية التي يؤسسها حوارالكلمات داخل فضاء النص لا خارجه . هذه الكلمات التي تنسحب عنها دلالاتها الوضعية حالما تركب سبيكة التاليف الجمالي التي تسقط عنها حمولة النوايا المسبقة و الاختيارات الاديولوجية الضيقة . يقول محمد برادة : ” في غالب الاحيان يقدم الابداع الادبي علامات واشارات و رموزا تتيح قراءة الابعاد الايديولوجية التي لم يفكر فيها المبدع … لذلك فان علاقته بالايديولوجيا اكثر تعقيدا مما يظن، و لا تقتصر على النوايا والاختيارات الواعية ، ومن ثم ضرورة تفكير المبدع في علاقته بالايديولوجيا ( ايديولوجيات ) من منظور مغايرلمنظورالاستنساخ او التصادي . بل على اساس من المساءلة الانتقادية التي تسهم في وضع الاديولوجيا موضع تساؤل و تفسح المجال امام المعيش و ما تفرزه جدلية التجربة . تاسيسا على ذلك ، نقول بان الابداع انتاج لمتخيل يستثمر كل ” المواد الخام” بدون استثناء ، من منظور خصوصي يختلف عن الوسائل التعبيرية غيرالفنية الاخرى ، و عن الخطابات المتصلة بمجالات محددة . ان ما يميز المبدع عن غيره ، مغامرته في استكشاف مناطق الرغبة و المتعة و توليد الدلالات داخل ما يبدو تافها ، و تفجير شهوة الحياة فيما يعتبر راكدا ، هامشيا …و من ثم تبرز اهمية المبدع بوصفه ذاتا تمتلك رؤية رافضة للامرالواقع والتاويلات الجاهزة و اللغة المتخشبة . ” ( 9)

امام ترسانة المناهج النقدية الحديثة التي تدفقت على الساحة العربية، وجد القراء والنقاد انفسهم امام اختيارات عدة،. هناك من سعى الى تبني المفاهيم و المصطلحات الاجنبية بدون حس نقدي، و هناك من سعى الى تمثلها واعادة انتاجها و تكييفها مع الخطاب النقدي العربي ، وهناك من ضرب عنها صفحا و عكف على متون التراث النقدي البلاغي القديم كرد فعل للتوجه المحض نحو منتجات الغرب الاوروبي، وهناك من حاول ان يقيم نوعا من التعايش بين المصدرين الحداثي و القديم كما هو الشان بالنسبة لمحمد مفتاح الذي اقام انتقائية” ذكية ” تهدف الى اعادة انتاج المفهوم القديم وتحيينه بما ينسجم و طروحات النظريات النقدية الحديثة . و مما لا شك فيه، ان هذه المقاربات المتنوعة من حيث الخلفيات المعرفية ستفضي الى وجود مجموعة من النماذج التطبيقية الميكانيكية والسلفية الرديئة.

خلال نهاية السبعينات و بداية الثمانينات بدأ المشهد النقدي العربي يعرف انحيازا ملحوظا نحو القراءات الحداثية التي كشفت عن مصادرها الغربية، و عن تبعيتها لسطان المراكزالثقافية الاوروبية الكبرى. يقول صبحي حديدي : ” يعترف الناقد و الاكاديمي الامريكي W J T Mitchell بان معظم الادب الجديد الهام ياتي من المستعمرات ، و من ابناء الشعوب التي استعمرت اقتصاديا و سياسيا و عسكريا. اما النقد الادبي الجديد الاكثراستفزازا و ” حداثة ” فياتي من المراكز الامبريالية التي هيمنت على تلك الشعوب … ” (10)

و لم يكن الوصول الى هذه المرحلة ليتم بشكل مفاجئ ، و لكنه جاء حصيلة تطورتاريخي ساهمت في تعميقه النخب المحلية لينتهي الى ما يسميه صبحي حديدي ” بمعاهدات” تسويق القراءات الغربية الى مختلف الكيانات التي تدورفي فلكها. ففي نفس المقال يقول : 1 – ” العالم ينكمش الى الغرب وحده و يجري المنظور ذو الارتكاز الاوروبي على نتاجات “العالم الثالث ” الثقافية، و تسويق الشبكات النظرية ” المتخصصة” كاجهزة ابستيمولوجية سجل الغرب براءة اختراعها ، و طرائق استعمالها، وتصبح اشكالية ما بعد الحداثة اطارا معيارا لرؤية النتاج الثقافي في ما يتبقى من العالم خارج اوروبا والولايات المتحدة . -2 الغرب يتوسع في العالم والراسمالية المتاخرة تجثم على الكرة الارضية لتفرض ( او تلوح بفرض ) التجانس الحداثي على النتاج الثقافي العالمي باسره . هذه ” الشبكة= النظرية السيدة ” تستاثر بحصانة قداسية مذهلة ، سيما حين تعبر التشكيلة الثقافية الى البنى الاقتصادية والطبقية للمجتمعات ما بعد الكولونيالية في هذا المعطى الزماني – المكاني او ذاك ” (11)

امام هذا التوسع الثقافي الغربي ، تقلص نفوذ القراءات النقدية الكلاسيكية التي كانت تتمسك بمقولاتها و مفاهيمها عبثا ، لتفسح المجال امام النظريات الادبية والنقدية المرفوقة بشروط تحريكها الخاصة ، و براسمالها الخاص: البنية ، النسق ، النظام ، التشكيل ، الفضاء …. و ما الى ذلك من مقومات الشبكة النظرية الحديثة . هذا على الرغم من ان البعض من هذه المقولات لا تعني شيئا لكثير من المجتمعات التي تدور في فلك التبعية . يقول ادوارد سعيد : ” ان النظريات العظيمة تكتسب شيئا من السلطة التي تستدعي الاحترام و التبجيل ليس من اجل ” منطقية ” محتواها الفكري ، ولكن لان هذه النظريات اما قديمة او ذات ” هيبة ” يتوارثها الناس عبرالزمن ،او تبدو وكانها لا زمن لها ويتناقلها العلماء و المفكرون بتسليم قدري ” (12).و تقول سحر مشهور في نفس السياق ” و لا يخلو مجال النقد الادبي كذلك من اوثانه ” المقدسة ” و تتمثل تلك الوثنية في وجود مدارس نقدية متعددة ، تحدد كيفية قراءة النص الادبي . وبمعنى اخر ، فان هذه المدارس – على اختلافها- تبحث دائما عن ” اشياء ” ما داخل النص الادبي ، و كأن العملية الابداعية هي نوع من انواع السلوك النمطي المتوقع سلفا ” (13)

ولم يكن رد الفعل السلفي الكلاسيكي قادرا على تقديم مقاربات نقدية في مستوى المنافسة والاثارة اللتين تفرضهما النظريات المستوردة من المراكز الغربية ، فجاءت مساهمات نقاده الذين عكفوا على النبش في النصوص من منظورالنقد القديم ، شرحا وتعليقا، بلاغة واعجازا مصابة بالفقرالنظري، ومثقلة بالمحفوظات البالية والثرثرة العقيمة و البؤس الثقافي، وابتعدوا عن الانخراط في حركية التاريخ .

ومع ذلك ، فان مصير دعاة الحداثة لم يكن باحسن من مناصري الموروث نظرا للسرعة الفائقة التي فرضها النسق الثقافي الاجنبي الذي يتجاوز نفسه باستمرار، لتتفتق الحداثة حداثات ، وليظل النقاد العرب يلهثون وراء الاوهام ضائعين بين صرامة المناهج النقدية الغربية ، وترهل الموروث الخاص، غارقين في متاهة الرغبة في تاصيل النقد، و تقديس انتاج الغير .

لقد دعا النقاد السلفيون الى الماضي البعيد ، واندفع الحداثيون كثيرا الى الامام ، واغلق كل طرف على نفسه ينسج اوهامه الخاصة، فغاب البعد التاريخي لاسهام الطرفين . يقول سمير سرحان : ” الواضح ان السواد الاعظم من الكتابات البنيوية ، مثلها مثل الكثير من كتابات تحليل النصوص في النقد الحديث تبدو وكأنها تمرينات ذهنية عنيفة يقوم بها لاعبون مهرة على حساب الهدف الاصلي و هوالنص الذي تتضاءل اهميته في اللعبة النقدية امام مهارة التمرين البنيوي و تخريجاته… واخيرا فقد اخذت في اواخرالسبعينات و حتى الان تيارات حديثة موغلة في التخصص، مثل البنيوية والاسلوبية و السميولوجية وغيرها تضرب ابوابنا النقدية بشدة … فتوسع الهوة مرة اخرى بين النقد الادبي والشارع الثقافي اوحتى الشارع العام ، وتعود بالنقد القهقرى الى داخل اسوار الجامعات او المجلات الثقافية التي لا يقرؤها الا من يكتبون فيها او اصدقاؤهم من المعجبين بقدراتهم الفذة على القيام بتلك التمرينات الذهنية العجيبة المرهقة . ” ( 14)

هكذا يغرق النقد العربي في تخوم النخبوية الشئ الذي دفع الكثير من القراء الى التساؤل: لمن يكتب هؤلاء النقاد ؟ و الحال ان هؤلاء النقاد كانوا قد حرصوا- بشكل مبالغ فيه – على محاكاة المناهج الغربية بحمولاتها المعرفية و بصرامة مفاهيمها الاجرائية مغفلين خلفياتها الابستيمولوجية، في حين ان المطلوب منهم كان بالاساس هو تمثل روحها . يقول نبيل سليمان : ” ان حرارة الاستجابة لحاجات الواقع تجعل المنهجية في حالة كحالتنا النقدية والادبية تختلف احيانا ، كثيرا او قليلا ، من حيث صرامتها العلمية … وبهذا المعنى ليس المنهج بضعة خطى، بل مفاهيم، الا في النصوص الموقوفة على المناهج و التنظير المنهجي . و ما احرانا ان نتذكر في هذا الصدد ما قاله ” بوريس ايخانبوم ” سنة 1925و هو يقدم نظرية المنهج الشكلي حين اكد ان هذا المنهج لم ينتج عن بناء نظام منهجي خاص ، ولكن عن مجهود لخلق علم مستقل و ملموس، وحيث اصبح لمفهوم المنهج بعامة ابعاد غير محددة . لقد اكد ايخانبوم ايضا انه لا يقدم منهجية بل بعض المبادئ التي تم التوصل اليها بواسطة دراسة مادة ملموسة، لا يقدم نظاما دوغمائيا بل ( كشف حساب ) تاريخي ” ( 15).

النقد الادبي العربي بين البعد الوجودي و الوهم الحداثي

إن الخطاب النقدي لم يكن ، الى عهد قريب ، مفصولا عن جملة خطابات العلوم الانسانية الاخرى لدرجة لم يكن معها هذا الخطاب اكثر من تمظهر لهموم الوضع التاريخي – الوجودي بأسئلته الثقافية و المعرفية المقلقة، و ان كنا لا نؤمن بالحاقه بها ، فان هذه الحداثة- بفهومها الغربي – ستسوقه الى الدوب الضيقة التي لا يكاد يعرف فيها سوى نفسه. يقول فتحي التريكي – رشيدة التريكي : ” و حداثة الفن تدفع هذا الاختلاف: ( الفن – الحياة ) الى ابعد من ذلك : فمن اجل الافلات من عملية اضفاء الطابع المؤسساتي على الاحساس و من المنفعية يطالب الفن باستقلالية كاملة، و يذهب بعد ذلك الى حد نكران حتى امكانية “التواصل ” التي ما هي الا ” شكل يكيف الفكر مع الشئ المفيد و يسمح له بذلك الاندماج في فصيلة البضائع ” . والحال ان اقتلاع الاشياء من وظيفتها في مجال هو مجال استعمالها يسحب منها معناها ” (16) .

لم تكن وظيفة النقد اكثر من تزويد النص بجملة من الاسئلة الجمالية و المعرفية التي تضيئ جوهر هذا الاخير و تجليه داخل فضاء ثقافي معين. و بما ان لكل جيل ” اسئلته الخاصة ، فقد كان من الضروري ان تتجدد هذه الاسئلة بفعل تعاقب الاجيال و تنوع مظاهروجودها، و اختلاف زوايا النظرالتي تعتمدها، الا ان البطء الذي يميزالسيرورة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية يحول دون النمو الطبيعي لآلياتها الذاتية ، الشئ الذي يؤدي ببعض النقاد ،بدافع الرغبة في تجاوز الحلقات المفرغة ( كما هو الشان في الحقل الاقتصادي )، الاتيان بآخر التقليعات النقديةالغربية ، هذه التقليعات رغم علميتها، ورغم وجاهتها ، فانها تفتقرالى حصانة ثقافية محلية تسندها، وتعطيها شكلا من المصداقية والمشروعية . هذا ما يجعل مقاربتها هجينة وممسوخة و لا ملامح لها .

يتحدث محمد الاسعد عن كتاب ” البنية البطريقية- بحث في المجتمع العربي المعاصر” فيقول : ” تحدث هشام شرابي( سكونية العنصر الثقافي ) في سياق تحليله لتاثيرالثقافة الغربية على الثقافة العربية، وقطع بان تاثيرها يقع في اطارالتبعية الثقافية، اي هيمنة الثقافة الغربية منذ بدايات ما نسميه عصرالنهضة. ويرى ان هذا التاثير السلبي خلق ثقافة ممسوخة لا اصالة فيها ولا حداثة حقيقية . و من الواضح، ان مسؤولية هذا التاثيرالسلبي لا تقع على الثقافة الغربية ذات الخيارات الاصلية بالنسبة لذاتها بل على الثقافة العربية بالدرجة الاولى .” ( 17) .

و اذا كان التبني المطلق للحداثة الغربية في شقها النقدي قد شكل نوعا من القطيعة مع السائد والموروث ، فان الابداع الشعري ، الذي كان قد اشرللبدايات الاولى للتجاوز، انتهى محافظا على كثير من الثوابت مما سيعمل على تعميق المسافة الفاصلة بين العنصرين : الابداع والنقد . يقول ادونيس : ” ولقد قامت الحداثة الاولى – في هذا الهامش ، في ذلك الهامش الامكاني – قامت على خروج تمثلت علامته الاولى في قدرة الشعر على ان يضع موضع سؤال ذاته والعالم وقيمه وبشكل مستمر . فالشعر سؤال حول الشعر بقدر ما هو سؤال حول الانسان والاشياء و العالم . فهل هذا هو ما حققه المحدثون الحاليون ، ام هو ما يحققونه ؟ ان شعر اغلب هؤلاء المحدثين يندرج في افق الشعرالذي يمكن ان يسمى وظيفيا. انه شعر جزء من الحدث ، شعر تابع للحدث ، ذائب فيه، ولئن كان ” هولدرين ” يقول : ” شعريا يعيش الانسان على هذه الارض ” فمن الممكن القول” وظيفيا يعيش العربي على هذه الارض ” (18) .

بين هذه المراوحات يتم اخضاع مفاهيم النقد الجديد – بدوره- لسلطان الايديولوجيا و ثوابت الموروث ، و تغيب النصوص المقروءة تحت يافطات المصطلحات البراقة، و تغرق المناهج المعتمدة في خليط من المفارقات تحول دون تاصيل الحديث او تحديث الاصيل .

تعتبر ارغامات المناهج امتدادا لارغامات المثاقفة ذات البعد الواحد، ذلك ان الوقوع تحت سلطة المنهج ، الذي لا يتحقق الا مرة واحدة من شانه ان يدفع بالحريصين على مجاراته الى دروب من الركاكة و الابتذال والبؤس النقدي . في حين ان القراءة النقدية ،في ابسط محدداتها ، هي قدرة على اجادة طرح الاسئلة الكفيلة باضاءة النص ، و السماح له بان يقول نفسه ، لا تحت ارهاب المنهج ولكن وفق ما تقتضيه بنياته وانساقه لدرجة سمحت لابن قيم الجوزية بان يعرف النقد بكلمة واحدة هي : الذكاء. الذكاء اوالفطنة ، هذه الملكة التي تحصل بفعل المراس ، والانصات الدائم والحوارالبناء مع النصوص المقروءة .هذه الخصلة ربما تشكل ،الى جانب الثقافة الواسعة ،احدى الدعامات الرئيسية لظهور ناقد من حجم ارسطو.

نحن ، اذن، امام حداثة عربية تراوح مكانها فلا هي تستند الى الاصيل ولا هي تمسك بناصية الحديث وذلك هو مازق الثقافة والفكر العربيين بشكل عام . يقول مصطفى كيلاني : ” تنحصر فاجعة الثقافة العربية المعاصرة ، و نقد الشعر فيها والنقد الادبي و الفني عامة في معبر ضيق بين ” ذاتية تراثية” تحول التراث الى قيمة مطلقة لا يقدر بها على التفاعل المباشر مع “الحضارة القائمة ” و ” حداثية ” تعلن بخطابها المعمم ” بؤسها واخفاقها في تحقيق المدنية ” ( 19) .

ان التعارض القائم بين القراءات القديمة ، و الحداثية والتوفيقية كان يفتقرالى حداثة حضارية تضع كل المظاهر الثقافية موضع سؤال من اجل الوصول الى درجة اعلى من التجانس والانسجام . بالاضافة الى ان المجتمعات التي تؤله المؤسسات لا تغفراي اشتغال نقدي يقصي الحمولات المعرفية والمضمونية والحقائق الكلية للخطابات عامة . و لنا في نهاية اقطاب الشكلانية الروسية خيردليل على ذلك . هذا اذا لم نكتف بالبنيويين الفرنسيين ، هذا هو ايضا ما جعل ادونيس يؤكد ان الناقد العربي مضموني بامتياز. يقول مارشال بيرمان : ” ان نقاد الفن والادب يدينون لنزعة الحداثة هذه باستقلال مواهبهم وكرامتها ، و انه لم يواصل طويلا مع هذه النزعة سوى قلة قليلة من الفنيين و الكتاب المحدثين ، ذلك لان اي فن بلا مشاعر شخصية ، وعلاقة اجتماعية محكوم عليه بالجدب والموت السريع .وليست الحرية التي تقدمها هذه النزعة سوى حرية القبر المتشكل باجمل ما يكون و المنغلق تماما . ” (20)

اذا كان النقد البنيوي العربي قد مثل نقلة طبيعية نحو الحداثة ، متجاوزا بذلك رتابة المنطق النقدي الكلاسيكي و باحثا عن الكونية، فانه لم يستطع ان يعمر طويلا لانه لم يكن قادرا على العمل في واجهتين : تحديث الاصيل ، و تاصيل الحديث . هذا ما جعل اركون يعتبر الحداثة العربية لا تزال في طورالتكوين لانها لم تستطع بعد اجتثاث بعض المعوقات المتجذرة في العقل العربي التقليدي ، يقول اركون في نهاية الثمانينات ” اذن فالحداثة هي الان في مرحلة تربوية بيداغوجية ، انها لا تزال في مرحلة لفت انتباه الناس الذين نشأوا و تربوا في مناخ المعجم اليقيني ، في مناخ المعجم الدوغمائي التقليدي . ” (21)

ان اصالة النقد العربي تمتلك رصيدا تاريخيا غنيا يسمح لها بمقاومة كافة مظاهرالتهديد التي تشكلها القوى النقدية الجديدة التي تفتقر الى هذا النوع من الحصانة . واذا غضضنا الطرف عما تعرفه الدراسات السردية- اليوم – من تنامي في ظل هيمنة النوع الادبي الروائي ، فان المقاربات النقدية الحداثية في البلاد العربية كانت نتيجة ولادة قيصرية عويصة .

ان نقد الحداثة لم يكن يمتلك اسلحة حماية كافية تؤمن استمراريته ، و تسمح له باختراق المنظومات الفكرية السائدة . زيادة على كونه غير قادر على التخلص من نزعته المركزية الغربية . لقد ظل هذا الاختلال دوما يبحث عن نوع من التوازن الذي ينتهي في جميع الاحوال لصالح المنظومات التي تحتفظ بها تركيبة العقل العربي .

صحيح ان الحداثة النقدية – الثقافية لا يمكن ان تؤتي ثمارها الا بالحوار مع ثقافة الاخر، والانخراط في دينامية التاريخ وجدليته ، الا ان تاصيل الحديث كان يستلزم تنمية عناصر جوهرية تعمل على تغذية الذات بطابعها الثقافي الخاص ، عوض اعتماد منطق المطابقة الذي اتخذه دعاة الاستيراد .

لقد بدا واضحا ان النقد العربي يراوح مكانه ، فلا هو يستطيع ان يخلق مناهجه الخاصة انطلاقا من رصيده المعرفي الموروث ، ولا هو يستطيع ان يتبنى المناهج الغربية بشكل صرف ، وكل ما استطاع الوصول اليه – حتى الان – هو هذه الرغبة الملحة في التخلص من الطبيعة العشوائية والاحكام الذوقية والايديولوجية ، والطموح الى جعل النقد عملية محسوبة تتسم بالدقة والموضوعية . يقول فاضل ثامر: ” لقد اصبح النقد العربي يحس اليوم أنه لم يعد بالامكان تاسيس منهج نقدي او مقاربة نظرية وفقا لمنطلقات انطباعية او ذوقية او عشوائية صرف ، و أنه بات من الضروري التأمل العميق في ظاهرة النص الادبي بوصفها ظاهرة لغوية واجتماعية معا ، وادماجا للخاص بالعام ، من اجل الوصول الى رؤية شاملة للادب ، والثقافة و الحياة و الكون ، و هذا هو بالضبط ما يحدث اليوم في المشهد النقدي العربي المعاصر .” (22)

ان القراءات الحداثية النقدية التي وضعت من بين اهدافها الرئيسية التاسيس لمناهج نقدية عربية جديدة : ( كمال ابو ديب مثلا ) لم تستطع ان ترق الى هذا المستوى رغم تنوع اشكال التجريب ، بقدر ما عملت على تغييب النصوص المدروسة في تضخيم نقدي اجرائي يحاور نفسه اكثر مما يحفر في لغة هذه النصوص ليكشف للقراء عن دروبها السرية . يقول محمد لطفي اليوسفي :” تمثل هذه اللحظة لحظة استباق النقد للشعر اعتى مرحلة من مراحل تجني الخطاب النقدي على النص الشعري و اشدها خطرا على شعريته ، انها جزء من تاريخ السجال و مداه. و لكن السجال هنا بلغ ذراه. ذلك ان ما اسميناه بانقلاب الادوار بين الشعروالنقد، عدول الشعر- في الظاهرعلى الاقل – عن دورالريادة وتلقف الخطاب النقدي لذلك الدورفي شئ من الافتنان بالذات بلغ حد الهوس، هوالذي جعل النقد يمضي على درب التجني و المغالطة، فيتناسى أن الشعر هو الذي يبدأ الفتوحات…(23)

إن الازمة النقدية و المنهجية السائدة – و نحن في نهاية القرن العشرين – هي و ليد شرعي لازمة فكرية و ثقافية و حضارية عامة تسير في نفق مسدود ، رغم صيحات التحذير و الادانة والاحتجاج التي تمور بها الساحة العربية . يقول حلمي سالم : ” لم تثر مسالة نقدية في حياتنا الثقافية الراهنة ما اثارته ” الحداثة ” الشعرية من جدل ” و اشتباك ” بين المشتغلين بالنقد و الادب .

و مثلما كان ابداع الحداثة ” حمال اوجه ” ركبه المبدع الاصيل و المبدع المزيف ، كان نقد الحداثة كذلك ” حمال اوجه ” ركبه الناقد النزيه و الناقد المغرض ، و لقد اثارت الموجة الراهنة من الحداثة الشعرية العربية دوائر متنامية من الاسئلة و الاجابات ، و الادانات و البراءات ، و ما تزال هذه الدوائر تتصاعد و تتسع . ” (24)

و يقول مصطفى كيلاني :” و عند تحسسنا لمكامن الارتداد في الفكر العربي بعد مائة عام من ” التخبط و التماس، و البحث و الانتكاس” ننتهي الى ان هذا الفكر ” ترقيعي ” او توفيقي في افضل الحالات ، غير ان شان اغلب الدارسين من ذوي النزعات البنيوية و التحديثية الاخرى يوفق بين مقولات نقدية معاصرة ، و بين اخرى قديمة تستند بالخصوص الى عبد القاهر الجرجاني ” (25) .

ان الحداثة-الفخ التي وجد النقد العربي نفسه داخل متاهاتها ، لا يمكن ان تجعلنا نتجاهل بعض الظواهر الصحية التي رافقت ولا تزال ترافق النقد الجديد ، ذلك ان الجيل النقدي الراهن يصدر في مقارباته المختلفة عن قناعات فكرية مخالفة لما كان يصدر عنه الجيل السابق ، كما انه يؤمن باهمية الحواربين اسئلة النقد واسئلة الثقافة، ويعطي اهمية كبرى للمنهج (المناهج) رغم ان هذا الاخيرليس معطى جاهزا، ويصدر عن قناعات نظرية تسند وتؤطرالخطوات الاجرائية التي يعتمدها.(26)

و يعكس المشهد النقدي العربي الراهن نوعا من اعادة الاعتبار للشكل و الصياغة ، و تداخل اللغات في الوقت الذي انكمش فيه الاهتمام بالوظيفة و الفعالية في مجال الخطاب الادبي . و يلاحظ محمد لطفي اليوسفي ان اهم المحاور التي ركز عليها النقد الجديد هي : ” 1- بنية النص . 2 – الرموز . 3 – الصور و فاعليتها في النص .” (27)

انطلاقا من مساءلة هذه المحاور، استطاع النقد الجديد ان يقدم اضافات مفيدة ساهمت في اغناء النقد السابق و الدفع بالياته الى تخوم نصية جوهريا. حدث نوع اخر من التجاوز عمقته النظرية الادبية يتمثل في اعتبار الادب ممارسة لغوية، ومن ثم فان المدخل النقدي المشروع هو المدخل اللغوي، بالاضافة الى الحرص على التزام الوصف الموضوعي للبناء النصي، وتداخل الانساق، و اخيرا النبش في المستويات الدينامية للنصوص الادبية .

هكذا اصبح الناقد لا ياتي الى النص بافكار جاهزة يتم اسقاطها على النصوص المقروءة، و حتى يضفي على قراءته طابعا من الموضوعية و العلمية فانه يحافظ على مسافة تظل قائمة بينه وبين النص الذي يحاوره حتى يتاتى له النظر الذي يسمح بطرح الاسئلة النقدية الجوهرية .

ومع ذلك ، فان كثيرا من القراءات التي تركب هذه السبل الفعالة كثيرا ما يدركها سرطان الثوابت في منتصف الطريق ، لتبدو مترهلة بحمولات معرفية ومنهجية لاتاريخية . يقول محمد لطفي اليوسفي : ” ان ما يوهم بانه ضرب من التراكم مبني على سلسلة متتابعة من النقض و التجاوزوالتاسيس ليس سوى مجرد عود على بدء في اغلب الاحيان . عود ثقيل بطيء يكون فيه للماضي على الحاضر سلطان لا يرد ( ماضي الغرب مجسدا في نظرياته التي يغتصب بها النص ) و ماضي الذات مجسدا في استدعاء نظرية العرب القدامى في الشعرية و قراءة النص في ضوئها …” (28)

هكذا يعود النقد العربي – رغم محاولات التحديث – الى الثوابت المضمونية والى تخوم الايديولوجيا بابعادها الوجودية والانطباعية و الذاتية ” لان المعرفة العربية السائدة هي معرفة غير نقدية ذلك انها نشأت وتنشأ في احضان الجواب . ” (29)

إن اسئلة النقد العربي كانت – على العموم – ذات طبيعة تاريخية وجودية، لان النقاد القدماء كانوا قد نظروا الى الشعر من حيث فاعليته لا من حيث جوهره: الشئ الذي جعل النقد العربي متشبثا ببعض القضايا التي تبدو مفتعلة كالشكل و المعنى ، و نية القول ، و ما اليهما من القضايا التي شكلت بؤرا للارتكاز في منظومة النقد العربي القديم ، و هذا ما اكده اليوسفي . و نحن على مشارف القرن الواحد و العشرين ، فان الكثير من الانجازات النقدية العربية الرامية الى اعادة استنبات مناهج نقدية تستجيب لخصوصية نصنا الادبي كان مالها الفشل لانها لم تستطع ان تظهر المنافسة اللازمة للنظريات النقدية الحداثية الغربية ، كما ان مصير النقد العربي المتجاوز لم يكن احسن حالا ، رغم انه لا يزال يملأ المشهد النقدي العربي باصداء لمختلف المقاربات و المناهج الاجنبية التي لا طعم لها و لا ملامح .

لقد عمدت الحداثة النقدية العربية الى خلخلة المنطق النقدي الكلاسيكي بدافع الرغبة في تجاوز نقد الاصالة ، لكنها لم تستطع ان تؤسس مكانه مناهج بديلة تحظى بالقابلية و الانتشار بين مختلف المهتمين بهذا الحقل الجمالي المعرفي، هذا اذا لم تبق اسيرة اسوار الجامعات .

تصبح الحداثة اذن، هي ما يسميه خيري منصور: الوضع الغامض، حيث يقول : ” ان صبواتنا التي لا نكل من التعبير عنها لتاصيل حداثة عربية هي التي تدفعنا دائما الى طرح موضوعة الحداثة عنوانا لمحاور و مساجلات و كتابات لم يتح لها ان تتراكم و تنبني ككيان معرفي ، فالحداثة ما تزال الوضع الغامض ، البعض يحشرها في اطار اللغة بهدف تخليصها من الجمود و جعلها مرنة للتعبير عن الحي المعاصر … و البعض يراها ( تبعية ) طيعة لنموذج مكتمل و مطروح للاحتذاء . .. و البعض الاكثر جدية ، يقيم حواجز بين مستوياتها لو ان ( حداثتنا) نهضت على مرتكزات صلبة ، و لو انها حاورت ، و تمثلت لما كان الموت المبكر حصيلة معظم مشروعاتها .” (30)

خاتمة

هل يمكن الاقرار بوجود قطيعة بين اصالة النقد الادبي في عصر النهضة و بين حداثة النقد الجديد ؟

لقد اكدنا فيما سبق ان الكتابة الجديدة التي املتها حساسية جديدة فرضت على الخطاب النقدي ان يغير جلده القديم ، وان يتسلح بفاهيم و مصطلحات حديثة تسمح له بالتجول في منتزهات الكتابات الحديثة بروح اوسع من التفاهم و التفاعل .و لم يقف النقد الجديد عند حدود النصوص ذات النزعة الحديثة مجربا لمفاهيمه و ادواته الاجرائية ، و لكنه سعى الى> توسيع مجاله الحيوي عن طريق مساءلة النصوص القديمة : ( كمال ابو ديب ، محمد مفتاح ، يمنى العيد ، في مجال الشعر، و عبد الفتاح كيليطو في مجال النثر ) و لا شك ان توسيع دائرة السؤال بالنسبة للخطاب النقدي الجديد ستدفع به الى اثراءمفاهيمه و تعميق مقولاته . الا ان القراءة ، اية قراءة لا تلغي امكانية قيام قراءات اخرى، و لا تستطيع ان تزعم انها تمتلك من الاحاطة و الشمول ما يحول دون انجاز قراءات اخرى . يقول روبير شولزمتحدثا عن مقاربته السميائية للخطاب الشعري : ” ان المقاربة السميائية للشعر لا تختلف اختلافا كبيرا عن المقاربات الفعالة الاخرى، ولا تدعي العصمة كمنهج . و ما تقدمه- وارجو ان اكون قد اوضحته – هو منهجية صريحة متماسكة ، مفيدة تعليميا بوصفها طريقة في تطويرالمرونة والحساسية التاويلية في الدراسات الادبية ” (31)

و يقول عبد العزيز بن عرفة : ” فالقراءة ليست استحواذا ، و هي ليست حرب مواقع ، فهي ليست نفيا للاخر و مصادرة لممتلكاته.لا !انها ليست استملاكا. القراءة تواصل مع الاخر. القضية لا يمكن اختزالها في نسق جدلي ، فهي تفيض عليه و تتخطى حدوده . فالقراءة تدفع باللغة الى قول ما لم تتعود قوله . و هي من جراء ذلك تبلغ حالة من تفكك تفقد فيه نسقها و تماسكها … و هي لا تفتأ تكسر قيودها لتفلت من عقالها، هي النص و نقيضه، و هي مركزه و هامشه، فهي لا تفتأ تمزق نسيجه لان صلابته و تيبسه يحولان دون قراءته … ” (32)

لقد كانت العلاقة بين النقد والابداع كالعلاقة بين التجاوز والرغبة في الاحتواء، الابداع يفتح مناطق نفوذ جديدة ، و يوسع حدود ارضيته في حين ان النقد يسعى الى اخضاع هذا الانفلات ، ورصد جغرافيته المتجددة .

و اذا كان النقد الكلاسيكي قد اتسم بتوزيع احكام القيمة بسخاء، و بالولع بالشرح والتفسير، والبحث عن الحقائق المرجعية، فان ديموقراطية النقد الحديث تنبني على الحوار والتفاعل والاصغاء، و رصد القوانين الداخلية للنصوص الادبية ، واثارة الاسئلة التي يطرحها فضاء ثقافي متغير و متنوع بحسب تعدد قرائه . يقول محمد السرغيني : ” لا يمكن ان ينتهي المرء الى قول فصل وهو يبحث في الابداع تكوينا و تكونا ، فصلا ووصلا ، علائق و قطائع ، بدءا و نهاية ، بسبب من انه زئبقي من جعة علاقته بالوعي و باللاوعي ، و من جهة انه واحد بالشخص متكثر بالافراد . (33)

و يؤكد عبد الله الغذامي في نفس السياق هذه الفكرة التي تفتح النصوص على تنوع القراء ، و تنوع مظاهر الحياة قائلا : ” ليس هناك نص كامل لانه ليس هناك واقع كامل . و ستظل النصوص مفتوحة كامكانيات لمعان لم تات بعد . ” (34)

واذا كان النقد العربي ” النهضوي” قد تميز باستعراض المعارف الواسعة، و الاحتفاء بالابعاد الشخصية و التاريخية المؤثثة لفضاء النص الادبي، فان هذا الاحتفاء قد ادى بهذا النوع من النقد الى التسيب و التيه ، لقد ظل النقاد العرب-في غالبيتهم- يقاربون النصوص الادبية كمقوم من مقومات البنية الاجتملعية العامة منطلقين من رؤيات نفعية مؤسساتية اخالقية …

و اذا كان التعامل مع الغرب / الاخر قد اتخذ اشكالا جمة (التبني، القطيعة، التمثل، الانبهار) فان الكثيرين قد عمدوا الى اقامة نوع من التوليف بين ما هو عربي و ما هو غربي ( كمال ابو ديب ، محمد مفتاح … ) و كانوا يسعون الى محاولة تحصين الذات – في مناخ المثاقفة – و ذلك بتاصيل الخطاب النقدي العربي عن طريق استدعاء ما هو من انجاز هذه الذات ، و من مقومات هويتها الخاصة لقد استعانوا بعناصر الاستمرار القادرة على الالتحام مع عناصر التجديد من اجل نمو طبيعي للكيانات المنهجية بشكل خاص و الكيان النقدي بشكل عام .

و الملاحظ انه خلال النصف الثاني من القرن الحالي غير النقد الادبي و ظيفته ، بحيث لم يعد يكتفي بدور استهلاكي يقوم فيه الناقد بدور الوسيط بين الكتاب و القراء ، و لكنه قفز الى مستوى جديد يسمح له بتاسيس علاقة جديدة بين الكتابة و القراءة . ان الكتابة الاولى ، الكتابة / الموضوع، تبدو مفترحة و ناقصة ما لم يتم ملء فراغاتها الكثيرة من طرف ناقد حذق يستطيع وضع اليد على مختلف بؤر الارتكاز النصية، و يحظى بقدرة هائلة على استدراج فضول القارئ و استعداداته الذاتية ليرحل به نحو مجاهل النص و دروبه المتعددة و الممتعة .

و رغم ان تجمعاتنا الثقافية القومية و الاقليمية ، و رغم ان جامغاتنا و معاهد البحث العلمي عندنا – في العالم العربي – قد عرفت نوعا من التوسع الملحوظ في ظل اعتماد سياسة تنموية تعليمية متجددة ، رغم كل ذلك فانها لم تستطع ان تنجب خلال هذه المرحلة الطويلة اتجاها ادبيا او مدرسة نقدية خاصة او منهجا نقديا متميزا رغم تعدد مظاهر التفاعل الذي خاضته سواء تحت مظلة: الشمال/ جنوب او جنوب / جنوب .

ويرجع هذا العجز الى هيمنة المراكز الاوروبية و قدرتها على اخضاع المحيطات لسلطتها المركزية في كل شئ ، اضف الى ذلك ان الهوامش ظلت مشغولة – في اغلب الاوقات – بهاجسي : النقل و التطبيق ، و لم تستطع الخروج من دائرة الانبهار و اعادة الاستهلاك الى مضمار الابداع و المنافسة .

هذه هي اهم المعالم العامة للوضعية الراهنة كما يعرفها الحقل الثقافي النقدي – او على الاصح – الخطاب النقدي في العالم العربي رغم الهزات التي يتعرض لها بين الفينة و الاخرى على ايدي من يرومون دروب المغامرة و التحدي لثوابت المنطق الفكري السائد .

————————————————–

الهوامش

1 – ارنست كاسيرير : مدخل الى فلسفة الحضارة الانسانية او مقال في الانسان ، ترجمة د احسان عباس بيروت نيويورك 1961 ص 18

2 -نورثروب فراي : تشريح النقد ، محاولات اربع . ترجمة محمد عصفور الجامعة الاردنية عمان 1991 ص 20

3 -أ سكوت جيمس : صناعة الادب ، بعض مبادئ النقد في ضوء نظريات النقد القديمة و الحديثة . ترجمة هاشم الهنداوي ، مراجعة عزيز المطلبي دار الشؤون الثقافية العامة بغداد ط 1986 ص 167

4 – نورثروب فراي : تشريح النقد ، مرجع سابق ص 16

5 – تودوروف : الكرمل ، ع 38 ، السنة 1990 ص 86

6 – ادوارد الخراط ” الناقد اللندنية ، ع 30 ، 1990 ص 19

7 – خلدون الشمعة : الفكر العربي ، عدد 8 – 9 يناير مارس 1989 ص 291

8 -Eco Umberto ,L’Oeuvre ouverte,Ed.Seuil,1965,p.28

9 – محمد برادة : جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 3088

10 – صبحي حديدي : الكرمل عدد 47 ، 1993 ص 62

11 – م سابق ص 81

12 – سحر مشهور : مجلة فصول المصرية المجلد 10 عدد 1 – 2 يونيو – غشت 91 ص 91

13 – م سابق ص 93

14 – سمير سرحان : ابداع المصرية ، عدد 5 مايو 1991 ص 42 – 43

15 – نبيل سسليمان : في الابداع و النقد ص 127

16 – فتحي التريكي – رشيدة التريكي : فلسفة الحداثة ، مركز الانماء القومي ط 1 ، 1992 ص 93

-17 محمد الاسعد : جريدة الحياة اللبنانية 24 ابريل 1993

18 – ادونيس : النص القراني و افاق الكتابة . دار الاداب ط 1 1993 ص112

19 – مصطفى كيلاني : وجود النص – نص الوجود ، الدار التونسية للنشر 1992 ص 113

20 – جابر عصفور : ابداع المصرية العدد 4 ابريل 1991 ص 38

21 – محمد اركون : مواقف ، ع 59 – 60 صيف خريف 1989 ص 18

22 – فاضل تامر : كتابات معاصرة ع 9 المجلد 43 كانون الثاني شباط 1991 ص 61

23 – مجمد لطفي اليوسقي : كتاب المتاهات و التلاشي في النقد والشعر ، دار سراس للنشر تونس 1992 ص 80 .

24 – حلمي سالم : الناقد ع 37 يوليو 91 ص 51

25 – مصطفى الكيلاني : م س ص 111

26 – انظر محمد برادة اليوم السابع عدد 167 يوليوز 87

27 – محمد لطفي اليوسفي : المتاهات والتلاشي ص 57 .

28 – نفسه ص 17

– 29 أدونيس م فصول ع 3 – 4 مجلد 9 1991 ص 160 .

30 – خيري منصور : أبواب ومرايا دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 1987 ص 80 – 81

31 – روبير شولز : العرب والفكر العالمي ع 19 – 20 1992 ص 124 .

32 – عبد العزيز بن عرفة : الدال والاستبدال ، المركز الثقافي العربي بيروت 1993 ص 18

33 – محمد السرغيني مجلة الوحدة عدد 82 – 83 السنة السابعة يوليو غشت 1991 ص 128

34 – عبد الله الغوداني : تشريح النص ، مقاربات تشريحية لنصوص شعرية معاصرة دار الطليعة بيروت 1987 ص 79 .