ديموقريط وهيراقليط*

ترجمة : عبد العلي اليزمي

تقديم

نقدم للقارئ الفصل 50 من الكتاب الأول من “المحاولات” لصاحبه ميشال دو مونتيني ( 1533 – 1592). ويعتبر هذا الكاتب مبدع المحاولة كنوع أدبي. فهو من وضع أسسها وأبدع فيها نصوصا أدبية وفكرية رائعة ما زالت تحتفظ بقوتها وروعتها رغم مرور مئات السنين. وقد اخترنا أن نقدم لقارئ علامات إحدى المحاولات التي قام فيها المؤلف بتقديم تعريف لنوع المحاولة التي يمكن اعتبارها نصا فكريا يعالج قضية معينة بطريقة حرة. فالمحاولة لا تستهدف البحث عن حقيقة ضائعة بقدر ما تطمح إلى تشغيل الطاقات الحية للفكر. وبعبارة أخرى، إنها تمرين فكري الهدف منه نفض الغبار عن العقل البشري وتعويده العمل باستمرار على معالجة مختلف القضايا التي تعترض الإنسان، مهما كان نوعها ومهما كانت طبيعتها، بطريقة تتجنب السطحية والتحجر والأحكام الجاهزة. إنها دعوة إذن لتجنب الكسل والخمول الفكري.

الترجمة

إن البصيرة أداة للاشتغال في كل موضوع وتصلح لكل شيء، ولهذا السبب لا أتوانى عن استعمالها في محاولاتي وأستغل كل الفرص الممكنة ؛ فإذا تعلق الأمر بموضوع لا أفقه فيه شيئا فإني أحاول أن أسبر من بعيد ممرا، فإذا وجدت أنه عميق وليست لدي القدرة على أن أغوص فيه وقفت على الضفة. ومادمت قد اكتشفت أني عاجز عن الخوض والتبحر فيه فهذا يكشف لي عن إحدى مميزاته. وتارة أخرى عندما يتعلق الأمر بموضوع تافه وعديم النفع، أحاول أن أرى كيف تستطيع بصيرتي أن تكثفه وكيف تبحث عن ما تدعمه به وتبرهن عليه. وتارة أخرى أتمحص موضوعا نبيلا ومتداولا ليس لها ما تجد فيه بنفسها مادام الطريق معبدا ولا يمكنها سوى اقتفاء آثار الآخرين، فتتلذذ باختيار الطريق التي تبدو الأفضل بالنسبة لها. ومن بين آلاف المسالك تقول أيها الأفضل . إني أختار بالصدفة مواضيعي، فكل المواضيع متساوية لدي ولا أريد تناولها بشكل كامل، لأنني لا أرى كلية أي شيء، وأقوم بمعالجتها مفضلا الغوص في أعماقها ما استطعت عوض الخوض فيها سطحيا. ومن مائة وجه للموضوع آخذ تارة وجها أنبشه وتارة ألامسه وثالثة أقرصه حتى العظم وأندفع فيه ليس لأتوسع فيه بل لأغوص فيه ما استطعت. وأريد في غالب الأحيان أن أعالج بعض الجوانب غير المعتادة. وكنت سأغامر بدراسة معمقة لمواضيع معينة لو كنت على جهل بنفسي. فأنا أزرع كلمة هناك وأخرى هنالك، وهي ليست سوى عينات مقتطفة من أصولها متفرقة عن بعضها، لا ترمي إلى شئ ولا تعد بشئ. ولست مجبرا على الإلمام بها ولا على التمسك بها وأغيرها متى طاب لي ذلك، وأنزع نحو الشك واللايقين وإلى شكلي السائد وهو الجهل.

إن كل حركة تكشفنا. إن ذات قيصر التي تتجسد في طريقته في الإعداد لمعركة فارسال وتسييرها هي التي تظهر وهو يمارس الجنس، وهو يخلد للراحة. إننا نحكم على حصان ما ليس فقط عندما نراه يعدو في ساحة ما ولكن أيضا عندما نراه يمشي، بل حتى عندما نراه وهو في الإصطبل.

إن بعض وظائف الروح وضيعة، ومن لا يراها من هذه الزاوية فهو لم يكمل معرفته بها، وربما استطعنا معرفتها أحسن حينما تكون في وضعها العادي. إن الأهواء العنيفة تشدها في أكثر المواقع سموا، أضف إلى ذلك أنها تتمدد كاملة فوق كل مادة وتنشغل بها كلية، ولا تعالج أكثر من موضوع واحد في كل مرة، ولا تعالجه حسب ما هو عليه بل حسب نفسها. إن للأشياء كينونتها ووزنها وشروطها وظروفها خارج الذات، ولكنها تتغير داخلنا حيث تغطيها الذات بمشيئتها. إن الموت مخيف في نظر سيسرون ومحبب بالنسبة لكاتون ودون طعم في أعين سقراط. إن العافية والضمير والجاه والعلم والقوة والثروة والجمال وأضدادها تتعرى عند دخولها الذات التي تغطيها بمشيئتها وتضفي عليها اللون الذي تريد : رمادي، أخضر، صاف، مظلم، لين، عميق، سطحي. ويتغير الأمر بتغير الأفراد، فلكل ذاته المميزة بقوانينها وأشكالها : إن لكل سلطانا على ملكها. ولهذا فلا ينبغي لنا أن نتحجج بالمزايا الظاهرة للأشياء ولنكف عن تحميل الدهر مسؤولية ما يقع. إن خيرنا ومضرتنا يتعلق بنا، فلنقدم لأنفسنا القرابين والمتمنيات التي نقدمها لله، فهو لا يقوى على شيء بالنسبة لأخلاقنا.

لماذا لا أحكم على الإسكندر وهو على مائدة الطعام ، يتسامر ويتنافس في الشرب، أو وهو يلعب الشطرنج عندما يكون ذهنه مشغولا بهذه اللعبة البليدة والصبيانية. إنني أكرهها وأتجنبها لكونها ليست فعلا لعبة، ولأنها تشدنا إليها بقوة، وأنا أخجل من إعطائها وقتا أجدى بي أن أصرفه في مسائل أنفع. إن الإسكندر لم ينشغل أكثر وهو يمهد لغزو الهند، ولا ذاك الآخر وهو يبحث عن شرح فقرة يتوقف عليها خلاص الجنس البشري. انظروا كيف أن ذاتنا تضخم وتفخم هذا اللعب المضحك وكيف أن أعصابنا تتحفز وكيف أنها بهذه الطريقة تعطينا فرصة سانحة لمعرفة أنفسنا والحكم عليها بعدل. إنني لا أنظر إلى نفسي بشكل أشمل في غير هذه الوضعية. أي شعور قوي هذا الذي نحس به في مثل هذه الحال؟ الغضب والغيض والحقد والقلق والطموح القوي إلى الانتصار في شيء كان من الأجدى بنا أن نطمح فيه إلى الهزيمة. فالبحث عن الامتياز النادر والخارق للعادة لا يليق برجل نبيل في عمل طفولي. وما أقوله بخصوص هذا الموضوع يمكن أن يقال عن كل المواضيع الأخرى : إن أي عضو من الإنسان وأي عمل يقوم به ينبه إليه ويكشفه كما يفعل عملا آخر.

إن ديموقريط وهيراقليط فيلسوفان، كان الأول منهما يجد أن وضع الإنسان تافه ومضحك وكان لا يخرج إلى العامة إلا بوجه هازئ وضاحك، أما هيراقليط فكانت تعتلي وجهه مسحة من الحزن وتدمع عيناه شفقة وعطفا على وضع الإنسان.

>كان الأول يضحك بمجرد ما تتخطى رجلاه عتبة بيته، والثاني على العكس منه كان يبكي<.

إنني أنزع نحو الموقف الأول ، ليس لأنه من السهل أن نضحك على أن نبكي، لكن لأن هذا الموقف أكثر احتقارا، ولأنه يديننا أكثر من الآخر. ويظهر لي أننا لن نستطيع أن نحتقر ذاتنا أكثر مما تستحقه. إن رثاء شيء ما وإبداء العطف تجاهه يعني ذلك أننا نخصه ببعض الاعتبار، أما الأشياء التي نهزأ منها فهي التي نعتبرها عديمة القيمة، وأظن أن ما فينا ينزع للتبجح أكثر منه إلى الشر وإلى الغباء أكثر منه إلى الدهاء.

إننا لسنا ملآى بالضرر أكثر مما نحن ملئ بالتفاهة، ولسنا أشقياء بقدر ما نحن أراذل. وإن ديوجين الذي كان يمشي لوحده وهو يجر برميله يزدري الإسكندرالعظيم، لأنه كان يعتبر أننا ذباب وأننا مثانات ملآى هواء، كان على قدر كبير من الحكمة وأشد لذعا وبالتالي على صواب. وموقفه أفضل من موقف تيمون الذي لقب بعدو الناس. إن إبداء الكراهية تجاه شئ ما أمارة على اهتمامنا به. إن تيمون كان يضمر لنا الشر ويرغب في ضياعنا، يهرب من معاشرتنا لكوننا أشرارا ولأن طبيعتنا منحطة، أما الآخر فيزدرينا لدرجة أنه لا يرغب في مجالستنا، ليس خوفا منا بل احتقارا للتعامل معنا. كان يعتبرنا عاجزين عن فعل الخير والشر معا.

وكذلك أجاب ستاليوس عندما طلب منه بروتوس الالتحاق بالمؤامرة المدبرة ضد قيصر، إذ إنه اعتبر الفكرة صائبة ولكنه لا يوجد أناس يستحقون من المرء أن يقاسي من أجلهم، والأمر نفسه بالنسبة لهيجياس الذي كان يقول بأنه يجب على الحكيم ألا يقوم بشيء ما إلا ما كان في صالحه مادام هو وحده يستحق أن يعمل من أجله شيئا، وكذلك الأمر بالنسبة لتيودوروس الذي كان يعتبر أنه لا يليق بالحكيم أن يقوم بما يعود على بلاده بالخير وأن يضع الحكمة في خطر لصالح الحمقى. إن وضعنا الخاص والشخصي يثير الضحك بالقدر نفسه الذي يثير الاحتقار.

* – ” De Democritus et Heraclitus” , in Les Essais, Livre I , Quadrige, Presses Universitaires de France, Paris, 1988