الرمزية والمخيال والواقعي

نيكول ايفرات – دسمدت

ترجمة سعيد بنكراد

تقديـم

لقد بنيت السميائيات البورسية انطلاقا من وصف ظاهراتي للظواهر. وبعبارة أخرى، فإن تصور فعل سميائي مستقل من حيث التكوين ومن حيث الاشتغال، جاء نتيجة وصف للفعل الإنساني (بكل مكوناته) من زاوية فانوروسكوبية (1)، أي النظر إلى ما يصدر عن الإنسان من ممارسات من ثلاث زوايا عبر ثلاث مقولات :

– الزاوية الاولى تعين الفعل في حالته الغفل، أي مفصولا عن أي سياق كيفما كان نوعه، (لا متناهية الفضاء والزمان).

– الزاوية الثانية ترصد الفعل لحظة تحققه في وقائع محسوسة، أي مجسدا في إحداث.

– الزاوية الثالثة تعين الفعل من خلال بعده المجرد، أي لحظة انبثاق القانون والضرورة والارغام.

إن هذه الزوايا تتطابق مع ثلاث مقولات هي الأولانية، الثانياتية و الثالثاتية. وهذه المقولات العامة، كما يسميها بورس، هي أساس إدراكنا لأنفسنا (لتجاربنا الخاصة) وإدراكنا للآخرين (تجارب الاخر). فالأولانية هي مقولة الممكن والمحتمل، مقولة الذي قد يحدث وقد لا يحدث. مقولة النوعيات والأحاسيس. إنها تتميز بانفلاتها من ربقة الإرغامات الفضائية والزمانية.

أما الثانياتية فهي مقولة الوجود والفعل والتحقق. إنها تقوم بتقليص حجم معطيات الأولانية من خلال صبها في وقائع محددة. إنها بهذا تضع حدا للإمكانات اللامتناهيةالتي توفرها الأولانية. إنها مقولة التخوم والحدود والتجارب المتناهية في الفضاء وفي الزمان.

أما الثالثاتية فهي مقولة القانون والضرورة والفكر. إنها ما يبرر العلاقة بين الأول والثاني.فالحزن كماهية مجردة غيرقابل للإدراك إلا من خلال رده إلى واقعة معينة (وضع إنساني يجسد لنا الحزن أي يمنحنا “نسخة” réplique على حد تعبير بورس ). إن الأمرإذن يتعلق بتحول من الأولانية إلى الثانياتية، من الماهية المجردة إلى ما يشكل واقعة أي إلى الثانياتية. و لكي نتعرف استقبالا على الحزن لا بد من إرساء دعائم قانون نتعرف عبره على كل الوقائع التي يمكن تصنيفها في خانة ما يعبر عن الحزن. إنه التجريد المولد للنسخ الخاصة.

و تحاول الكاتبة في هذا المقال، الممتع بحق، قراءة ثلاث مناطق من الوجود الانساني: المخيال ( imaginaire) والواقعي ( réel ) والرمزية (symbolisme ) انطلاقا من مقولات بورس الفانوروسكوبية: الأولانية والثانياتية والثالثاتية.

فإذا كان المخيال عامة هوالتخلص من مقتضيات الفعل الإنساني المنتمي إلى التجربة العادية بكل إرغاماتها، فإنه سيشكل أولانية، حيث سحرالوجود مبني على الخروج من قانون الجاذبية والماء والهواء والنار. إنها الحياة ناقص القوانين والعادات والإرغامات، إنها الأفعال بدون رابط الضرورة واطارالحتمية.

وإذا كان الواقعي هوالتجربة، الحدث المجسد في فعل قابل للإدراك، فإنه سيشكل ثانياتية أي وجودا ملموسا لم يتحول بعد إلى فكر.

و إذا كانت الرمزية هي عالم التجربة المبنية على التسنين السابق، وعالم القانون و”العلاقة الاختلافية”، فإن الثالثاتية هي مقولة الفكر و القانون والتسنين والتوسط الالزامي. إن علاقة الفرد بالواقع علاقة تحكمها أشكال سابقة، “اشكال رمزية” على حد تعبيركاسيرير. إن بورس لا يقول شيئا آخر. فالثالثاتية هي ما يحدد الكائن الانساني. ذلك أن الوجود الإنساني مبني على التسنين الذي يقوم بحفظ و صيانة التجارب السابقة. إن الفعل الحاضر يُصب في خانة الفعل الماضي، والأول يدخل في علاقة مع الثاني عبرالثالث.

إن الكاتبة، في محاولتها الربط بين هذه المقولات و بين الابعاد الثلاثة في التجربة الانسانية، تكون قد فتحت آفاق جديدة أمام السميائيات البورسية التي ظلت لسنوات حبيسة المجلدات والقواميس. إنها تقدم طريقة جديدة في تناول الفعل الانساني يرتكز من جهة على المكتسبات التي قدمتها الدراسات المتنوعة للمخيال والواقعي والرمزية، و ترتكز من جهة ثانية على إحدى القمم الشامخة في التراث السميائي المعاصر، و نعني به سميائيات بورس.

المترجم

النص المترجم

تسمح لنا فانوروسكوبيا بورس باقامة رابط بين الرمزية (الثالثاتية ) و الواقعي (الثانياتية) والمخيال (الاولانية)، وتمكننا – تبعا لذلك -من وصف كل تجربة فنية بواسطة الحركة الجدلية القائمة بين هذه المقولات الثلاث.

1 – التصورات المتنوعة للرمزية و المخيال

لقد حظيت الرمزية و المخيال بدراسات متعددة انطلاقا من جهات نظر مختلفة، يعود بعضها الى الفلسفة ويعود البعض الاخرالى الانتروبولوجيا، والى التحليل النفسي او الانشائية. فهناك بعض النطريات ترد الرمزية الى ما ينتمي الى المخيال في نظريات اخرى. وقد صنفت تحت اسم الرمزية او تحت اسم المخيال، ظواهر مختلفة كالحلم و الاسطورة والبسيكوباتولوجيا اوالابداع الفني. و قد قُدم المخيال في بعض الحالات سلبيا كتقهقر، وقدم ايجابيا كقوة مجددة . فعادة ما يتم طرح المخيال كتمثيل مزيف للواقعي، او كمجال للاستيهامات والخديعة، و هو ما يجب على الفرد التخلص منه من اجل الولوج الى النظام الرمزي و استحقاق وضع الذات عبرالخضوع لقوانينه.إن هذا التصور للعلاقة بين المخيال و الرمزية هو ما نصادفه عند A. Delzant :

هناك اذا مشكل ارتقاء الفرد من المخيال الى الرمزي…ان المخيال هوحالة رغبة جامحة لا تعرف موضوعها. انها تريد كل شيء في الحال وبشكل مباشر لا يقبل التاجيل… وهذا المخيال نفسه هو الذي يجب ان يهذب في اتصاله بالواقع عبر تعلمه التخلص من اللاتمييز الخـــاص بالكليـــة بهدف التحديد والانزياح والاختلاف والاجال؛ وهي عناصر منظمــة للعالم. وفــي المقابل فــان الرمزيــة هــي عالـــم العلاقـة الاختلافيــة، وعالــم الرغبــة التـي قبلت ان تتخــلص مــن خدعها لكي يعتــرف بهــا الاخــر، ما يقدمــه الاخــر كمقابــــل (A Delzant p 33-34).

إن هذا التصورالذي يجعل من المخيال “مباشرية، ” لاتميز للكلية” يتطابق بالفعل مع مقولة الاولانية عند بورس. في حين يتطابق النظام الرمزي ” العلاقة الاختلافية ” مع مقولة الثالثاتية .

ومع ذلك، فاننا لانتفق مع دولزانت في طريقة ربطه بين المخيال والرمزية والواقعي. ففي تصورنا ،فان المخيال ليس في حاجة ” لان يهذب في اتصاله بالواقعي “، بل على العكس من ذلك، فإن معرفتنا للواقعي تغتني في اتصالها بالمخيال.ان مشكلة الفرد لا تكمن في الارتقاء من المخيال الى الرمزية، بل في الارتقاء بوعي الى الواقعي والمخيال من خلال الرمزية، و بعد ذلك نقارب الواقعي بطريقة متجددة باستمرار بفضل الحركة الجدلية بين الرمزية و المخيال.

2 – الرمزية و التمييز بين الواقعي و المخيال

يقع الانسان داخل الرمزية. إن فكره يتكون من علامات،و بواسطة السنن ( الثالثاتية) يستطيع الامساك بالواقعي ( الثانياتية) و بالممكن (الاولانية) . و يعتبر كانط في كتابه Critique de la faculté de juger: إن المعيارالذي يسمح لنا بتحديد الادراك الانساني يكمن في القدرة على التمييز بين الواقع و الامكان:

امكان # واقع

1 2

وبالفعل، فإن الكائنات الدونية والكائنات الفوقية لا تقيم اي تمييز بين الممكن والواقعي: فالحيوانات تتصرف وفق مثيرات فيزيقية لحظية، ولكنها لاتستطيع تصوراشياء ممكنة. أما ما يعود الى الذهن الالهي ، فان كل ما يفكر فيه فهو واقعي بشكل اوتوماتيكي. وبناء عليه، فان مقولةالممكن لا تظهرالا على مستوى الادراك الانساني:

على الادراك الانساني أن يميز بين امكانية وواقع الاشياء، والسبب في ذلك يكمن في الفرد وفي طبيعة قدراته على المعرفة. و ما كان لهذا التمييز (الواقعي- الممكن ) أن يوجد لو لم يكن التمييز، على المستوى العملي، بين لحظتين غير متجانستين امرا ضروريا: الادراك للمفاهيم، والحدس الحسي للاشياء التي تطابقها (Kant 1968 p 216).

إن كانط لا يستخدم الا مقولتين في وصف الادراك الانساني: الحدس الحسي الذي يعطينا الواقعي من جهة ، و”المفاهيم المرتبطة بامكانية وجود شيء ما”من جهة ثانية. إنه لا يميزبين الامكان والمفاهيم المنتميين، حسب بورس، الى مقولتين فانوروسكوبيتين مختلفتين: الاولانية للممكن ، والثالثاتية للمفاهيم.

إن تصوركانط القائم على قطبين ( الواقعي – الممكن ) لا يفسركيف يستطيع الادراك الانساني التمييز بين هاتين المقولتين. ومن اجل تفسير ذلك، يجب الاستنجاد بمقولة ثالثة: الثالثاتية اي الرمزية . إن قدرة الفكرالانساني على التميير بين الواقعي والممكن تعود الى كون هذا الفكر يتميز بكونه فكرا رمزيا:

الرمزية

3

الممكن # الواقعي

1 2

لقد بين كاسيرير( 1979 ص 85 -87 ) بأنه في الحالات التي لا تنجز فيهاوظيفة الرمزي بالشكل المطلوب( عي عقلي ) ، يميل التمييز بين الواقعي والممكن الى الاندثار. و هكذا فان الذين يملكون سننا رمزيا ضعيفا ( فقدوا القدرة على استخدام بعض الكلمات ) عاجزون على التفكير في الاشياء المحتملة والحديث عنها :

إن مريضا ( المصاب بعي في النطق) مصاب بفالج شقي( hémiplégie ) و مشلول اليد اليمنى، لا يمكنه أن يتلفظ بجملة كهذه: “استطيع الكتابة باليد اليمنى” ،إنه يرفض اعادة هذه الكلمات عندما يطلب الطبيب منه ذلك. ولكنه يستطيع أن يقول : “استطيع الكتابة باليد اليسرى”، لان هذه الجملة تعد ملفوظا مرتبطا بواقعة وليس بحالة مفترضة أو لاواقعية (cassirer p 87) .

وعلى العكس من ذاك، ففي حالات كثيرة للجنون ، فان وضعية محتملة ينظر اليها كواقع، فالمجنون يعتقد حقيقة انه نابليون .

و بناء على ما سبق، فإن أداتنا للوصول، بوضوح، الى الواقعي والى الممكن ( المخيال ) هوالفكر الرمزي. إن الرمزية تعود الى الثالثاتية: نظام الفكر و اللغة و الثقافة. ان هذا النظام هو اداتنا للوصول الى الثانياتيةوالاولانية: الواقعي والممكن، و ثمن هذا التمييز سيكون هو الانزياح. فالامساك بالواقعي و بالممكن والتمييز بينهما يفترض خلق نوع من التباعد.

3 – الرمزي و معرفة الواقعي

إن علاقتنا بالواقع ليست مباشرة، إننا نكون لانفسنا نموذجا للواقع عبر تأويل ذي طبيعة رمزية. إن تأويلا من هذا النوع يستند الى سنن ثقافية مشتركة، تشكلت و تطورت داخل السيرورة الابلاغية. إنها تشتغل كمصافي (2)، و هذه المصافي تسمح لنا بالدخول في علاقة مع الواقعي. والامر يتعلق بواقع مفكر فيه ومؤول بشكل مسبق:

الرمزية 3

مصفاة

الواقعي 2

إن علاقتنا بالواقع تتم عبر السنن، فنحن مثلا لا نستطيع التفكير الا بواسطة اللغة التي تقوم بدورها ببنينة للواقع، و تمدنا بنموذج من هذا الواقع: ” إن الكلمات هي اوامر تجبرنا، عندما نستعملها، على التفكير داخل نظام قائم بشكل سابق” ( ر. ماغريت ذكره Rodes 1983 p 61 ) .

و بناء عليه، فإن أية محاولة للتفكير” بشكل مغاير” و النظرالى الواقعي بشكل مغاير يقتضي اجراء تدميريا للسنن. إن هذه السيرورة لا تخص فقط الاستعمال الشعري للغة بل تخص كل ابداع فني

4 – الرمزية والمخيال: معرفة جديدة للواقعي

وعبرالرمزية ايضا ندخل الى المخيال. فالامساك بممكن لم يتبلوربعد ( اولانية) يفترض التحكم في الاسنن ( الثالثاتية ) وخرقها في نفس الوقت. والمخيال من جهته لا يمكن أن يتحدد الا داخل الرمزية. واذا لم يكن الامر كذلك ، فإننا سنكون امام اللاتمييز والفوضى والجنون. وهذا المخيال لا تقوم له قائمة الا إذا دمرالرمزية . فمن صلب الاولانية تنبعث قوى تتسلل الى الاسنن لتدمرها.

الرمزية 3

يتسرب

المخيال 1

فعندما يتم فرض الرمزية ، فإن المصافي التي تسمح بالامساك بالواقعي ستعرف تغييرا. وينتج عن ذلك معرفة جديدة للواقعي، معرفة لازالت في طورالتكوين.

الرمزية

3

تتسرب معرفة جديدة

المخيال 1 الواقعي 2

ومع ذلك، ستستولي الرمزية بسرعة على المخيال. وسيتحجر هذا المخيال ، و يختصر في رموز، و يثبت في حقائق جامدة . سيصبح رمزية، و هذه الرمزية ستخضع بدورها لزحزحة يقوم بها المخيال في افق انتاج معرفة جديدة .

و عوض أن يكون المخيال تقهقرا نحو حالة “طبيعية ” سابقة، سيبدو كبؤرة للبناء حيث تولد رمزية جديدة قائمة على انقاض رمزية سابقة . و بناء عليه، فإننا لا نبشربالعودة الى الفوضى البدائية، كما لا نتجاهل النظام الرمزي ، بل ندعو – على العكس من ذلك – الى امتلاك المخيال بشكل كاف، من اجل رفضه في الوقت المناسب، و ذلك بخلق انزياح يثيرالدهشة و يطرح تساؤلا ويدفع الى التفكير.

و في نفس الاتجاه ، يطرح F Alquié العلاقة بين “الوعي العاطفي” و”الوعي الفكري “:

هل يعتبر الوعي العاطفي رفضا للواقع و تجاهلا له ؟ ( Alquié ص 125. 1979 )

إن مهد الوعي العاطفي هو الفكر البدائي، فهو في شكله البدئي يعد جهلا اكثرمنه رفضا.إن الوعي العاطفي لا يعرف أي موضوع . ذلك أن الانسان، خلافا للحيوان ، يولد بلا معرفة فطرية. الا أنه ، وبسرعة يظهرالى جانب الوعي العاطفي ” وعي فكري ” ينيرالاول بخلاصاته . و بعدها سندرك أن هناك كونا خارجيا ، هناك زمن و فضاء . وتلك هي شروط الموضوعية . حينها سيتغيركل شيء ، سيتحول الوعي العاطفي من الجهل الى الرفض ، وسيبدو كعنصر ثانوي في علاقته بالوعي الفكري ( نفسه ص 126).

فبينما يعين “الوعي الفكري” الثالثاتية ( الرمزية ) ، يتطابق الوعي العاطفي الذي يتحدث عنه Alquié مع ما يسميه بورس بالاولانية. ان استرساب الاولانية يثير، في خرقه لسنن ما، اندهاشا. ومن جهتها تتأسس الفرضية – وهي حجة منبعثة من الاولانية -على الاندهاش. وعند Alquié ايضا تحدث تجربة الدهشة داخل الوعي العاطفي. ” إن ” لماذا ” اذا لم يكن مهدها هوالوعي العاطفي ( لانها لا تصوغ اي شيء) فإنها على الاقل تتبلور انطلاقا منه” ( Alquié ص 127) .

و بطبيعة الحال ، فان الوعي العاطفي ، مثله مثل الاولانية، يتميز باللاتميز، والكلية، واللازمنية. “إن الراشد نفسه لا يعرف أنه سيموت الا بوعيه الفكري ، أما وعيه العاطفي فيجهل ذلك ، ويعيش حاضرا ابديا” ( نفسه ص 142) .ومع ذلك ، فان ترك الوعي العاطفي يزدهر لا يعني التقهقر نحولبس ( فوضى ) سابق عن الثقافة : “يجب الا نخلط بدون تمحيص، بين لبس بدائي سابق عن اي مبدإ للتمييز، و بين لبس مكتسب ولاحق للفعل وخاص بالوعي العاطفي كما تم الاحتفاظ به كرديف للوعي الفكري ، كخصم و كعدو له” ( نفسه ص 139 ).

إننا على اتفاق تام مع Alquié في هذا التصور ونعتبر ولوج المخيال ( الاولانية – الوعي العاطفي ) الى الرمزية ( الثالثاتية – الوعي الفكري ) ربحا ولبسا مكتسبا ، ولكننا، خلافا له، لا نضع المخيال في مقابل الرمزية ” كخصم و عدو لها “، بل نؤكد على التأثير المتبادل بين المقولتين حيث ينتج عنه معرفة جديدة للواقعي .

ملخص

الرمزية هي ما يسمح بالارتقاء الى الواقعي: ليس الواقعي في ذاته بل الواقعي المعطى، السابق عن التاويل من خلال السنن. والرمزية هي التي تسمح ايضا بالارتقاء الى المخيال ، المتميز عن الواقعي: المخيال يتسرب من خلال شقوق السنن. فالمخيال يحدث ، من خلال تسربه الى الرمزية ، زحزحة للسنن وتغييرا للمصافي، و يسمح بذلك بولوج جديد الى الواقعي: اكتشاف مظهر جديد للواقعي لم يتحدد بعد، و معرفة لم تتشكل بعد .

و مع ذلك ، وبنفس الحركة تستعيد الرمزية المخيال لكي تغتني وتستكين الى حين حدوث دخول جديد للقوى المخيالية. و يبدو ان السيرورة التي قمنا بتلخيصها هي خاصية كل تجربة فنية .

5 – التجربة الفنية

إن العمل الادبي حدث ( ثانياتية ) تتسلل عبره الاولانية الى الثالثاتية.ويقع هذا الحدث لحظة ابداع هذا العمل، ولحظة التلقي/التاويل الذي يقوم بتنشيط الحركة المولدة . وسواء تعلق الامر بالانتاج او تعلق بالتلقي ، فإن كل تجربة فنية تقتضي ضرورة مزدوجة: التحكم في الرمزية ، واحداث قطيعة معها من اجل السماح لقوى الاولانية بالدخول الى العمل الفني. ونسمي هذه القوى قوى مخيالية . إن الامر يتعلق فعلا بقوى، و يتعلق بدخولها المفاجئ ، إنه نظام الاولانية. هذا الاول الذي يصفه بورس ” بالحاضروالمباشروالطري والجديد والبدئي والعفوي والحر والحيوي والواعي والمتلاشي” .

إن خاصية الفن هي أسر هذه القوى:

وبهذا تحول الموسيقى قوى لاصوتية الى قوى صوتية، وتحول اللوحة قوى لامرئية الى قوى مرئية . واحيانا يتعلق الامر بنفس القوى : الزمن المتميز بكونه لا صوتي ولا مرئي. كيف يمكن رسم أوإسماع الزمن ؟ وكيف يمكن تصوير قوى أولية كالضغط ، والسكون والجاذبية والانجذاب والانبات. وعلى العكس من ذلك، قد تكون القوى اللاحسية لفن ما جزءا من معطيات فن اخر. فكيف يمكن رسم الصراخ اوالصوت مثلا ؟ . وعكس ذلك ، كيف يمكن اسماع صوت الالوان؟ ( G. Deleuze 1981).

إن ماهية الفن تكمن في الامساك بهذه القوى داخل شبكة الرمزية واسقاطها على شكل رموز كما يقول P. Klee :

إنني لا اتجاوزحدود اللوحة، ولاحدود اللحن، ولكني اوسع من مضمونهما. إنني امنح اللوحة مضامين جديدة، أو مضامين ليست جديدة ولكنها لم ترلحد الان. وبطبيعة الحال ، فان هذه المضامين، مثلها مثل المضامين الاخرى،تعود الى حقل”الطبيعة”، لا في مظاهرها كما يعرضها “الطبيعي” (naturaliste) ، ولكن في امكانياتها. إن هذه المضامين تعطي صورا لطبيعة بالقوة (….) وأقول دائما بأن هناك عوالم انفتحت و تنفتح باستمرارامامنا. إنها عوالم تنتمي الى الطبيعة هي الاخرى، ولكنها ليست مرئية بالنسبة الينا. انها كذلك ، ربما، للاطفال و المجانين والبدائيين. إني افكر مثلا في مملكة اولئك الذين لم يولدوا بعد، اوالذين ماتوا. مملكة الذي قد ياتي، الذي يطمح أن يأتي، ولن يأتي بالضرورة.إنه عالم توسطي، عالم البين بين ( entremonde ). وبالنسبة لي على الاقل، فإني اسمي العالم التوسطي عالم البين بين ، لاني احس به حاضرا بين العوالم التي تُدركها حواسنا خارجيا، و لأني داخليا استطيع ان استوعبه بما فيه الكفاية لكي استطيع بعد ذلك اسقاطه خارجي على شكل رموز( P Klee ذكره F. Lyotard 1971 ص 224 ).

إن الاثرالفني هو دائما حصيلة محاولة تجسيد بعض القوى ، وتجسيد القوى المحتملة: أي العلامات النوعية ( qualisignes) (3) . ولا يمكن لهذه المحاولة ان تنجح خارج اطار الرمزية . فلا يمكننا ارسال (نعبرعن، نبلغ ) علامة نوعية الا من خلال القطيعة مع سنن سائد. إن محاولة فعل ذلك ” مباشرة ” عملية مآلها الفشل .

ولعل هذا هوالسبب الذي كان وراء فشل مشروع ( E. Weston ) عندما حاول، ببساطة ، تجسيد ” تجليات الكينونة ” ( epiphani de l’être) . وقد شرح في مذكراته كيف أنه حاول أن يمسك ، في بصمات العرضي و المتعدي، بالحضورالثابت والنهائي، واللازمني للطبيعة .

لقد كان ينوي تثبيت ماهية الاشياء في امتلائها من خلال تصويره فوتوغرافيا، سلسلة من الصدفات ( coquillage ). إلا أن هذه العلامة لم تؤد ما كان مطلوبا منها. فقد أُول عمله من طرف اصدقائه وفق خانة الرمزية الجنسية:

من سوء حظ واسطون أنه أدرك شخصيا الهوة الفاصلة بين تصوره النظري وبين الوضع الابلاغي الحقيقي لهذه الصور. ولقد أتاحت له هذه الصدفات فرصة إدراك ذلك. وهذه الصدفات تشكل فعلا صورا / رموزا لفنه . لقد كان يتصور أن هذه الصور يجب أن تكشف عن الماهية الحقيقية للصدفات النوتيلية( coquillage nautilus ). والحال أن ” المذكرات ” ( day books) تخبرنا أن اصدقاءه، و قد كانوا يقاسمونه نفس الاديولوجية القائمة على التدليل الايقوني، عبروا عن موقف مغاير. لقد احسوا امام هذه الصور بصدمة فيزيقية شبقية إن لم تكن جنسية (….) فما كان يجب أن يكون “تجليات للطبيعة ” تحول إلى ذريعة لهذيان جنسي. و لقد كان على واسطون أن يتوقع رد الفعل هذا، ذلك أن التثمين الايقوني لجوف الصدفة وكذا فكرة (وهي فكرة عبثية نسبيا يجب الاعتراف بذلك ) تقديم صدفتين متداخلتين لا يمكن أن توحيا الا بسلسلة من التداعيات الجنسية. هذا دون أن نتحدث عن الايحاءات اللسانية للفظ schell. ولقد احتج واسطون على هذا التاويل: ” لا، لم أفكر في الجوانب الفيزيقية ابدا، لقد كنت أشتغل بنظرة صاحية، تلك النظرة التي تعود إلى الشكل الجمالي الخالص. وأنا أعرف جيدا ما أنجزته من الداخل، إنه إحساس بالحياة لم أستشعره أبدا من قبل. بل أكثرمن ذلك، فعندما قمت باستخراج الصور، أدركت طبيعة ما قمت بإنجازه. ذلك أنني كنت واعيا بالاشياء التي أقوم بها “.إن” التجليات” التي أحس بها واسطون، تلك التجربة الوجودية للرؤيا الانطولوجية لكينونة العالم، لم تودع داخل الصورة. فإذا كان التنظيم الايقوني بالنسبة للمصور، هو حصيلة رؤيا داخلية و صوفية، فإن هذا التنظيم الايقوني نفسه، في غياب ذاكرة التجربة التي حفزت ولادته وتنظيمه الخاص، سيشكل عند المتلقين نقطة انطلاق لسلسلة من التداعيات الجنسية ( J. M.Schaffer 1987 ص 181- 182) .

إن عملا أدبيا لا يكلف نفسه عناء بناء رمزيته الخاصة عبر تدمير الرمزية الموجودة قبله، سيؤول لا محالة وفق اسنن سابقة. وهذه الأسنن، في سكونيتها، تتميز بكونها غير قابلة للخرق، وموصدة في وجه الأولانية والمخيال. وقد تكون قادرة على منحنا واقعا مهترئا، ولكنها عاجزة على خلق معرفة جديدة . إن الوصول إلى الحقيقة الجديدة ليس ممكنا إلا حين تتسلل هذه الحقيقة خلسة من خلال إحداث قطيعة مع الأسنن وزحزحتها من موقعها : “إن الحقيقة لا توجد في نظام المعرفة، إننا نصادفها في لانظام هذه المعرفة باعتبارها حدثا (….) إن الحقيقة تباغتنا كشيءلا يوجد في مكانه، إنها منزاحة، وباعتبارها كذلك فإن مآلها الاندثار: لا مكان لها ولا مرجعية لها”. ( J F Lyotard,1971 ص 135 ).

إن اقتحام الأولانية للثالثاتية هوالذي ينتج الاثرالفني، ويثير الانفعال ويطلق عنان سيرورة التأويل المؤدية إلى معرفة جديدة. والغريب أن جريدة La cité ( 15 سبتمبر 1987 ) استخدمت من أجل جلب مشتركين جددا الشعار التالي :

” الثقافة انفعال ”

لا نعتقد أن الانفعال يوجد في الثقافة، كما لا نعتقد أنه يوجد خارجها. إنه يوجد بالتدقيق في حركة القطيعة معها. فبقدر ما تكون الثقافة سابقة ومتجذرة وسائدة، بقدر ما يكون انفعال القطيعة شديدا. فمن أجل قبول شعار” La cité ” علينا أن نمنح الانفعال معنى مزدوجا، تماما كما فعل بارث ( 1973 ) مع لذة النص. فقد ميز بارث بين اللذة كاكتفاء، وكنشوة و كغبطة وامتلاء واسترخاء، كاحساس دسم حيث تلج الثقافة بحرية، وبين اللذة كشهوة، وكهزة مدمرة، كضياع، واغماء وتدمير للثقافة. ” نص اللذة، هو ذلك النص الذي يرضي و يملأ ويدفعك إلى النشوة، إن الذي يأتي من الثقافة ولا يحدث قطيعة معها يدخل ضمن الممارسة المريحة للثقافة: “إن نص الشهوة، هوذلك النص الذي يضع القارئ في حالة ضياع، ويقلقه ( إلى حدود الضجرأحيانا)، الذي يزحزح الأسس التاريخية و البسيكولوجية للقارئ، و يمسه في ذوقه و قيمه وذكرياته. إنه يشكك في علاقة هذا القارئ باللغة” ( بارث 1973ص 25 ) .

لا نستطيع مقاومة اللذة في ختم مقاربتنا للعلاقة بين الرمزية والمخيال، و مقاربتنا للثقافة والقطيعة معها، دون أن نحيل على نص مـــرغريت دوراس الذي يعد في نظرنا نص لذة بامتياز. ففي روايتهـا L. Emily هناك صورة جميلة لما يمكن تسميته باسترساب الأولانية وأثرها في الانزياح الذي ُيحدث ، و” هذا هو الأهم “، امتلاكا جديدا للواقع. إن الفقرة التي سنوردها تقع في قلب حكاية اميلي. إن الامر يتعلق بقصيدة ضائعة، مسروقة وضعت على الطاولة أثناء الكتابة. وبعد ذلك بكثيرتتذكرالكاتبة هذه القصيدة :

– هل تتذكرون ما كنتم تودون الحديث عنه ؟

– عن أشعة الشمس الشتوية هاته، تلك التي تتسرب من حيثما وجدت منفذا، أكان أبسط الشقوق الموجودة في السقف أوالثقوب الصغيرة التي تصنع في جناح الكنيسة عنوة لكي يمرالضوء ليلج إلى الكتدرائية ويصل إلى ديجورالبلاط.إن الشمس في الشتاء صفراء يودية دموية. كنت أقول إن أشعة الشمس تدمي مثل سيوف سماوية، وإنها تخترق القلب … دون أن تترك ندبة، لاشيء سوى، …لقد نسيت و هذا هو المهم، سوى تلك …

استعادت أنفاسها و قالت باسترسال:

– سوى تلك المتعلقة باختلاف داخلي في قلب الدلالات ( دوراس 1987 ص 1113-114 ) .

هذا ما يقدمه دخول الأولانية في الثالثاتية: اختلاف في قلب الدلالات، إنه يقدم معرفة جديدة، تغييرا في نمط السلوك والتفكير والاحاسيس، و باختصار تغييرا في نمط الحياة.

بإمكاننا، دون شك، أن ندفع بمقولة التجربة الفنية لكي تشمل ليس إنتاج وتلقي أعمال فنية منجزة فقط، بل لتشمل كل إجراء يقود، في الحياة اليومية، الى امتلاك جديد للواقع بفضل دخول الممكن في السنن .

6 – مثال من مسرح اوسكار شليمير

لقد كان شليميـــر ( 1888 – 1943) منشطا للمسرح التجريبي ب . بوهوس ( Bauhaus ) من 1923 الى 1929. ولقد قام بتطوير مسرح تجريبي وأنجز مجموعة من الباليهات ( Ballets ) كـ “البالي الثلاثي” و “رقصة الفضاء” و “رقصة الاشكال” و”لعب البناء” و “رقصة الحركات”. و قد شرح تصوراته للمسرح في مجموعة من المقالات (ترجمت إلى اللغة الفرنسية و جمعت في كتاب سنة 1978 ).

و يبدو أن المشروع المسرحي الذي قدمه شليمير يعد نموذجا للاجراء الذي نحاول وصفه من خلال مقولات بورس الثلاث. إن الامر لا يتعلق بالنسبة لشليمير بإخراج مسرحي للواقع:

إن وسائل كل فن هي وسائل اصطناعية، ومن المفيد لكل فن أن يتعرف على أدواته ويؤكدها .

إن المسرح، عالم الوهم بامتياز، يحفر قبره بنفسه، عندما يصر على الوصول إلى الواقع، وكذلك الأمر بالنسبة للميم(mime)، عندما نسي أنه خدعة أولا و قبل كل شيء.(شليمير1978 ص 27 ).

إن المسرح الذي يقترحه مسرح تجريدي:

ماذا تعني، و على ماذا تدل مقولة تجريد؟ إنها تعني بصفة عامة التبسيط والاقتصار على الأساسي، على الأولي والبدئي بهدف مقابلة الوحدة بتعددية الاشياء. وبهذا المعنى، فإن التجريد هواكتشاف للقاسم المشترك، واكتشاف الطباق ( ليس في الموسيقى فحسب ) والقانون داخل الفن ( نفسه ص 71 ).

من الواضح، أننا أمام مقولات بورس: الثانياتية ( تعددية الاشياء) مرفوضة لصالح مقاربة للثالثاتية ( القاسم المشترك، القانون ) ومقاربة الأولانية ( الأولي، البدئي، الوحدة ). إن طريقة شليمير في العمل تكمن في انتزاع علامات نوعية من الواقعي ( أشكال، ألوان، حركات) والرفع بها إلى أعلى درجة من القوة باتباع قوانينها الخاصة، ويجب تجنب خلق وهم طبيعي. فالألوان مثلا لا تملك دلالات أخرى غير قوتها الخالصة:

إننا لا نستخدم الإضاءة للتعبيرعن الشمس، و لا عن القمر، لا للصبح ولا للزوال، ولا للمساء ولا لليل. إننا نترك الإضاءة تتصرف باعتبارها إضاءة فقط: أي صفراء و زرقاء، حمراء ، خضراء، بنفسجية الخ .إننا لا نشحن هذه الظواهرالبسيطة بدلالات مثل: أحمر = شيطاني، أزرق/ بنفسجي = صوفي، برتقالي = مساء. على العكس من ذلك، علينا أن نفتح أعيننا وحساسياتنا للقوى الخالصة للألوان والإضاءة ( نفسه ص50 ).

لقد أمسك شليمير بالحسي من خلال عمل موجه ضد الطبيعة، أداته في ذلك الرياضيات الفنية والميتافيزيقية. إن الحسي ( الأولانية) والعقل (الثالثاتية ) يجب أن يتبادلا التأثير باستمرار: “إن الخطر يهدد من ناحيتين : فالانطباعية والحساسية قد تأخذان شكلا حماسيا أو شكل رومانسية عديمة الجدوى، إنه الميل إلى العاطفية والحساسية الزائفة. أما جهود الخضوع للقوانين فقد تقود إلى التحجر والعقائدية والالية” (شليميرص89 ).

إن الحسي والعقلي يتجسدان داخل الكائن الإنساني بامتياز: “وبقدر ما يشكل هذا الكائن الإنساني جهازا من لحم ودم، بقدرما يشتغل كميكانيزم مصنوع من الأعداد و القياسات ( نفسه ص 40 ).

ومن أجل وضع ثنائية الكائن الإنساني على خشبة المسرح، علينا اغفال النماذج المحسوسة ( الثانياتية )، علينا أن نقوم بتنميطها. ومن هنا كان استعمال ملابس خشنة وملونة: الأقنعة والاكسسورات كالقضبان والعكاكيز” كما يجب التهييء لحضورالممثل الى خشبة المسرح بابرازالقوانين الخاصة للفضاء الذي يحتوي حركات هذا الممثل. و من هنا أيضا يأتي استخدام التحديد الهندسي للفضاء الارضي (sol)، والحبال الممتدة التي تشد زوايا المكعب الفضائي: “فمن هندسة الفضاء الأرضي، ومن تتابع الخطوط المستوية، والمنحرفة، ومن الدائرة ومن المنحنيات، ينبعث التنظيـم الثـــابت للفضاء عبرعمودية الصورة الراقصـــة والمتموجة ( نفسه ص 41 )

وسيكون ظهورالإنسان حدثا داخل هذا الفضاء. إنه يعود الى الثانياتية. ولكن الأمر يتعلق بثانياتية جديدة، مبنية ومفصولة عن الثانياتية الطبيعية وعن الواقع اليومي. وبمجرد دخول الممثل إلى الخشبة “سيسحره هذا الفضاء” و تكتسب كل حركة من حركاته دلالة كلية.

إن الإنسان يحتوي في داخله على إمكانية أخرى: الصوت، الكلمة، اللغة. فإذا كان التلفظ بكلمة هو الحدث المنتظر، الغاية النهائية للمسرح، فإن شليمير يؤجل هذا الحدث لأنه يريد أن يمسك بالكلمة في أولانياتها، في امتلائها عندما تتجرد من الدلالات المكتسبة، الشفافة والطبيعية:

إننا نعترف بأننا كنا حذرين في تعاملنا مع الكلمة، لا من أجل نفيها، ولكن من أجل الاستيلاء عليها تدريجيا. فنحن واعون بأهميتها. سنكتفي الآن باللعب الصامت للحركات، وبالايمائية. ونحن على يقين أن الكلمة ستظهر ذات يوم. و بما أننا نريد الإمساك بالكلمة في ” لاأدبيتها” في طابعها الأولي، كحدث، وكما أدركت لأول مرة، فإن هذا سيجعل من هذا الحقل حقلا إشكاليا ( نفسه ص 48).

إن الكلمة تظهر في نهاية “رقصة الحركات” عندما يجتمع الممثلون الثلاثة الذين يشكلون الباليه، والذين كانوا يتحركون كل لوحده، ويعلنون وحدتهم: كلمة، كلمة واحدة تعبرعن توحدهم: الاخوة.

إن عدد الممثلين في جل باليهات شليميرثلاثة. فنحن نعثر على نفس الاتجاه الثلاثي كما هو الشأن مع بورس:لماذا ثلاثي؟ لأن العدد ثلاثة عدد سائد و بالغ الاهمية، حيث يتم فيه تجاوز”الانا ” الاحادية ( Monomane )، وتناقض الثنائية، وحيث يبدأ الجماعي ( نفسه ص 133).

و كل واقعي يتميز بلون خاص : الازرق، الاحمر، الاصفر. إنها الالوان البدئية الثلاثة التي يربطها كاندينسكي، زميل شليمير، بثلاثة اشكال: الدائرة زرقاء، المربع احمر، المثلث اصفر. وتتطابق هذه الالوان و هذه الاشكال في نظركاندينسكي و ايتين ( ITTEN ) ، مع مجموعة من الطبائع . فالدائرة هي العالم الروحي للمشاعر، والنفحة المتموجة، الماء السائل.المربع هو العالم المادي للجاذبية والكونية. والمثلث هوالعالم الفكري والمنطقي، عالم التركيزوالضوء والنار. و يقترح كاندينسكي وإيتين لوحة تلخص سلسلة التطابقات هذه:

الون الشكل الزاوية (الخط) كثافة الاتجاه العنصر النوع

اصفر مثلث حاد30-60 حار امام نار فاعل فكري

احمر مربع قائمة 90 حار وبارد امام -خلف الارض فاعل منفعل سكون

ازرق دائرة منفرجة150 بارد وراء ماء-هواء منفعل حسي

إن الاشكال البدئية الثلاثة تتطابق مع مقولات بورس الثلاث من الزاوية الرياضية و من الزاوية الفلسفية. فالدائرة هي صورة الأولانية، إنها مشكلة فقط من خط واحد متواصل، و بهذا فإنها صورة المشاعروالمحسوس. أما المربع فيعبرعن الثانياتية، العالم المادي. إنه يتشكل من خطين متوازيين بشكل مزدوج مع زاوية قائمة. أما المثلث فيتشكل من ثلاثة أجزاء مستقيمة، و يرمزإلى الثالثاتية، عالم الفكروالمنطق.

ولقد قام شليمير باستثمار التطابقات التي أنجزها كاندينسكي وإيتين في رقصة الفضاء. فقد أسند إلى كل راقص لونا ونمطا للسلوك: الأزرق يتنقل ببطء، و يتهادى على إيقاع صندوق كبير. أما الأحمر فيمشي بسرعة على نغمات طبل. في حين يتهادى الأصفر بخطوات سريعة وصغيرة على وتيرة اصطدام خشبين.

أما في “رقصة الحركات”، فكل ممثل يتطابف مع مقعد معين. وهذه المقاعد موضوعة بشكل منحرف: يسار- يمين المربع المرسوم على الخشبة. هناك كرسي في مقدمة الخشبة مخصص للأصفر، و في وسط الخشبة هناك طابوريه مخصص للأحمر، و هناك دكه في مؤخرة الخشبة خاصة بالأزرق. إن هذه المقاعد المختلفة تسمح لكل ممثل باحتلال موقع، بحيث إن الممثلين يشكلون بأجسادهم أما زوايا حادة بالنسبة للاصفر، وأما زوايا قائمة بالنسبة للأحمر، وأما زوايا منفرجة بالنسبة للأزرق:

إن كل ممثل يعبر عن طابع خاص: فالأصفر نشيط، و الأزرق خامل، و الأحمريزاوج بين الطابعين:

أ- أصفر: يدخل الأول إلى الخشبة. يتقدم أو يتراجع بقفزات على رؤوس الاصابع، إنه يقوم بحركات سريعة، و يطلق صرخات حادة و مختصرة، يجلس في مقدمة الخشبة و يأخذ المبادرة في خلق حوار مصطنع .

ب – أحمر : يدخل الثاني إلى الخشبة. إن مساره مكون من زوايا مستقيمة. خطواته بطيئة ( جاذبية و سكونية ) يميل أحيانا إلى ( أ ) و أحيانا إلى (ج). يضحك بطريقة ( أ ) أحيانا و بطريفة (ج) أحيانا أخرى. فهو ساكن في استماعه إلى (أ) و نشيط في حديثه إلى (ج) . إن حركاته بطيئة و سريعة. إنه الوسط بين (أ) و (ج)، إنه يجلس بينهما أبعد من (أ) من المتفرجين وأقرب إليهم من(ج).

ج- أزرق : اخر من يدخل الى الخشبة، و يفعل ذلك بطء، منحني على الأرض متكئا على يديه، مشكلا بجسده زاوية منفرجة (150درجة) (التوتر شبه غائب). وبينما توجد علاقة حميمية بين (أ و ج) (يضحكان ويضربان فخذيهما) يظل (ج) خاملا (باردا) و ضائعا ( E. Michaud ص 134.-135)

إن هذا التأثير المتبادل بين هذه الأنواع الثلاثة هو ما يضعه شليمير على الخشبة. وتتطابق هذه الأنواع مع مقولات بورس: الأولانية، الثانياتية، الثالثاتية. إن هذا الإخراج يتطور في انزياح عن الواقعي، و في علاقة جدلية بين الرمزية (قوانين الرياضيات) والمخيال (القوى الحية). وتنتج هذه العلاقة، على الخشبة، واقعا جديدا وتثيرعند المتلقي أثرا انفعاليا ومعرفيا. إن المسرح يقود المتفرج، انطلاقا من هذه الخصائص، إلى اكتشاف الأساسي، و يقترح عليه امتلاكا جديدا للواقع. و يكمن هذا الامتلاك في الإمساك بالوحدة العميقة (أولانية / ثالثاتية) تحت التمظهرات المتنوعة (الثانياتية). إن هذا المسرح يجعل المتفرج “يكشف عن جذورتلك القوى المولدة للحي” ، تلك القوى “المنتجة للمحسوس” (أولانية) و”المؤسسة للقوانين” (الثالثاتية) في نفس الآن.

الهوامش (الهوامش من وضع المترجم)

1) فانوروسكوبيا: هي وصف المقولات العامة (الأولانية، الثانياتية، الثالثاتية). إنها مشتقة من (Phaneron) التي تعني ” كل ما هو ظاهر” و (phaneron) هو” المجموع الكلي لكل ما هو حاضر في الذهن بأية صفة و بأية طريقة، دون الاهتمام بتطابقه أو عدم تطابقه مع شيء في العالم الخارجي” (Peirce, ecrits sur le signe p 67) و في رسالة إلى السيدة ويلبي يحدد بورس الفانوروسكوبيا بقوله “إنها وصف وتصنيف الأفكار الخاصة بالتجربة العادية، أو تلك التي تظهر، بشكل طبيعي، من خلال الحياة العادية دون الاهتمام بصحتها أو بعدم صحتها” (نفسه ص 22). إنها بهذا المعنى محاولة لرصد أشكال الوجود الخاصة بإدراك العالم الخارجي عبر المراحل المحددة في المقولات العامة.

2) المصافي: إن الحديث عن المصافي (Filtres) معناه الإقرار بأن إدراكنا للعالم الخارجي لا يمكن أن يكون مباشرا. ذلك أن العلاقة بين الإنسان و العالم الخارجي محكومة بفعل التوسط الذي تقوم به الأشكال الرمزية (كاسيري)، أو النموذج العام الذي يحتوي في داخله على مجموع التجارب الفردية كأشكال متنوعة لنموذج عام. فلكي يكون هناك تواصل، يجب إيجاد خانة تسرب عبرها مجموع التجارب الفردية لكي تصبح قابلة للنقل (سابيرSapir)

3) العلامات النوعية (qualisignes): بإمكاننا، حسب بورس، تحديد توزيع ثلاثي للعلامة انطلاقا من المقولات العامة (الاولانية، الثانياتية، الثالثاتية). وهكذا، فإن التوزيع الأول يتحدد من خلال النظر إلى الماثول إما في أولانيته و إما في ثانياتيته وإما في ثالثاتيته. ففي الحالة الاولى نكون أمام العلامة النوعية وفي الحالة الثانية نكون أمام العلامة المفردة، و في الحالة الثالثة نكون أمام العالامة القانونية. و العلامة النوعية هي “نوعية تشتغل كعلامة” فكل النوعيات، و كل الأحاسيس مفصولة عن سياقها يمكن ان تشتغل كعلامة .

تقديم وترجمة

سعيد بنگراد

كلية الآداب – مكناس