المكان الشعري في قصة الخلق/ النص القرآني

عبد الرسول عداي – بغداد – العراق

تتفاعل الطرق التحليلية التي يستخدمها البحث مع النص القرآني لقصة الخلق التي تتوزع على خمس سور هي :

-سورة البقرة (مدنية) عدد الآيات التي تذكر الخلق عشر آيات، من 30-39

-سورة الأعراف (مكية) عدد الآيات التي تذكر قصة الخلق سبع عشرة آية من 11-27

-سورة والحجر (مكية) عدد الآيات التي تذكر قصة الخلق إحدى وعشرون آية من28-48

-سورة طه (مكية) عدد الآيات التي تذكر قصة الخلق تسع آيات من 115-123

-سورة ص (مكية) عدد الآيات التي تذكر قصة الخلق خمس عشرة آية من 71-85

ومع تكرار بعض مقاطع القصة تتكرر الأمكنة، وهي : (الملأ الأعلى-الأرض- السموات الجنة- النار- الشجرة)، مع أفعال رئيسية تؤلف محور السرد هي : ( الخلق التعلم-السجود-العصيان-السكن-التحذير-الانخداع- التوبة-الهبوط-الصراع-الوعد-الوعيد)، أما أصوات النص القصصي فهي (الله عز وجل-الملائكة- آدم/زوجه- إبليس/الشيطان).

ومن الملاحظ أن المكان يؤلف المحور الرئيسي الذي ينطلق منه وإليه السرد :خلافة الأرض- آدم،(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة….) البقرة- 30

-خلق آدم -من الأرض، (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين) ص 71

-تكريم آدم الجنة (وقلنا يا ادم اسكن أنت وزوجتك الجنة وكلا منها رغدا) البقرة 35

-اختيار آدم -الشجرة (… ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) الأعراف 19

-عقاب آدم -الخروج من الجنة (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو…) الأعراف 24

-عقاب ابليس الخروج من الجنة (قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) الأعراف13

-مسرح الاختبار -الأرض (قال ربي بما أغويتني لازين لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين) الحجر 39

-مسرح الصرع -الأرض (قال اهبطا منها بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) طه 123

-الطريق المستقيم -معيار الانحراف (قال هذا صراط علي مستقيم) الحجر 41

– الأرض-الموت( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون ) الأعراف 25

-الثواب الجنة (ان المتقين في جنات وعيون) الحجر 45

-العقاب -النار (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) البقرة 39

فالمكان في قصة الخلق / النص القرآني نابض، ومتفاعل، وليس وعاء للحدث فقط، فالمكان كما يرى الفيلسوف باشلار في كتابه شاعرية أحلام اليقظة: ((المكان ليس بمثابة الوعاء أو الإطار العرضي التكميلي، بل ان علاقته بالانسان علاقة جوهرية تلزم ذات الانسان وكيانه)) (1). وفي النص القصصي لم يكتف المكان بأن يكون لحظة في آنية التفاعل مع الشخصية بل صنع له -امتداد- مصيري معها، من حيث كونه القيمة التي تعبر عن نمطها الحياتي بوجهي المعيار -الثواب/ العقاب .

ومقدما لا بد أن نتعرف على مظاهر المكان وهي مظاهر مترابطة، متداخلة، وسيكون الفصل بينها فصلا لزاوية الرؤية التي ننظر منها إلى المكان، وليس فصلا لطبيعته المكونة، ولا يخفى أن أبرز مستويين لوجهة النظر تتمثلان في وجهة النظر الذاتية، ووجهة النظر الموضوعية، وهما يقابلان في التصنيف المكاني، المكان الأدبي، والمكان الجغرافي. والجغرافيا Géograghie، وكما يدل عليها أصلها الاغريقي، تعني وصف الأرض /كتابة الأرض، وبذلك حددت نفسها كعلم موضوعه وصف وشرح المكان لوجه الأرض (2) بتعدد مظاهره المختلفة من سهول وهضاب وجبال وأنهار وبحار… الخ. فهي تتحرى الوصف الموضوعي في التعبير عن المكان الجغرافي، المكان الموجود، لا كما نشعر به ولا كما نحلم به، المكان من حيث كونه ظاهرة طبيعية ونتعامل معها وفق نظرة علمية.

أما المكان الأدبي فإنه أكبر من وجه الأرض، وأعمق من عمقها، إنه يرتفع حتى النجوم، يخاطب القمر، يسبح مع ضياء الشمس، يتجول بين عصور الأزمنة، يخترق فؤاد الآخر ويسكن مشاعره، يتوسع حين الغبطة وتنكمش كل الأرض إلى أمتار الغرفة حين اليأس إنه مكان الحلم، وإنه المكان المفقود الذي يبحث عنه الأديب بمنظاره الخاص، والمكان الأدبي نستطيع أن نميز فيه مستويين :

المستوى الأول : المكان المتمايز الذي يرتبط فيه الوصف مع الدقة ويرتبط فيه المكان بالسيرورة الزمنية وهو يمثل المكان الروائي.

المستوى الثاني : المكان الشمولي الشعري، وهو بلا ضد، يلفه الغموض من خلال غموض هوية الشيء أو غموض الشيء نفسه وعلاقتنا به، وبذلك فإن هذا الغموض ليس جوهريا في الأشياء، بل المجال الذي تثيره فينا. فالأشياء شعرية كما يؤكد جان كوهن (Cohen) لا من خلال محتواها ولكن من خلال بنيتها، ما دامت تملأ شمولية المكان الذي تحتله ولا تترك من ثم أي موضوع لنقيضها الخاص (4)

المكان الشعري / القمر -الصحراء

في كل الأزمنة والامكنة والثقافات يكون القمر بؤرة للحس الشعري، وعند تحليل شاعريته نرى أن الفارق بين الصورة /السطح والعمق/ الفاصل يتلاشى من خلال كثافته الضوئية الضعيفة التي تنشر اضاءة غامضة تجعل كل موضرع ينغمس في المجال المجاور له، بل يتداخل معه، وبصورة غير قابلة للتمايز، فالاشجار والبيوت تتماحى كما لو أن الفضاء المحيط بها يذيب فواصل السطوح، وبذلك يصبح المكان شموليا، تأثيرا (5) .

هذا التأثير الذي يمنحه الأدب للمكان يتم بتجاوز عناصره الموضوعية كما يشير إلى ذلك باشلار بقوله >حين نمنح شيئا مكانا شعريا يعني أن نعطيه مساحة أكثر مما نعطيه موضوعيا <(6) هذه المساحة الشمولية متحددة وغير خاضعة لأي فواصل متمايزة على مستوى هوية المكان والسيرورة الزمنية لكي >تمد الفاعلية التي تتسم بها الشاعرية المكانية إلى المدى اللانهائي< (7)، وإذا كان الليل مصدرا لا ينفد للشعر فذلك لنفس السبب البنائي، فكل موضوع يظهر وكأنه لون من الطيف ينتمي إلى المجالات المتجاورة غير المتمايزة.

أما الصحراء فالسائر فيها يرى الأفق على مرمى النظر محيطا به من كل جانب، دائرا حوله كما تدور الدوامة الهائلة، تشعره بالامتداد والعزلة، وهو لا يستطيع أن يبلغ مداها أو يصل إلى طرف منها، إنه يسير ولكن الدائرة تدور حوله وتكبر، وتغطي كل شيء وتبتلع من ورائه كل أثر يخلفه، وهذا الحارث بن حلزة اليشكري -أحد شعراء المعلقات- ينظر خلفه في دائرة الصحراء الشاسعة فيرى كيف تمحو الصحراء أثار طرقات خفاف ناقته: وطراقا من خلفهن طراق ساقطات ألوت بها الصحراء (8)

وتلهم الصحراء صورتها للأعشى من خلال صورة الشمس المتدلية وهي تقذف المخلوقات بحرارة ملتهبة، فتكمن الظباء في مخابئها كما تكمن الشابات في الخدود، وينهض الشاعر إلى ناقته بعد أن عصب رأسه متأهبا للابحار فوق رمالها، وفي ليلها الذي تتساوى في عتمته الرؤية والعمى، فينشد :

ويوم من الشعر كأن ظبـــــــــاءه كواعب مقصـور عليها ستورها

عصبت له رأسي وكلفت قطـعه هناك حرجوجا بطيئـــــا فتورها

تدلت عليه الشمس حتى كأنها من الحر ترمي بالســـكينة قورها

وليل يقول القوم من ظلـــــــمائه سواء بصيرات العيــون وعورها (9)

ويتحول تأمل الصحراء اللامحدودة إلى بؤرة للشعور عند النابغة الذي يخاطب النعمان بن المنذر:

فإنك كالليل الذي هو مدركي وان خلت المنتأى عنك واسع (10)

ومن ثم يجد الشاعر أن المكان ينفتح على داخله ليحفر فيه امتداده اللانهائي.

بل ترى امرأ القيس في معلقته يرسم صورة فنية رائعة حينما يقوم بعملية المزاوجة بين مكانين شعريين هما، الليل والبحر، ومن ثم يجعل من ذاته محتوى للهموم، فتنطلق منها صور شتي تتوالد في امتداد تأثيري متصاعد.

وليل كموج البحر ارخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي (11)

والان هل يكفي أن يكون المكان شموليا غامضا تأثيرا لكي ننعته بالشعري ؟

العلاقة الشعرية : (الترابط الشعري بين المكان والشخصية)

لاحظنا شاعرية الأشياء تتعلق ببنيتها الشمولية، فالصحراء ليست شعرية باعتبارها منطقة جغرافية تغطي سطحها الرمال، وتضمحل فيها أسباب الحياة، بل من مظهرها اللامحدود، ومن ارثها المؤثر في الوعي الجمعي من حيث كونها مكانا للضياع/العزلة، باختفاء حدي التمايز، وهي لا تظهر بهذه الصورة إلا حينما نكون داخل عالمها الخاص، لكي نكشف للملاحظ من الداخل عن جوهرها الشعري المتنوع، وقد ميز جان كوهن قانونين يمثلان الجزء المهم في بنية الغموض التي تتوضح من خلالها الطاقة الشعرية هما العزل -العلاقة (12) ، والأول يتعلق بالمكان أما الثاني فيدرس علاقة الشخصيات بالمكان، فما توفره الصحراء من عزلة، توفر بالموازاة علاقة جديدة تظهر بين الشخصية /الانسان/المكان/الصحراء. ولعل حكايات ألف ليلة وليلة مثال زاخر لتنوع المكان الشعري، وشيوع فضاءاته، وغرابة تقديم المكان للمتلقي، والأهم من كل ذلك الشخصية الشعرية الموازية للمكان مثل السندباد البحري، الحوريات، السحرة، العفاريت، وهي تسبح بين الغيوم أو تغوص إلى أعماق الأرض كما هو شأن العفريت جرجريس الذي لما اختطفت الصبية الأميرة، ليلة زفافها، غاص بها إلى أعماق الأرض، ووضعها في قصر (13)

بل يمكن أن يتحول المكان إلى مفتاح للرؤيا يقود الشخصيات للاحداث داخل القصة كما في قصة يوسف /النص القرآني (14)، كما يمكن للشخصية أن تقوم بدور شعري للمكان كما في قصة العبد الصالح مع موسى/ النص القرآني، الذي تسبق معرفته الحدث فيقوم بالفعل المضاد لمستقبل المكان (15)، وتبلغ أقصى حالات الاندماج بين الشخصية والمكان في أنسنة المكان، كذلك يمكن أن نضيف حالات التكبير والتصغير كما في تصغير الأعشى لبلده إلى حد قرص بحجم الذراع. وبلده مثل ظهر الفرس موحشة … للجن (16)… مجالات إضافية تساعدنا على فهم أعمق لشعرية المكان .

المكان الشعري / قصة الخلق

استعار كريماس مصطلحي الانفصال /الاتصال من المنطق الرياضي وبرهن أن كلا المستويين يحدث في مجال الشخصية والمكان (17) معتبرا أن وظائف الرحيل -الانطلاق- الانتقال عند بروب مؤلف الانفصال أما وظيفة العودة فأعتبرها شكلا للاتصال بين الشخصية والمكان.

ومن الملاحظ أن كريماس كان يدرس الشخصية وفق اتجاه كلاسيكي في تنامي الحبكة ومن ثم كان للبيئة الزمنية أثر أساسي في ترتيب هيكلية القصة، ولا يخفى أن بعض النتائج التحليلية التي توصل إليها لم تعد مجدية في ملاحقة البعثرة الزمنية في الرواية الحديثة، أو حتى القصص القرآنية،التي تبني على تقنية معينة توظف اختراقات الزمن لدلالات النص، وبالمقابل يؤكد باختين على نفي العلاقة العضوية بين المكان والزمان ويعتبرها مجرد علاقة تقنية ميكانيكية (18) ويمكننا عند ذلك أن نستنتج أن الاتصال والانفصال يمكن أن يحدثا في آن واحد عبر حذف الزمن، فالرحيل من مدينة (أ) إلى مدينة (ب)، يقابل العودة من مدينة (أ) إلى مدينة (ب)، وكل هذا خاضع لاعتبار أي المدينتين يمكن أن تشكل المكان -البؤرة (19) في النص، وبذلك في محاولة للاقتراب من قانوني الطاقة الشعرية العزلة/العلاقة من خلال مفهومين شكليين هما الانفصال/الاتصال، فما صير جزيرة روبنسون كروزو إلى مكان شعري هي العزلة (الانفصال عن العالم) والعلاقة (الاتصال بالمكان)، إن قيام الوظيفتين في آن مزدوج يخرقان التضاد الواقعي لهما، وبذلك تحصل الأشياء على شاعريتها وهي تملأ مجالها بالتأثير .

وقد توحد هذان القانونان بالغموض الذي يتجه نحو المكان، والغموض الذي أصاب مستقبل الشخصية، لذا كانت كل الجزيرة (المكان) مسرحا للكشف، وبالمقابل كان كل زمن الرواية (الزمان ) مسرحا للتوقع.

هذا الغموض ورغبة الكشف يعبر عنه كوهن بالتأثير الساحر الذي يجتاح المكان الروائي، ويعتبر أمثولة قصص الكنوز الطريقة التي تقسم المكان إلى متناقضين قسم يوجد فيه وقسم لا يوجد فيه وفي لحظة الاكتشاف يفقد المكان كثافته الشعرية ويعود إلى النثر(20) وكذلك الحال في القصة البوليسية التي يلعب التوقع مع الشخصيات إلى رسم تقسيم مضاد -متهم- غير متهم .

وفي قصة الخلق نلحظ مثل هذا التقسيم.

كافر/مؤمن

نار /جهنم

ملاك/شيطان

ولا تغيب طريقة التوقع عن قصة الخلق بل نراها تتوسع لتشمل كل انسان في كل زمان، مكان لتكشف عن المعيار الاخلاقي في سلوكه، فمن خدعة ابليس لادم يتفشى الحذر، ويمحص كل انسان افعاله لكيلا تكون من خدع الشيطان، وتشد الاية التي تنتهي فيها قصة الخلق وتر التوقع في وعي كل انسان ”يابني آدم لا يفتتنكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة” (الأعراف- 27 بالمقابل تغدو العودة إلى الجنة عبر الطريق المستقيم الامل الوحيد الذي يتطلع إليه الانسان للظفر بالنعيم الأبدي.

مظاهر المكان الشعري في قصة الخلق

المكان في قصة الخلق تغيب عنه كل مفردات الجغرافية، بل يتعامل النص مع مظاهر المكان باعتبارها عوالم كونية منفصلة تماما ترتبط من خلال السرد، مثل : الملأ الاعلى/الأرض / السموات /الجنة/ النار.

وبالطبع فإننا لا نستطيع أن نطلق على تلك العوالم أمكنة متمايزة، لان النص حولها إلى فضاءات شمولية غير محددة (21) ، فوهب لها صفة واحدة تمثل ارثها في الوعي الانساني باعتبار قيمتها، مع ملاحظة أن النص هو خطاب أخلاقي موجه.

في إخراج -طرد /ابليس > قال اخرج منها مذموما مدحورا، لمن تبعك منهم… ”الأعراف < 18 في الهبوط من أعلى إلى أسفل >قال فاهبط منها ”الأعراف< 13

إن كلا الانتقالتين المكانيتين سواء الأفقية/الخروج، أو العمودية/ الهبوط لها قيمتها المعيارية في تدرجات الإيجابية والسلبية.

وعلى العكس من ذلك حالة المؤمنين :

>إن المتقين في جنات وعيون … ادخلوها بسلام…< الحجر 40-46

فهذا أيضا حركة أفقية /الدخول، لكنها اكتسبت قيمة ايجابية فارقة، ثم إن اتجاه الحركة لا يمثل المعيار بل تدخل وفرة عناصر المكان المرتبطة بالشخصية ، فالجنة مكان آمن تتوفر فيه كل أسباب الحياة الرغيدة: >وقلنا يا ادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا … <البقرة 35

>إن لك الا تجوع فيها ولا تعرى، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى< طه – 118-119

أما الأرض فمسرح للصراع وهي مستقر مؤقت للمشوار الأبدي، >قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين< الأعراف 24

أما النار فلا أمن فيها، ولا أسباب للحياة ، سوى شقاء أبدي.

ثم إن الاشارات الضعيفة حول المكان (كفواصل للتمييز) صيرته إلى مجهول/معلوم في آن واحد، فهي لا تقدم تفاصيل حول الجنة /جهنم، كمواقع وانما كقيمة للجزاء، وتلحقها بمنظور داخلي للعذاب الجهنمي، وأبوابها السبعة، وكل بوابة تكتم داخلها مفاجأة من تصوراتنا حول الشقاء.

وتنقلب الصور سريعا داخل الجنة حيث يخيم الأمن والسلام والنعيم الأبدي، وحتى -الآخر-ينزع عنه الله كل مايؤذينا كي نصل إلى منتهى النعيم .

ويمكن أن نرى في أبدية العذاب الجهنمي حيزا مغلقا لا يمكن للشخصية الخروج منه، وهي تذكرنا برواية الطاعون (La Peste 1947) لا لبير كامي وفيها يجعل أهل وهران حبيسي مدينة بلا حمام أو أشجار أو حدائق وهو بذلك يحول المكان إلى عقاب يتسلط على الشخصية (22) .

ومن جهة أخرى فإن عمليتي الانفصال /الاتصال من النوع المعقد في قصة الخلق لانها لا تتألف من سلسلة واحدة بل من سلسلتين متشابكتين، فهناك بؤرتان للمكان الأولى : الأرض .

آدم /الشخصية

الأرض /المكــــــان

آدم / الشخصية

الأرض / المكان

>وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حما مسنون <الحجر – 28

> إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين < الحجر 71

>يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب< الحج – 5

وتنتهي هذه السلسلة من الاتصال /الانفصال بين الإنسان والأرض عند الانفصال الثاني/ النشور ليوم القيامة، كما في الترسيمة التالية :

اتصال انفصال اتصال انفصال —– (آدم /الأرض) ——- (جنة/حياة ——- (حساب/جزاء —

قبل الخلق ( بعد الخلق مؤقت) ( بعد الموت مؤقت) بعد النشور

وتلخصها هاتان الآياتان : >والله انبتكم من الأرض نباتا. ثم يعيدكم فيها ويخرجكم اخراجا ”<نوح 17-18 . أما البؤرة الثانية للمكان فهي : الجنة

وتبدأ هذه السلسلة بالنعيم المؤقت /السكن في الجنة

ثم : بالعقاب المؤقت / الهبوط من الجنة

ثم نحو الأرض : النعيم المؤقت / والعذاب المؤقت

وتنتهي مع يوم القيامة حيث : النعيم الدائم /العذاب الأبدي

وهاتان السلسلتان لا تنفصلان بل تتنازعان الانسان /المكان، وبالتالي بتشظى المكان -البؤرة نتيجة الصراع وعوامل جذب إحداهما للاخرى، وتحافظ بنية الغموض الشاملة على شعرية العوالم الداخلية في النص.

وحينما نركز على عبارة كوهن أن الزمن متضمن داخل المكان (23) ، فإننا نستطيع أن نعتبر الزمن بعدا متغيرا للمكان، القبل والبعد، لحظة الان ولحظة المستقبل :

>وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء… وعلم آدم … وقال يا آدم انبئهم بأسمائهم… قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون < راجع سورة البقرة 30-33

فالله يعلم -قبل أن يخلق آدم صلاحيته لخلافة الأرض في كشف امتداد المستقبل ويتوازى علم الله المحيط بالمكان (السموات والأرض). مع علم الله المحيط بالزمان (واعلم ما تبدون /لحظة الان /وما كنتم تكتمون/ لحظة الماضي). بل تتحول رحلة الشيطان حتى جهنم إلى موعد يملأ الأرض بالصراع بين الانسان والشيطان،

>قال ربي انظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم< سورة ص < 79 – 81

أما دور المكان الشعري في قصة الخلق، فيمكننا تشخيص هذه الاتجاهات :

الأول : المكان مكافئ للشخصية:

الأرض تكافئ آدم في اعتراض الملائكة على خلقه >أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء… < البقرة -30

الثاني : المكان يتقمص هوية العلاقة بين الشخصيات

– السموات والأرض /علم الله عز وجل >ألم أقل لكم إني اعلم غيب السموات والأرض <البقرة <33

الحسد الشيطاني /الاخراج من الجنة >يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى < طه117

– الأرض /مسرح لصراع الشخصيات ”>قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين <الاعراف 24

الثالث : المكان : أداة اختبار

الشجرة>… ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين < الاعراف 19

الجنة جزاء للاستقامة >إن المتقين في جنات وعيون <الحجر 45

وقبل أن ننهي هذه الوقفات التحليلية الموجزة، لا بد وأن نشير إلى مظاهر الشخصية التي ارتبطت بالمكان الشعري قي قصة الخلق، فمما أكده الكاتبان رولان بورنوف وريال أونيليه في كتابهما عالم الرواية : >إن المكان سواء كان واقعيا أم متخيلا -يبدو مرتبطا بل مندمجا بالشخصيات كارتباطه واندماجه بالحدث أو بجريان الزمن (24) وشخصيات قصة الخلق كانت منسجمة تماما مع المكان الشعري لانها كانت شخصيات شمولية ، تأثيرية:

-الله عز وجل -الخالق، العالم، المانح، المعاقب، المثيب،

-الملائكة – الحامدون – المسبحون – المطيعون الله .

– ابليس -الشيطان – الشرير، الحاسد، المغوى، العاصي، وهي شخصية تغوي البشر في كل زمان ولا تحدها العواقب في خداع البشر، وتغريهم من أجل أن تجرفهم عن الطريق المستقيم. إن هذه الشخصية الشبحية تؤلف محور الصراع مع الانسان لكنها غامضة وخارج القانون الطبيعي، بل غير قابلة للتوقع، ومن هذا تنساب مجالاته البنيوية وتتداخل، ترى لم يكون الشبح شعريا؟ إن الاجابة توجد عند سيمون دي بوفوار في إحدى ملاحظاتها العابرة حول رواية الضيف (وما أجده شعريا انه لم يكن مرتبطا بالأرض، ويوجد في أكثر من مكان في وقت واحد) (25) تتأرجع بين الشمولية والغموض وهي تولد دوما طاقة تأثيرية من خلال النص .

– آدم -الشخصية المتورطة، المتسامية. تنهض من التراب لتتعلم أول الدروس من الله كي تتفوق على الملائكة، تذوق نعيم الجنة تم تصاب بأول خدعة شيطانية لكنها تؤوب من خلال فعل التوبة، وتؤمر بالهبوط وعلى الأرض تحاول الثأر من الشيطان باتباع الهدى من أجل العودة إلى الجنة، ويتحين الشيطان الفرصة للايقاع بها لانها أخرجته إلى الأبد من الجنة، ويحتدم الصراع بين شخصيات القصة وفجأة يقال لنا : اننا شخصيات بديلة عن آدم بحضور الشيطان والأرض والجنة والنار ويوم القيامة، فانفصال آدم عن الأرض وهبنا الحياة وانفصال يوم القيامة سوف يهبنا الخلود وتترك القصة مسافة الحياة لجمهورها في اختيار صورة ذلك الخلود .

وفي ختام هذا البحث نتساءل : ترى ماهي دلالة المكان الشعري في قصة الخلق، وما هي المستويات المنتجة لها ؟؟

————————————-

الهوامش

1) سمير المرزوقي وجميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ص 60

2) عبد الملك مرتاض ، في نظرية الرواية ص 143

3) جان كوهن، اللغة العليا والنظرية الشعرية، ترجمة أحمد درويش ، المجلس الأعلى للثقافة1995 ، ص 247

4)المصدر السابق

5) المصدر السابق ص 262

6)غاسثون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، دار الجا حظ، بغداد 1980ص 226

7) المصدر السابق

8) عز الدين اسماعيل، الأسس الجمالية في النقد العربي -دار الشؤون الثقافية، بغداد ط 3-1986، ص 267

9) عبد الاله الصائغ، الصور الفنية معيارا نقديا ، ط 1 – 1987 ص 230

10) عز الدين اسماعيل، الاسس الجمالية في النقد العربي ، 267

11) أحمد الشنقيطي- شرح المعلقات العشر- دار الأندلس ط 4 1982 ص 85

12)جان كوهن ، اللغة العليا، ص 251

13) عبد الملك مرتاض ، ألف ليلة وليلة (حكاية حمال بغداد) ص 113

14) عبد الرسول عداي -المستويات التقنية المنتجة للدلالة في سورة يوسف، مجلة دراسات عربية ع 5-6 / 1999 ص 121

15) القرآن الكريم -سورة الكهف الاية 65-82

16) عبد الاله الصائغ- الصورة الفنية ص 230

17) سمير المرزوقي وجميل شاكر، مدخل إلى نظرية القصة، ص 71-72

18) محمد باهي، الفضاء الروائي، مقال في مجلة المشكاة ع 29-1998 ص 112

19) درس الناقد ياسين النصير في كتابه إشكالية المكان النص الأدبي ، المكان البؤرة والذي يهيمن بفاعلية على مقاطع قصيدة (خيط النور) للشاعر البياتي

20) جان كوهن، اللغة العليا ، ص 255

21) قابل كريماس بين امتداد وفضاء من خلال تحول الامتداد المادي إلى فضاء عند تحوله إلى عنصر دال /مؤثر قابل للتفاعل مع الوعي ، راجع محمد باهي – الفضاء الروائي – مجلة المشكاة ع 29-1998 ص 120

22) عبد الملك مرتاض ، في نظرية الرواية ، ص 149

23) جان كوهن، اللغة العليا ص 247

24)المرجع المذكور – ترجمة نهاد التكرلي، دار الشؤون الثقافية العامة ط 1 -1991 ص 98

25) جان كوهن، اللغة العليا، ص 251